كتاب اليوم
محمد المسعودي
حديث في التربية
طرق التدريس التقليدية تعزل طلابنا عن المهارات الاجتماعية
مؤيد أبو طالب قائد بارع، تحسبه عندما تتحدث إليه كأنه مغرق في بواطن الحياة، ثقة رفيعة المستوى يستند إليها في حديثه ولقاءاته، وهو مازال ابن 13 عاماً، لغته عذبة، جمله أخاذه عندما يمسك المايكروفون بيمينه، ويجمع لغة الجسد في شماله، وكتفاه مشدودتان للأعلى بابتسامةٍ، ونظراتٍ واثقةٍ موزعةٍ داخل أسوار المدرسة الأربعة، موجهة لعشرات المعلمين ومئات الطلاب، تم اكتشاف قيادته المبكرة عام 2002م في فصل للتعلم التعاوني في إحدى مدارس جدة النموذجية.
والد مؤيد أب مثالي وموجه ومرب من الطراز النموذجي في بناء الثقة بالذات في أبنائه، قام بتحفيز ومساعدة ابنه ( القائد ) في خطوات التسجيل في آخر نسخة من برنامج ( عيش سفاري 2 ) في قناة آل MBC3 والذي قام فريق العمل فيه باختيار 8000 مرشحاً ممن تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من ست دول عربية، وتم اختبار جميع المتقدمين أمام الكاميرا، ليقع الاختيار على 16 مشاركاً نسبةً للأفضل شخصية وحضوراً .
ولم يكن مؤيد أحد شجعان عيش سفاري الموسم الثاني وممثل السعودية فقط، بل تجاوز إلى أن أصبح قائداً لمجموعة كاملة من المشاركين أثبت فيها مهاراته القيادية في البرنامج، وعبر عدة لقاءات مباشرة معه على الهواء في القنوات الفضائية، ليتمتع برصيد قوي من متابعيه ومحبيه.
يقول مؤيد عن مهاراته القيادية "لقد درست التعلم التعاوني منذ أن كنت في الصف الثاني ابتدائي، وتعلمت فيه كيف أكون قائداً لمجموعتي من معلمي الذي قام بتجربة التعلم التعاوني في فصلي، وكان يقوم بتدوير القيادة بيني وبين زملائي كل أسبوعين، تعلمت كيف أشجع زملائي في إنهاء المهمة العلمية المطلوبة، وبكل هدوء وتحفيز لجميع الأفراد، تعلمت كيف أقوم بمهارات القيادة، وكيف أوزع الأدوار والمهام في المجموعة، أعجبتني قيادة المجموعة وجوائز وتشجيع المعلم لأفضل قائد للمجموعات في كل فترة، استمتعت بالعمل مع المجموعات خلال دراستي بروح الفريق الواحد، وبالتواصل الإيجابي مع زملائي، تعلمت كيف أمسك المايكروفون، وحتى وصلت أن ألقي كلمة ارتجالية في حفل أو طابور صباحي أو أمام كاميرات تلفزيونية، كل هذه العوامل كان لها الدور الكبير في بناء مهاراتي القيادية".
كان مؤيد أنموذجاً حياً لبعض فوائد التعلم التعاوني ومهاراته التي يكتسبها الطلاب، وسأتطرق لبعض الفوائد التي أثبتتها بعض الدراسات التربوية الاجتماعية حول واقع التعلم الحالي، لقد وجدت أن أكثر من 85 % من الأعمال بالمدارس تقوم على أساس تنافسي فردي فقط بين الطلاب، وأن التعاون وبناء المهارات الاجتماعية لا تجد الاهتمام التعليمي أو التربوي الكافي، مما ينعكس سلباً على التواصل والتعاون في المجتمع على المدى البعيد، وهذا ما نشكو منه دوما في حياتنا ومجتمعنا في التواصل والحوار.
