بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
سبق أن بينا في المقال السابق كيف أنار الله بصائر المسلمين بان عرفهم على أصل خلقهم و الظروف المصاحبة لهذا الخلق الجديد على الملائكة آنذاك و سبب ضراوة عداء إبليس لبني آدم.
و ههنا نستضيء ببقية ما أشار إليه القرآن عن هذه القصة من أحداث و عبر مع التركيز أكثر على جهة آدم و ذريته.
أمر الله – بعد ذلك- آدم و زوجه أن يدخلا الجنة . . ما هي هذه الجنة؟ هل هي الجنة التي يسير إليها المؤمنون بعد ذلك؟ ليس ذلك من العلم النافع . إذ لم يبينه القرآن . هي جنة غير الأرض التي أُهبط إليها, لكن لا نعلم ماهيتها ولا إن كانت هي الجنة التي وعد الله بها المتقين. إلا أن الله سبحانه وتعالى جعله في هذه الجنة وطمأنه على طعامه وشرابه ومسكنه وبعده عن الحر والبرد " فقال له " إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى , وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى" (طه 118-119) وحذرهم من الشيطان الرجيم فقال: "فقلنا يا آدم إن هذا عدوُ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" (طه 117) إلا أن إبليس لم ييأس , و ما زال يأتي إلى آدم وزوجه حواء . لم يأت مرة واحدة وليس هي عادة الشيطان وإنما يأتي على خطوات وبالتدرج وبالإصرار, ولم ينفع معهما ولم يعصيا الله إلى أن أتاهما وأقسم لهما بالله بنصيحة لهما "و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين" (الأعراف 21) أي قال إبليس : أقسم بالله العظيم إني لكم ناصح في دعوتي لفعل ما هو خير لكما فكلوا من هذه الشجرة التي حرمها الله عليكم لأنها شجرة الخلد وملكُ لا ينتهي .
لم يكن يظن آدم عليه السلام مع ضعف البشرية و نسيانها أن هناك من يحلف بالله العظيم كذباً فصدقه بعد محاولات كثيرة له ولزوجه فأكلا من هذه الشجرة فكانت منه معصية " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما" (طه 115) . فماذا حصل بهذه المعصية؟ لقد كان شؤمها سريعاً, فلم يلبثوا أن فقدوا نعومة الريش واللباس الذي عليهما حتى بدت سوآتهما فأخذا يغطيانها بورق الجنة بعد أن نزعت هذه المعصية لباسهما الجميل كما بين الله ذلك بقوله " فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" (الأعراف 22) .
وهكذا كل معصية تنزع لباس التقوى ولباس الزينة وتدعوا إلى التعري كما تعلمون. فطفقا يضعان ورق الجنة على عوراتهما لأنهما بفطرتيهما يستران عورتيهما. و من هنا نعلم و نتعلم أن الإنسان مذ خلقه الله مفطور على خلُق التستر مما يرفع قدره عن البهائم .. فإذا رأينا كثرة من لا يستر عورته عامداً متعمداً مما حرم الله أن يظهره في كثير من أرجاء بلاد الكفار و حتى المسلمين .. فلنعلم أن ذلك مخالفاً لفطرة الله ولنعلم أن مثل هذه الأفعال هي انتكاسة للبشرية التي شرفها الله وأسجد لها ملائكته وصارت أفضل من الملائكة، إلا أنها رجعت بتلك المعاصي وبذلك التعري وبذلك التحدي لله حتى أصبحت أسفل سافلين. فكان المؤمنون من بني آدم أفضل من الملائكة " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " (البينة7) أي خير الخلق على الإطلاق ومن الملائكة. إلا أن الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أولئك هم شر البرية أي شر الخلق فهم شر من البهائم وشر من كل خلق دنيء يكرهه الإنسان ..هم شر البرية. وهكذا افترق ذرية آدم حتى أصبحا فريقين, فريق بالجنة وفريق بالنار.
لقد كان من إبليس معصية ومن آدم معصية فما الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم ؟. كما مر معنا فإن إبليس أصر على معصيته لله بل إنه استخدم عقله ومنطقه المعوج, وقال أنا أفضل منه خلقتني من نار وخلقته من طين. فقام وأغوى ذريته إلى يوم الدين. أما آدم عليه السلام فما أن علم أنه عصا الله حتى لجأ إلى الله وتلقى منه كلمات يتوب بها , فلم يزل هو وزوجه يعترفان بذنبها و يستغفران الله عليه ويستغيثانه برحمته حتى تاب عليهما " قالا ربنا ظلمنا أنفسنا , وإن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين " ( البقرة 23) حتى وسعته رحمة الله وجعل له طريقاً للتوبة وتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.
