بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
في إطار النشاط السياسي وربما أيضاً في إطار البحث العلمي، تراجع إستخدام مفهوم الطبقة عموماً والطبقة العاملة خصوصاً، وتراجع علم الإجتماع عموماً، منذ إنهيار المنظومة الإشتراكية. وراجت تعبيرات مثل رجال الأعمال والتقنيون والنخب والفئات الوسطى وأيضاً المهمّشون. وبدت الإشارة إلى الطبقة العاملة وكأنها من الماضي، حيث قيل أنها تلاشت، أو على وشك. وبدا أن " علم السياسة " هو الذي إنتصر في المعركة الطاحنة بين الإشتراكية والرأسمالية. لكأن مفهوم الطبقة العاملة ومفهوم صراع الطبقات هو من إرث الإشتراكية المنهارة، ومن " تلفيقها "، وبالتالي من زوّادتها الأيديولوجية في صراعها مع الرأسمالية.
و إذا كان هناك مَن ينطلق من " التطوّر المذهل " في مجال التكنولوجيا، وإنعكاس ذلك على تركيب الطبقات وخصوصاً الطبقة العاملة، من جهة إيجاد الأساس لنفيها وبدء تلاشيها، حيث أسّس هذا التطوّر لأن يصبح " العقل " هو قوّة الإنتاج بديلاً للطبقة العاملة التي مجّدتها الماركسية، وبالتالي لتصبح الماركسية ذاتها نافلة ومن الماضي. فإن هذا التعامل مع مفهوم الطبقات ومفهوم الطبقة العاملة وصراع الطبقات نتج عن عنصرين متداخلين، الأوّل: لقد كان نتيجة إنتصار الميل السياسي ( وبالتالي السياسوي )، الذي كان موجود دائماً في الحركة الماركسية، لكنه كان يُقام على " أكتاف " الطبقة العاملة. ويبدو أنه لم يعُد بحاجة إليها بعد إنهيار الإشتراكية، لهذا " شطح " إلى المدى الذي سجن الوعي في حدود السياسة. وإذا كانت السياسة علم كذلك، ونظرية أيضاً، فقد تقزّمت السياسة إلى حدثٍ، أي إلى علاقات وتصريحات وممارسات. وفي هذا الوضع إختفت كل الأسس التي تقوم عليها، التي هي المجتمع، وبالتالي لم يعُد من الممكن رؤية الطبقات، وغدا الإقتصاد أحداث عابرة.
و الثاني: طغيان الميل الديمقراطي، وتحوّل الديمقراطية إلى هدف وحيد تقريباً. ولاشك في أن التطوّرات العاصفة في الأمم المخلّفة منذ ثورة أكتوبر، والتي أسّست لتأسيس بنى مجتمعية حديثة، فرض أن تصبح الديمقراطية والعلاقات المجتمعية القائمة على الحداثة، هدفاً أساسياً ومطلباً ضرورياً، لأن حداثة " البنية التحتية " تفرض حداثة البنى المجتمعية وحداثة الدولة كذلك. لكن اللافت أن إندفاع الفئات الوسطى نحو الديمقراطية جعلها، لكي تسود هي، تتجاهل وضع كليّة المجتمع، والتركيز على المستوى الديمقراطي ( الذي هو نتاج السياسي ) وإحلال ذواتهم بديل الطبقات كونهم نخبة ، ووضع مصالحهم بديل مصالح الطبقة العاملة وكل الفئات المفقرة. وبالأساس إنكار وجود الطبقات الفقيرة تلك.
