روابط مفيدة : استرجاع كلمة المرور| طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية |
||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | ||||||||||||||||||||||||||
|
عضو مبدع
![]()
|
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين تحدثنا عن الزمن و استعرضنا قضية نسبيته، و كيف قامت البراهين العقلية و العلمية على ذلك، و كيف أن الديانات القديمة و منها ديانات المصريين القدماء قامت على فكرة تجرد العالم الأعلى عن الزمن. ثم فوق ذلك كله كيف أن العقيدة الصحيحة في الله هي في تنزيهه تعالى عن الأغيار و الحوادث و علوه تعالى عن المكان و الزمان اللذين هو خالقهما. كما استعرضنا الآيات القرآنية التي تتحدث عن الزمن و كيف أنها تقودنا إلى التصور الصحيح لحقيقة الزمن. ثم قلنا أننا نستطيع أن نخلص من ذلك إلى أن وجودنا يمكن تمثيله بمعادلة طرفها من جهة عالمنا هو الزمن و طرفها من الجهة الأخرى في عالم الغيب هو الكتاب المبين. و بين الطرفين حجاب لا يخترق و ليس إلى عبوره من سبيل إلا بعروج الروح إلى بارئها. و اليوم نتحدث عن الكتاب المبين الذي هو مصدر الأقدار و خلفية العالم الأدنى. قلنا أن هناك وجودين متوازيين و غير متساويين، أحدهما أدنى له أبعاد مادية و زمانية، له ماض و حاضر و مستقبل و تعتريه الأغيار و الحوادث، و الآخر أعلى و أسمى من تلك الأبعاد المكانية و الزمانية لا تعتريه الأغيار و لا تجري عليه الحوادث. و الأعلى هو مصدر الأقدار التي تجرى على الأدنى. و لكن الأدنى هو أيضاً مصدر على الأقل لبعض ما يسطر في الوجود الأعلى إذا سلمنا بوجود الإختيار. أي أن هناك تبادلاً بين هذين الوجودين تنتقل فيه المقادير و الأعمال عبر ذلك الحجاب الغامض الفاصل بين عالمي الغيب و الشهادة. لا نعرف كيف يحدث هذا الإلتقاء بين النسبي و المطلق و كيف يلتقى الزمن مع اللازمن لكننا نعلم أنه يحدث. هذا هو نزول الأمر و عروجه الذي تحدثت عنه الآية الشريفة في سورة السجدة. و هذا الحجاب الذي يفصل العالمين لا يمكن أن ينكشف طالما ظللنا في عالم الشهادة. ما نريد أن نصل إليه هو ذلك التبادل للمقادير و الأعمال عبر حجاب الغيب بين عالمنا ممثلاً في الزمن و بين العالم الآخر ممثلاً في الكتاب المبين. بالإضافة إلى ما أوضحناه من قبل من عقيدتهم في الزمن، إعتقد قدماء المصريين أن العالم الآخر هو الخلفية لكل شئ في العالم المادي و أن هناك تلاحماً بين الإثنين بحيث يشكل العالم الآخر مصدر الوجود و الحياة و الأحداث في العالم المادي، كما اعتقد المصريون القدماء أن الأموات في العالم الآخر هم الأحياء حقاً و ليس نحن. هذا التعبير عن الوجود الأعلى بأنه الخلفية لجميع أحداث عالمنا هو ما نعبر عنه بالكتاب المبين. الطرف الثاني للمعادلة الذي يمثل المصدر و التسجيل الحي لجميع ما يجري في عالم الشهادة من أحداث و الذي هو مكتوب منذ الأزل بالمفهوم الصحيح للأزلية و هو التجرد عن الزمن. و لنقف الآن عند هذا الطرف و نرى ما قاله الله عز وجل عنه. كل شئ مقدر في كتاب مبين. و هذا الكتاب المبين المذكور في مواضع كثيرة من القرآن ليس كتاب الأعمال و المصائر فقط، لكنه أيضاً كتاب الأحوال و المخلوقات و كل ما في السماء و الأرض. أي أن هذا الكتاب هو سجل شامل للوجود كله، و لنتأمل معاً الآيات: "وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)" يس. "وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٍ (53)" القمر. "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)" الحديد. "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)" فاطر. "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)" الأنعام. "وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)" يونس. "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)" هود. "وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56)" الروم. "وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3)" الطور. "مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (38)" الأنعام. في كتاب، في الكتاب، في كتاب مبين، في إمام مبين، في الزبر، في كتاب الله، كل هذه الأسماء تدور حول معنى احد. حول كتاب فيه كل حادث في الأرض أو في أنفسنا، كل قضاء وقع أو سيقع، فيه الأعمار و ما تحمل الأرحام، فيه ما في البر و ما في البحر و ما في ظلمات الأرض، فيه مثقال الذرة في الأرض أو السماء أو ما هو أصغر من ذلك. و فيه علم ما فني و ما سيفنى من المخلوقات إلى أن يبعثها الله يوم البعث. "لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ". في كتاب الله يكون الوجود المجرد، وجود الروح إلى أن نبعث من جديد فيعطينا الله وعياً و إداركاً جديدين و وجوداً مادياً جديداً، "يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)" إبراهيم. الكتاب المبين هو سجل شامل للوجود كله. الله كتب هذه الكتاب بأن جعل فيه صفة كل ما هو كائن من مخلوقات و أعمال و أحوال في هذا الكون. ثم جعل الله الكون صورة لهذا الكتاب، فكنا و كان جميع ما حولنا من مخلوقات. و لكن هذا الكتاب ليس صحائف و أوراق كتب فيها بقلم ذو مداد. الكتاب و القلم أسماء لمسميات لا يعلم كنهها إلا الله تعالى. الكتاب ليس بالضرورة نصاً مخطوطاً. فنحن حين نعبر مثلاً عن الأحداث الدنيوية بأنها كتاب الزمن، أو نستخدم تعبيرات مثل صفحة الزمن، أو صفحات العمر، أو كتاب العمر، كل هذه تعبيرات لا تعني أن عمرك أو حياتك مجموعة من الأوراق بين دفتي كتاب. الكتاب كناية عن التسجيل و التوثيق. و التسجيل و التوثيق يمكن أن يتم بأي صورة من صور تمثيل الواقع. المهم هو الإيمان بوجود الكتاب المبين الذي هو سجل الوجود من غير تشبيه و لا تمثيل، و من غير إنكار أو تعطيل لشئ من صفته التي ذكرها الله في القرآن الكريم. و في الكتاب المبين جعل الله سنناً و قوانين تسري على جميع الخلق لتشكل علاقتهم بالقدر و بعالم الغيب. و هذه القوانين تختلف عن القوانين المادية التي تحكم حركة الوجود الأدنى مما نستطيع أن نرصده و نكتشفه في علومنا الطبيعية من فيزياء و كيمياء و رياضيات و غيرها. أما القوانين التي أقصدها هنا فهي تحكم علاقة الإنسان بالقدر. و هي قوانين لا تعلم بالرصد و إنما تدرك بالتأمل في كتاب الله و ما أنزل إلينا من الحكمة، و كذلك تأمل أحوال أنفسنا و أعمالنا و ما يسري علينا من قدر الله. إذاً نحن أمام نوعين من السنن الإلهية. و هذان النوعان من السنن مهمان جداً فيما سيلي من حديثنا عن قضية القدر: أولاً: سنن مادية: وضعها الله لتحكم حركة المخلوقات في عالم الشهادة. و هي سنن تتبع قوانين السببية المادية. فالنبتة التي لا تروى تموت، و الأجسام تسقط بالجاذبية، و الكائن الحي يتكون من إلتقاء حيوان منوي و بويضة، و السيارة تسير بالوقود، و الوقود يشتعل بتفاعل جزيئاته مع أوكسجين الهواء تحت حرارة معينة، إلى غير ذلك من علاقات سببية لا تحصى. و هذه السنن المادية هي موضوع بحث جميع العلوم الإنسانية من علوم طبيعية و إقتصادية و إجتماعية و غيرها. فأقصى ما يطمح إليه أهل كل علم هو القوانين الحاكمة لحركة الأشياء التي يدرسها ذلك العلم. فأهل الفيزياء يضعون قوانين حركة الأجسام، و أهل الكيمياء يضعون قوانين تفاعل الجزيئات، و أهل الإقتصاد يضعون قوانين التضخم، و المخاطر، و الربح. حتى في العلوم التي لا تعتمد على التجارب المخبرية