وهكذا يا ابن آدم .. إن كان آدم وهو من الأنبياء قد وقعت منه معصية فما طفق إلا أن تاب إلى الله ورجع إليه والتجأ إليه وألح عليه بالدعاء حتى تاب الله عليه فلنعلم أننا كلنا ذوو معصية وكلنا ذوو ذنوب وكلنا ذوو أخطاء. فلا تغرنا معصيتنا أن لا نتوب ، فإن الله سبحانه وتعالى يحب منا التوبة ويحب منا الرجوع ويجعل لنا سبيلاً كما جعله لآدم ، إن كنا تبنا كما تاب آدم, وإن لجأنا لله كما لجأ آدم وإن كنا ألححنا بالدعاء بأن " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" فيجعل الله لنا سبيلاً للخروج من معاصينا , خيرُ لنا من أن نصر عليها ولا ندري متى يأتي حتفنا ونلقاها يوم الدين. ويُسر الشيطان بكل معصية, ويستاء الشيطان إذا رأى توبة آدم. إلا أنه لا ييأس وجعل عهداً على نفسه أن يبقى مضلاً لابن آدم إلى يوم الدين , فلا ينفك عنه إذ جعل الله لكل من ابن آدم قرينه من كفرة الجن يغويه كما أغوى إبليس آدم. فعلينا أن نحذر من عدو لنا ظاهر ومبين.
هذه هي أصل البشرية, هذا هو أصل خلق آدم و البشرية من بعده. وهذا العدو نشأ معه فلو سئلنا من هو عدونا الأول ينبغي أن تكون الإجابة موحدةً هو إبليس ومن تبعه من البشر. إن إبليس وذريته يغوون ابن آدم فإذا استجاب بعضهم له استخدمهم جنداً له فيغوون غيرهم من البشرية, كما قال تعالى " و استفزز من استطعت منهم بصوتك و أجلب عليهم بخيلك و رَجِلِك و شاركهم في الأموال و الأولاد و عدهم , و ما يعدهم الشيطان إلا غروراً" ( الإسراء 64)
وهذا يجعلك لا تعجب من بعض الناس أنهم يسعون لنشر الفحشاء في الأرض. يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويحبون أن ينتشر السفور ويحبون أن ينتشر التعري ويقاتلون الذين آمنوا لا لشيء إلا أنهم قالوا: ربنا الله, لا لشيء إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله. فما هو السر بهؤلاء! ما لهم وللمؤمنين! ماذا يأخذون عليهم أنهم عبدوا الله رب العالمين! السر في ذلك أن هؤلاء صاروا من جند إبليس هو الذي يوجههم كما قال في الآية السابقة " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك" أي رجالك وهؤلاء صاروا من رجاله.
و تتحسر الشياطين على من يفوتهم من المؤمنين الصادقين الراكعين لله و الساجدين, كما ورد في الأثر أن الشيطان إذا رأى ابن آدم يسجد اعتزله و بكى قائلاَ هذا أمره الله بالسجود فسجد و له الجنة و أنا أمرني بالسجود فعصيته فلي النار.
فإذا جاء يوم الدين خطب خطبته المشهورة في جموع الذين استجابوا له فأدخلهم النار قال تعالى " وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم وما كان ليَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ولا أنتم بمصرخيُّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم" ( إبراهيم22). بماذا يعدهم الشيطان؟ يعدهم بالفقر ويأمر بالفحشاء و يمنيهم أوهام الأماني, والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً . و الشيطان يقر أنه ليس له عليهم سلطان وليس له قوة، إذ أذله الله. ليس له إلا أن ينزغ ويوسوس وليس له إلا الدعوة إلى الشر " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " , و من أطاع الشيطان فقد عبده و أشرك به مع الله " إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم" لأن طاعة غير الله على حساب طاعة الله هو من عبادة لغير الله كما قال تعالى: "ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوُ مبين, وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلاً كثيرة أفلا تكونوا تعقلون " ( يس 60-62) فلقد عبده ممن أضلهم خلق كثير, بل إن أكثر البشرية ضلت ولم تستفد من إكرام الله لابن آدم وتحولت أسفل سافلين إلا فريقاَ من المؤمنين .
و أخيراً إخواني فقد علمنا الله طريق النجاة من هذا العدو المبين , و نبهنا في مواضع كثيرة من القرآن للاستعاذة بالله منه ومن ذلك قال تعالى " وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه سميع عليم , إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " (الأعراف 200-201)" وقال تعالى " قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس" سبحان الله كيف وجهنا للاستعاذة بربوبية الله للناس و ملكه و ألوهيته و لا يكون ذلك إلا من شرّ عظيم و خطير ألا و هو شر الوسواس الخناس من شر العدو الأول لابن آدم والعدو الأكبر الموصوف بالوسواس الخناس. من شر هذا العدو الذي يصيّر إلى جهنم لمن أطاعه. واسمه الخناس لأنه يأتي ويخنس, و متى يأتي؟ عندما نبتعد عن ذكر الله. ومتى يخنس؟ عندما نذكر الله و ذلك من أعظم فوائد ذكر الله. فالذي لا يزال لسانه رطباً بذكر الله لا يجد الشيطان له سبيلاً.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن حماهم الله سبحانه وتعالى من إبليس، اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشيطان و نعوذ بك ربنا أن يحضرون.
منقول