إذن، ما أودّ قوله أن " المصالح الضيّقة " للفئات الوسطى فرض أن تلغي المجتمع والطبقات الإجتماعية، وأن تحلّ ذاتها محلّه ومحل الطبقات الفقيرة كلها. وبالتالي تحويل هدفها كهدف عام، وأيضاً وحيد. وإذا كان التطوّر التكنولوجي قد أوحى بنهاية الطبقات المنتجة خصوصاً، فإن إشكالية وعي الماركسية التي كانت مخترقة بمصالح الفئات الوسطى الساعية للتحرُّر السياسي، هو الذي أنتج التصوّرات الراهنة عن الطبقات وعن الطبقة العاملة خصوصاً، وأيضاً عن الصراع الطبقي. لقد إندفعت تلك الفئات للتعبير عن " مكنونها " الآن، متحرّرة من عبء الطبقة العاملة التي كانت تعتقد أنها تحمله على أكتافها. وضخّمت حلمها الحقيقي الذي يفتح لها أفق التسيٌّد على الأقل في المستوى السياسي، وهو المستوى الذي يفتح لها أفق الإثراء كما لاحظت. لهذا أخذت " تتعربش " محمولة على شعار الديمقراطية، رغم قلّة وعيها الديمقراطي وهزال ممارستها الديمقراطية.
هنا أشير إلى زاوية منهجية تتعلّق بالرؤية، أو بزاوية النظر. أي بالطريقة التي يجري عبرها النظر إلى الواقع من أجل فهمه. حيث يفرض المنطق الصوري ( وهو المنطق المستحكم في الوعي السياسي ) النظر إلى الشكل ( أو إلى السطح ) ، وملاحظة الأحداث والتحرّكات والعلاقات، التي هي كلها تصل إلى " العقل " دون جهد كبير. أما ما هو أبعد من ذلك، ما يسكن خلف كل ذلك، فيبقى خارج الوعي، وأبعد من أن يكون أساس تحليل كل ما يجري. فهو لم يقع على العين ولم يلمس الأذن، رغم أنه الأساسيّ. هل السياسة الأميركية هي من صنع الإدارة، أم أن الإدارة هي " الجهاز التنفيذي " لطبقة تسعى للهيمنة على العالم؟ وبالتالي هل أن تغيّر الرئيس يقود إلى تغيير السياسة؟ " علم السياسة " يفصل هذا عن ذاك، ويتعامل مع " الدولة " ومع " العلاقات الدولية "، وكذلك مع السياسات التي ترسمها الإدارة كونها سياسات صادقة ومعبّرة حقيقة عن الإدارة ذاتها. لكن، ورغم الإستقلالية النسبية التي للإدارة، فإن السياسة هي سياسة الطبقة الرأسمالية، سياسة رجال المال. هذه العلاقة الغائبة في الوعي الماركسي السابق، هي التي تضيع في متاهات التصريحات الصحفية، وتتوه خلف المواقف.
و حينما يكون هناك رجال مال تكون هناك طبقة عاملة حتماً. فمن يُنتج فائض القيمة إذن؟ العقول؟ نعم، ولكن كذلك لا. لقد إزداد دور العقل في العملية الإنتاجية لكن دون أن يصبح أساس إنتاج فائض القيمة. وإذا كان التراكم الهائل للمال ( ولا أقول الرأسمال لأنني أقصد الأموال التي غدت خارج العملية الإنتاجية، وأصبحت تمارس دور المضاربة في أسواق الأسهم في إستثمارات قصيرة الأجل ) يُظهر في حركته أن الربح هو ليس نتاج العمل ( بالمعنى التقليدي لكلمة العمل )، حيث تفضي المضاربات إلى تعاظم المال، فإن التدقيق هنا سوف يُظهر كيف أن هذه المضاربات قادت إلى نهب فائض القيمة الناتج عن عمل ملايين البشر في البلدان التي تهزّها المضاربات وتطيح بإقتصادها. وأيضاً فإن التدقيق هنا يُظهر كيف أن فائض القيمة المتراكم في جيوب الرأسمالية قد وصل حدّاً من التضخّم يكاد يطيح بها، لأنه يغدو عبئاً على الرأسمال المنتج ذاته. وبالتالي فإن الرأسمال المنفلت هذا هو " مرض " في الرأسمالية وليس تطوّراً طبيعياً فيها. الأمر الذي يفرض علينا النظر للأساس الذي يقوم عليه الإقتصاد الرأسمالي، والذي لا يني يسهم في تحقيق التراكم الرأسمالي.
و بالتالي بغضّ النظر عن شكل العمل المنتج وعن حجم العاملين في الإنتاج، لن يكون ممكناً تجاهل وجود الطبقة العاملة. نعم هي ليست الطبقة القديمة التي وصفها ماركس وإنجلز، لكن مَن يعتقد أنها يجب أن تبقى كذلك؟ ربما فقط كهنة النص المقدّس، حيث يجب أن يكون الواقع كما هو مرسوم في كتابات ماركس/ إنجلز، هم الذين يريدونها كذلك، أو يلفظوا مفهوم الطبقة العاملة ما دامت لم تبقَ كما كانت زمن ماركس/ إنجلز. وهذا ما هو رائج الآن، حيث أن تغيّر وضع الصناعة بعد التطوّر العلمي الهائل الذي شهدته البشرية، فرض تغيّر نشاط الطبقة العاملة وتغيّر حجمها، وتوزّعها بين قطاعات الإنتاج ( الزراعة والصناعة ) وأيضاً الخدمات ( الدائرة التي تكمّل الإنتاج ). وأيضاً فإن إنحصار الوجود الصناعي في الأمم الرأسمالية ( بالقوّة العسكرية أو الإقتصادية التي تمارسها)، والذي أوجد صناعات محدودة في الأطراف جعل وجودها في القطاع الزراعي أكبر منه في الصناعة التي ظلّت محدودة الوجود، ومتمركزة في قطاعات هامشية ( إنتاج السلع البسيطة )، فيما عدا المحاولات التي قامت بها دول حركات التحرّر ( وأصلاً في البلدان الإشتراكية .
الطبقة العاملة لم تصبح هي الأغلبية كما كان توقُّع ماركس. لكن المشكلة في ماركس وليس في الطبقة العاملة، لأنه توقّع أن تتوسّع الصناعة لتكون قادرة على إستيعاب أغلبية المجتمع، وبالتالي لتمتصّ الطبقة العاملة الطبقات الأخرى ( الفلاحون والحرفيون والفئات الوسطى ) ليتبلور المجتمع في أقليّة هي البرجوازية وأغلبية هي الطبقة العاملة. لكن فكرة ماركس اللامعة حول فيض الإنتاج الذي هو خاصيّة الصناعة، كانت تفرض حدوداً للتوسّع الصناعي، لا تسمح بإستيعاب أغلبية المجتمع، الأمر الذي أدى إلى نشوء فائض بشري كان يصدّر إلى " القارات الجديدة " أميركا وأستراليا. لكن التوسّع العالمي للرأسمالية وتشكيل النمط الرأسمالي العالمي منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان يوسّع من الطبقة الوسطى في الأمم الرأسمالية، لكنه كان يكرّس الإقتصاد الريفي في الأطراف.
لهذا فإن كتلاً مهمة للطبقة العاملة تنتشر في المراكز، وكتل أخرى تتشكّل في الأطراف رغم أنها أقلّ أهمية. لكن الطابع الريفي الذي لازال يهيمن في الأطراف أوجد كتلاً مهمة من العمال الزراعيين ومن الفلاحين الفقراء. كما أن إنتشار الطابع الخدمي في المراكز وفي الأطراف أوجد كتلة من عمال الخدمات، إضافة إلى كتلة المهمّشين الذين يشكّلون جيش العمل الإحتياطي . وكل ذلك يشكّل كتلة عمالية هامة يمكنها أن تحمل مشروعاً بديلاً.
