بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
كتب ابن القيم رحمه الله..
إخوتاه إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة؟
فبالله عليكم تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد
وأصلحوا من أعمالكم ما فسد . وكونوا من آجالكم على رصد..
فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب.. وأنتم تلعبون بالأجل وبين أيديكم يوم الحساب..
آه من ثقل الحمل.. آه من قلة الزاد وبعد الطريق..
فيا أيها المغرور بإقباله.. المفتون بكواذب آماله..
الذي غاب عن الصواب ..وهو في فعله كذاب..
يا بطال إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور؟؟؟
إلى متى يقال عنك: مفتون ومغرور؟؟
يا مسكين قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور؟؟
أترى مقبول أنت أم مطرود؟؟
أترى مواصل أنت أم مهجور؟؟
أترى تركب النجب غدا أم أنت على وجهك مجرور؟؟
أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور
فاز والله.. المخفون.. وخسر هنالك المبطلون..
ألا إلى الله تصير الأمور..
مالي أراك على الذنوب مواظبا ؟؟!!
أأخذت من سوء الحساب أمانا لا تغفلن كأن يومك قد أتى ..
ولعل عمرك قد دنا أو حانا.. ومضى الحبيب لحفر قبره مسرعا..
وأتى الصديق فأنذر الجيرانا..
وأتو بغسّال وجاؤوا نحوه وبدا بغسلك ميتا عريانا..
فغسلت ثم كسيت ثوبا للبلى.. ودعوا لحمل سريرك الإخوانا..
وأتاك أهلك للوداع فودّعوا.. وجرت عليك دموعهم غدرانا..
فخف الإله فانه من خافه.. سكن الجنان مجاورا رضوانا..
جنات عدن لا يبيد نعيمها.. أبدا يخالط روحه ريحانا ..
ولمن عصا نار يقال لها لظى.. تشوى الوجوه وتحرق الأبدانا..
نبكي وحق لنا البكاء.. يا قومنا كي لا يؤاخذنا بما قد كانا..
يُروى عن بعض المتعبدين أنه قال:
الهي عصيتك قويا .. وأطعتك ضعيفا..
وأسخطتك جلدا.. وخدمتك نحيفا..فيا ليت شعري..
هل قبلتني على لؤمي ..أم صرفتني على جرمي؟
قال: ثم غشي عليه ووقع على الأرض وانسلخت جبهته.
فقامت إليه أمه.. وقبّلته بين عينيه ..ومسحت جبهته
وهي تبكي وتقول: قرّة عيني في الدنيا.. وثمرة فؤادي في الآخرة..
كلم عجوزك الثكلى ..وردّ جواب أمك الحريّ..
قال: فأفاق الفتى من غشيته.. ويده قابضة على كبده..
وروحه تتردد في جسده.. ودموعه تنسكب على خده ولحيته ..
فقال لها: يا أماه هذا اليوم الذي كنت تحذريني منه..
وهذا هو المصرع الذي كنت تخوّفيني منه ..
هذا مصرع الأهوال.. وسقوط عثرة الأثقال..
فيا أسفا على الأيام الخالية..ويا جزعي من الأيام الطوال
التي لم أعرّج فيها على الإقبال..
يا أماه أنا خائف على نفسي أن يطول في النار سجني وحبسي..
يا حزناه إن رميت فيها على رأسي ..
ويا أسفاه إن قطعت فيها أنفاسي ..
يا أماه.. افعلي ما أقول لك.. فقالت له: يا بنيّ. فدتك نفسي. ماذا تريد؟.
قال لها: ضعي خدي على التراب حتى أذوق طعم الذل في الدنيا .
والتلذذ للسيّد المولى.. عسى أن يرحمني وينجيني من نار لظى..
قالت أمه: فقمت إليه في الحال.. وقد ألصق خده بالتراب..
والدموع تجري من عينيه كالميزاب.. فإذا هو ينادي بصوت ضعيف :
هذا جزاء من أذنب وعصى.. وهذا جزاء من أخطأ وأساء..
هذا جزاء من لم يقف بباب المولى.. هذا جزاء من لم يراقب العلي الأعلى..
قالت: ثم تحوّل إلى القبلة.. وقال : لبيّك.. لبيّك..
لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
قالت : ثم مات في مكانه..!!
فرأته أمه في المنام كأن وجهه فلقة قمر تجلى من سحاب..
فقالت له: يا بنيّ ما فعل بك مولاك ؟
قال: رفع درجتي وقرّبني من محمد صلى الله عليه وسلم.
فقالت له أمه: يا بنيّ.. ما الذي سمعت منك تقوله عند وفاتك؟
فقال لها: يا أماه، هتف بي هاتف وقال لي:
يا عمران.. أجب داعي الله، فأجبته.. ولبيّت ربي عز وجل.
رحمه الله تعالى وغفر له ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين
اللهم آمين
هذا هو حال من تعلق قلبه بالله !!!
وهذه هي خاتمة من خاف الله ورجاه !!!
وهذه هي رحمة الله بمن أناب إليه وهرب إليه !!!
لم أجد من الكلمات ما يضيف على هذه القصة !!!
ولم أعرف كيف أصف شعوري وأنا أنقل لكم هذه القصة !!!
ولكن كل ما أرجوه من الله أن يصل إلى القلوب القاسية فيلينها ..
وأن يحرك العيون الجامدة فيسيلها بالدموع من خشيته سبحانه ..
أسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا كلها
دقها وجلها.. أولها وآخرها.. سرها وعلانيتها ..
ما علمنا منها وما لم نعلم .. وما هو أعلم به منا ..
وأن يُحسن خاتمتنا ويقبضنا وهو راضٍ عنا غير غضبان ..
وأن يدخلنا الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب
ويرزقنا مرافقة الحبيب المصطفى في أعالي الجنان
وأن يرزقنا رؤية وجهه الكريم سبحانه
إنه هو السميع العليم
وبالمؤمنين رؤوف رحيم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على سيد المرسلين
اللهم آمين