و القياسات الفيزيائية مثل علم الإجتماع جاء رجل مثل ابن خلدون ليؤسس لعلم جديد يعتمد على النظر و التحليل لاستخلاص السنن الحاكمة لحركة المجتمعات. المهم من ذلك كله أن كل حركاتنا في العالم المادي، الذي سميناه الزمن، تخضع في الأصل للسنن المادية. و قد وصلنا سابقاً إلى أن هذه السنن المادية السببية إذا قلنا بها بصورتها المجردة فلا يمكن إلا أن تقودنا إلى الحتمية التي هي الصورة الأخرى للجبرية. ثانياً: سنن غيبية: و ضعها الله في عالم الغيب لتحكم تحصيل الأقدار و تسجيل الأعمال و تحديد المصائر في الدارين. و هذه هي التي أسميها سنن الكتاب المبين. و هي سنن لا تخضع لقوانين السببية المادية. و لا نستطيع دراستها بالتحليل الكمي و لا القياس الفيزيائي. هذه السنن هي التي تعبر عن التدخل الإلهي في حياتنا و ما يصيبنا فيها من خير و شر، و هي أيضاً التي تعطينا إرادتنا الحرة و تحقق لنا مراد التكليف الإلهي للبشر. أي أن السنن الغيبية هي المسولة عن شيئين هامين من أهم ما اختلف فيه كل من تكلم في القدر: 1) التداخل الإلهي: حيث أن الكون لا يسير بغير خالق كما عند أهل الإلحاد، و لا يسير بدون تدخل خالقه كما عند الماديين عامة. 2) الإختيار البشري: حيث أن الإنسان ليس خاضعاً للسببية المادية كما يقول الماديون، و ليس مقهوراً من خالقه على اختيارات محددة سلفاً كما يقول الجبريون. أي أننا نستطيع أن نقول أن حياتنا هي محصلة ثلاثة أمور متداخلة هي: السببية المادية – طلاقة القدرة الإلهية – الإختيار و التكليف البشري. هذا كلام لا يختلف عليه من حيث المبدأ جميع من يؤمنون بالقدر على الكيفية التي جاء بها القرآن الكريم و جرت بها السنة الصحيحة. و لا نضيف جديداً حين نقرر هذه الأمور الثلاثة. لكن الجديد هو كيفية الجمع بين هذه الأمور في إطار واحد متسق و متجانس من الناحية الفكرية و المنطقية و أيضاً من ناحية التوفيق بين النصوص الشرعية. رأينا في بداية حديثنا أن هذا الجمع ليس بالشئ اليسير. و أن هناك الكثير من الغموض و اللبس و التضارب الظاهري الذي يعتري المحاولات السابقة للجمع بين هذه الأمور. و ما حاولناه على مدار الموضوعات السابقة هو أن نوضح مصدر اللبس، و نوضح أن خللاً فكرياً ناشئاً عن تصورات و مفاهيم خاطئة هو الذي ساقنا لكل هذا التضارب. و ما فعلناه حتى الآن هو أننا وضعنا إطاراً فكرياً متناسقاً و متماسكاً نستطيع أن نجمع فيه بين هذه الأمور في سلاسة و يسر بحيث نرى في النهاية كيف أنها جميعاً جزء من صورة واحدة متكاملة لا تنافر بين أجزائها، نصل بالنظر إليها إلى فهم لقضية القدر تصح معه العقيدة، و يستقيم مع السلوك، و يطمأن إليه العقل. و لنعد إلى تلك السنن الغيبية التي نريد أن ننظر فيها و نضعها مع السنن السببية في إطار واحد على خلفية ما قررناه سابقاً من وصف لوجودنا و علاقته بالوجود الأعلى. قلنا إن سنن الغيب هي التي تعبر عن حقيقتي التدخل الإلهي في حياة البشر، و التكليف و الإختيار البشري. و هنا نلحظ شيئاً هاماً في غاية الخطورة. إن حرية الإختيار البشري ليست نابعة من طبيعتنا المادية كما قد يتصور البعض. كثيرون يظنون أن عقل الإنسان الذي يرونه جزءاً من تكوينه المادي هو مصدر إختياره الحر. و يجعلون ذلك ذريعة للتمرد على التدخل الإلهي في حياة البشر بإرسال الرسل و إنزال الوحي، متذرعين بأن ذلك تغييب أو انتقاص لدور العقل و لحرية الإنسان في الإختيار. و الذين يعتقدون بهذا يتراوحون بين مادية تقبل الألوهية مع تعطيل دورها و إرجاع كل حركة الكون لقوانين السببية، و بين إلحاد كامل يرفض فكرة الإلوهية. و قد رأينا من قبل في بداية حديثنا كيف أن السببية المادية و الإختيار الحر لا يجتمعان. و أن ما