وهنا يعزوها البعض لأسباب عديدة من أهمها التغيرات الواضحة في بناء العائلة السعودية في العشرين سنة الأخيرة من حيث الانتقال من العائلة الكبيرة الممتدة المكونة من الأجداد والإخوان وأبناء العم، إلى العائلة الصغيرة المنفردة في ( بيت شرعي ) أو شقة تحيط بها الجدران، وأيضاً لأسباب الوقت الضائع بانشغال الأب والأم عن الأبناء بل و( تهرب ) البعض من المسؤولية الحقيقية في التربية أدى ذلك إلى قضاء أوقات الأبناء مع الخادمات ومتابعة الفضائيات والنت والبلاي ستيشن play station وفرقها 1 و 2 و 3 ... لأوقات مخيفة تحديداً بالمرحلة الابتدائية، ونحن نعرف مدى أهمية وخطورة هذه المرحلة العمرية في اكتساب المهارات الاجتماعية والحوارية التي نفتقدها ونهملها أسفا في المنزل والمدرسة.
ولكن تطبيق التعلم التعاوني كاستراتيجية تعليمية ( متقنة ) في مدارسنا سيثري حتماً مهارات الطلاب التعاونية والتواصلية من خلال التفاعل بين أفراد المجموعة التعاونية، مع عدم إغفالها كاستراتيجية تعود على الطلاب كمصدر جاذب مهم من مصادر التعلم بطريقة مشوقة ومحببة تبعد الرتابة التقليدية عن فصولنا وقاعاتنا، وتعود الطلاب على تحمل المسؤولية منذ اللحظة الأولى التي يتم فيها تقسيمهم إلى مجموعات وإعطاؤهم الفرصة لممارسة القيادة للمجموعات داخل الفصل، والمشاركة في إدارتها جانب رشيق يضاف لرفع درجة مشاركات الطلاب، مروراً بأداء مهمة أو كتابة تقرير أو حل مسألة، مما يجعلهم أيضاً ملتزمين بنظام المجموعة واتباع الإرشادات والتوجيهات، سواءً كانت من المعلم أو من قائد المجموعة، وهذا يحرز تطويراً للأجواء التقليدية، وسد الفجوة الناتجة عن الممارسة التعليمية في الفصل التقليدي التي تعطي المعلم فقط الدور الكامل في لغة الاتصال التربوي ( بالتلقين ) فقط، لينتقل فيها لتوجيه التعلم وإرشاد الطلاب، وتوفير البيئة المناسبة لحوار الطالب أمام زملائه في داخل المجموعة وجها لوجه تعطي ثقة بعدم الحرج أمامهم أثناء النقاش أو طرح التساؤلات، وهذا ينعكس إيجاباً بإعطاء الفرصة للتأثير على الطالب قليل الإنتاجية أو الدافعية - المسمى لدى بعض التربويين أسفاً الطالب الضعيف- لرفع مستواه التحصيلي، وبذلك يصبح الطلاب ملتزمين نحو بعضهم وبأهداف مشتركة، لتعزيز الثقة بالنفس بمناقشة الطالب لأموره مع زملائه دعماً وتعزيزاً بتعليم الطلاب من بعضهم، حيث نجد الكثير من الطلاب الذين يتعلمون بمساعدة زملائهم أكثر مما يتعلمون من معلمهم.
لذلك وجدت بعض الدراسات التربوية الحديثة أن الطلاب الأقل قدرة يفضلون العمل مع طلاب أعلى قدرة منهم، وأن الفائدة والتحصيل يكونان بشكل أكبر من بقائهم بشكل فردي، وهذا مايتم في استراتيجية التعلم التعاوني.
فكم نحن في وطننا بحاجة إلى ( تعاون ) لإيجاد تعليم وتعلم راقٍ يسمو بنا، لنحتفل بجيلٍ واعٍ يتحمل المسؤولية والقيادة كآلاف من مؤيد أبوطالب الأنموذج المشرق الصغير الذي ارتدى ثوب القيادة لمستقبل مشرق سابح في عينيه، وفي نبرة صوته، وقامته النحيلة.
مرفـــــأ
ما أكثر الطاولات المستديرة، وما أسوأ إحساس المتحلق حولها بالوحدة الفكرية والنفسية !!. ( خالد أبوحكمة - محاضر سعودي )
محـمد المسـعـودي - متخصـص في الاستراتيجيـات التربويـة الحديثـة، واشنـطـن
للاستشارات التربوية والتواصل / [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]