و بالتالي فإذا كانت قلّة تحتكر التراكم الرأسمالي هم أغنى أغنياء العالم، وتشكّل طبقة تمتلك الشركات الإحتكارية والبنوك بالغة الضخامة، والصناعات العملاقة، فإنها تفرض وجود طبقة عاملة تُستخدم من أجل الإنتاج والتوزيع والخدمات. وبين هذه وتلك طبقة وسطى متنوّعة النشاط ، لكنها كتلة مهمة في التكوين الإجتماعي، رغم أن ظروفها تختلف بين المراكز والأطراف، فهي في المراكز مترفة إلى حدٍّ ما ( لكن وضعها ينحط بعد التحوّلات العالمية في العقد الأخير من القرن العشرين، وتفرّد الرأسمال )، لكنها في الأطراف في الغالب مفقرة.
هذا الوضع يجعل مفهوم صراع الطبقات في صلب رؤية الواقع. حيث التمايز بين الأغنياء والفقراء في تصاعد مذهل، وهو لايني يتزايد دون توقّف. وحاجة الطبقات الفقيرة لتحسين أوضاعها تتزايد خصوصاً بعد ميل الرأسمالية إلى قضم الحقوق التي فرضها نضال الطبقة العاملة لكي تزيد من مراكمة رأسمالها. كما أن حاجتها لتحقيق " حلمها " ( أي الإشتراكية ) تجعلها تفكّر في التكوين العالمي القائم على اللاتكافؤ والنهب والحروب، الأمر الذي يجعلها تحمل مشروع التطوّر والحداثة ( أي تحقيق المهمات الديمقراطية وفي أساسها التصنيع )، وبالتالي أن تحمل مشروع الأمة كلها، وفي صياغة عالم آخر يسمح بتطوّر كل الأمم عبر إلغاء إحتجاز التطوّر وكسر حدود التوسّع الصناعي، لكي تكون الصناعة هي دعامة العالم كلّه في إطار علاقات تخدم مجمل التطوّر العالمي، وإقتصاد يحقّق الوفرة لمجموع البشرية. إذن، النظر الواقعي يسمح برؤية الطبقات، كما يسمح برؤية مصالحها، وبالتالي يمكن تحليل ظروفها وتحديد مطالبها، ودفعها للتكتيل في الصراع الذي يخوضه الرأسمال ضدها، من أجل عالم متكافئ ودون إضطهاد وإستغلال.
هنا، يبرز خطل النظر غير الطبقي، القائم على السياسي فقط ( أي السياسوي )، وهو الخطل الذي نتج عن فهم سيئٍ للماركسية ساد لنصف قرن، وأنتج أحزاب سياسوية حتى وهي " ترفع راية الطبقة العاملة "، لأنها ناضلت من أجل نظام سياسيّ ديمقراطيّ من جهة، وقضايا مطلبية عمّالية من جهة أخرى، فاصلة السياسي عن العمّالي. مبايعةً البرجوازية بما هو سياسي، ومستجدية من أجل المطلبي. الأمر الذي جعل دورها في الهامش، فلم تنتصر في السياسة ولم تحصّل على حقوق العمال كذلك.
إن توحّش الرأسمال والهمجية التي يفرضها على العالم، تفرض تطوير الصراع الطبقي العالمي، من أجل عالم بديل. لهذا يجب تكتيل الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكل المفقرين والمهمّشين، في " كتلة تاريخية " تسعى تحقيق ذلك. هنا أعتقد أن مفهوم الطبقة العاملة يجب أن يعود ليحتلّ الموقع الذي يستحقّه، وأن تعاد صياغة الرؤية الماركسية إستناداً إلى هذه الحقيقة. لقد غدا هذا المفهوم مجال سخرية، لكن الطبقة لازالت هي المنتجة وهي التي يجب أن تحمل مشروع المستقبل، بما في ذلك المشروع الديمقراطي، حيث ستبدو أنها الأجدر في تحقيقه لأنها تهدف إلى التكافؤ والمساواة، وهما أساس أية ديمقراطية حقيقية.
منقول