يعتقده الماديون لا يمكن أن يقود إلا إلى الحتمية و تعطيل الإختيار البشري. المفاجأءة الكبرى الآن و التي لم يتوقعها الماديون أو الرافضون لما يسمونه الغيبيات، هو أن حرية العقل البشري و إثبات الإختيار الحر للإنسان ليس وليد وجوده المادي، و إنما هو جزء من عالم الغيب الذي يرفضونه. الإختيار البشري ليس وليد ماديته و إنما وليد سنن عالم الغيب. الإختيار البشري ليس جزءاً من الجسد و لكنه نفخة من روح الله. الإختيار البشري ليس من قوانين الزمن، و إنما هو من سنن الكتاب المبين. ليس هذا الكلام تشدقاً بأقوال موروثة، و لا تسليماً لغيبيات معطلة للعقل. هذا الكلام هو النتيجة المباشرة للمقدمات الفكرية و للتحليل المنطقي الذي سقناه على مدى الموضوعات السابقة. ليس أمامنا إلا أن نقر بأن علو درجة الإنسان و قدرته على الإختيار الحر ليس إلا وليد التكريم و التكليف الإلهي، الذي لا يمكن أن يثبت بغير قبول عالم الغيب و وجود الله و طلاقة قدرته. و بدون التسليم بأن القدرة على الإختيار هي جزء من سنن عالم الغيب، فإننا نعود إلى الحتمية و إلى مساواة الإنسان بسائر الكائنات الحية المحيطة به الخاضعة للسببية المادية المجردة. و لنواصل حديثنا عن الكتاب المبين. قلنا إن الكتاب المبين هو تسجيل كامل مجرد عن الزمن لكل وقائع الوجود الزمنية. و حقيقة كون هذا الكتاب مجرداً عن الزمن تعني قابلية هذا الكتاب للتعديل من غير أن يقدح ذلك في طبيعته الأزلية. التعارض بين تغيير محتوى الكتاب المبين و بين جفاف الأقلام و طي الصحف كان مرجعه لربط كل من تسطير الكتاب و تغييره بعنصر الزمن الذي نقع نحن في منتصفه بين التسطير و التغيير. و حيث أن الأمر ليس كذلك فلا انفكاك إذاً بين التسطير و التغيير إذ هما في جوهرهما شئ واحد من شؤون العالم الأعلى الأزلي المتجرد عن الزمان و المكان. و بذلك تتحقق تلك الآية العظيمة التي عنونت بها هذه السلسلة من الموضوعات و هي قول الله تعالى "يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)" الرعد، و ذلك هو عين جفاف الأقلام و طي الصحف.و لكن ما هو أم الكتاب. الأم في اللغة الأصل. و أم كل شئ أصله و منبته. و هذا يعني أن المحو و الإثبات يتم وفق أصل لا يتبدل و لا يتغير موجود في أم الكتاب. و من ضمن ما جعله الله في أم الكتاب تللك السنن الغيبية التي تمثل أصولاً حاكمة لا محو فيها و لا إثبات و لا تبديل. و أي تغيير في الكتاب المبين فإنما يتم وفق هذه السنن و الأصول التي حددها ربنا. و قد ذُكر لفظ أم الكتاب بهذا المعنى في القرآن مرتين. فأما الأخرى فقول الله تعالى "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)" الزخرف. و كأن القرآن الكريم منسوخ في أم الكتاب فهو من الثابت الذي لا يتبدل و لا يتغير. إذاً فنحن أمام شيئين. أم الكتاب الذي فيه سنن الغيب و أصل المقادير و قد يكون فيه غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، و هو لا يتغير و لا يتبدل. و الكتاب المبين الذي فيه صورة كل ما هو كائن في السماء و الأرض، و الذي هو قابل للمحو و الإثبات. و قد يكون اللوح المحفوظ هو الذي يجمع بينهما. و قد يكون اللوح المحفوظ هو أم الكتاب. و هذه أمور لا يمكن الجزم بها و لا تعلم حقيقتها إلا بالوحي. و لنكتفي بالقول بأن لدينا كتاباً مبيناً و لدينا أم الكتاب. لكن هناك شئ آخر تكتمل به الصورة و تستقيم به المعادلة. يقول الله عز وجل في سورة الجاثية "هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)". و يقول تعالى في سورة الكهف "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًأ (49)". فأين تنسخ الأعمال، و أين تسجل الحسنات و السيئات. هل يتم ذلك في الكتاب المبين؟ أم أن هناك شئ ثالث؟ نحن نعلم أن لكل إنسان كتاب عمله الخاص "اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)" الإسراء. و هذا الكتاب الخاص قد تكون له أسماء عدة. فهو صحيفة الأعمال، أو الصحف المنشرة. و قد نسميه اصطلاحاً كتاب الأعمال، تمييزاً له عن الكتاب المبين. هذا الكتاب هو تسجيل حي لزمنك الخاص الذي تحدثنا عنه من قبل. إذاً فلعلنا أمام ثلاثة أشياء. و يجوز أن يكون كتاب الأعمال جزءًا من الكتاب المبين. و ليس ما يعنينا هنا هو الفصل بين كيانات لا يعلم كنهها إلا الله. لكن ما يعنينا هو ما يعطيه كل اسم من مضامين مختلفة. لذلك سنتابع حديثنا عن كتاب الأعمال على اعتباره شيئاً مستقلاً. تفيدنا آية سورة الجاثية بأن كتاب العمل هو استنساخ كامل لحياتنا الدنيوية. فكأنك حين يعرض عليك كتابك تشاهد تسجيلاً مصوراً لشريط حياتك. أي أن كتاب عملك هو توثيق زمنك. و حيث أن زمنك ملكك لا يشاركك أحد بما يكتب فيه، فكذلك كتابك لا يسأل عما فيه غيرك. صار أمامنا الآن أربعة أشياء. ثلاثة في عالم الغيب و واحد في عالم الشهادة. و هي على التتابع: أم الكتاب – الكتاب المبين – الزمن الدنيوي – كتاب الأعمال، و يفصلهم شئ خامس هو حجاب الغيب. كتب الله الكتاب المبين وفق سنن قدرها في أم الكتاب، و خلق الكون فصار صورة لما في الكتاب المبين و صار الزمن. و بث في الكتاب المبين سننه التي قدرها في أم الكتاب فتشكل الزمن أزمنه فردية لكل فرد زمنه الخاص، فنشأت عن هذا قدرة البشر على الإختيار إضافة لما يسري عليهم من السنن المادية السببية التي بثها الله في الزمن، فاختلط اختيار الروح بسببية المادة فكانت الأعمال و الأحوال، فنسخ الله ذلك كله في كتاب العمل الذي يعرضه علينا عند الحساب. لكن الصورة لم تكتمل بعد. فنحن فهمنا الكتاب المبين حتى الآن على أنه أصل كل ما في حياتنا من معطيات. وفهمناه على أنه يسمح لنا بالإختيار مرتين. مرة حين يعطينا زمناً فردياً خاصاً نمسك فيه بطرف التسلسل السببي على امتداد لحظات عمرنا، و مرة حين يصلنا بسنن الغيب فتؤثر نتيجة اختياراتنا في أقدار ليست حاضعة للسببية المادية. لكن كيف يتغير الكتاب المبين نتيجة الإختيار؟ كيف تعود نتيجة أعمالنا إليه لتغير ما فيه؟ تكتمل الحلقة بالربط بين محتوى الكتاب المبين و محتوى كتاب العمل، أو ما يمكن أن نسميه الأمر الهابط و الأمر الصاعد كما في آية سورة السجدة التي استعرضناها سابقاً "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ". هذا ما نحتاج لمناقشته بشئ من التفصيل لأنه سيقودنا للكثير من تلك السنن الغيبية المتعلقة باختيار البشر و بما يأذن الله لهم به من قدرة على تغيير القدر. تلك السنن ستقودنا مناقشتنا لها بإذن الله إلى الإجابة على جميع تلك الأسئلة التي طرحناها سابقاً. و هذا موضوع نقاشنا القادم. فالله المستعان، و هو ولي التوفيق. منقول |
||||||||||||||||||||||||||
|
![]() |
| مواقع النشر |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| حصرياً - الجاسوسات - الجزء الأول كامل Hq لمحبى أفلام التورينت | mkhalel | الانمي وافلام الكرتون Anime cartoon | 65 | اليوم 04:34 AM |
| للرومانسيات فقط ... - الجزء الأول - | ملكة الطوفان | ديكور المنزل ديكورات جميلة و رائعة | 5 | 05-04-2008 07:31 PM |
| جسم الإنسان - الجزء الأول - | ملكة الطوفان | صحتك أولاً و الوقاية من الامراض | 4 | 02-25-2008 12:59 PM |
| مريض فوق السرير قصة واقعية... الجزء الأول | dahome | قصص و روايات و حكايات | 0 | 10-09-2007 11:53 PM |
| رسا ئل وسائط لعيونكم الجزء الأول | الحلوه 2006 | وسائط متعددة MMS | 22 | 10-04-2007 07:30 PM |