هذه قضية كبرى كتب حولها الكثير، لأنها أثارت صراعات وجدلا شائكا، بل أسهمت في حدوث مواجهات واندلاع حروب، وتنامى البغض بين معتنقي عقائد مختلفة، إنها قضية فصل الدين عن السياسة، أو ما يسمونه بفصل الدين عن الدولة، باعتبار >الدولة< تجسم مكونات المجال السياسي، وكل ما يرتبط به تأثرا وتأثيرا، بل هو المشروع السياسي والأيديولوجي الكبير للقوى العظمى، التي تجد في تطبيقه في الدول الإسلامية، وخاصة التي مازالت آثار بعض التعاليم الإسلامية تتخلل بعض قوانينها وتشريعاتها·
جرت العادة على تقسيم القانون بصفة عامة إلى قانون سماوي وقانون وضعي، مما جعل النظرة إلى طريقة تطبيقها والحدود التي تفصل بينهما، تختلف تبعا لا ختلاف مصدر كل منهما، ذلك أن من القوانين الوضعية ما يستلهم بعض القواعد التشريعية من القانون السماوي، سواء كان الكتاب السماوي صحيحا، أو انتابه التحريف عبر الأزمنة التي تعاقبت عليه، وقد تكتفي بعض التشريعات باستلهامه في مجالات جد ضيقة من الحياة العامة، مستأنسة فقط بما ورد في ذلك الكتاب السماوي من أمور الزواج أو الطلاق، أو الإرث أحيانا، أو تنظيم العلاقة بين الناس وبين أماكن العبادة، وضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، مادامت لا تتدخل في الشؤون السياسية والقرارات الإدارية وغيرها، ولكنها لا تعير أي اهتمام لقضية الحلال والحرام، والمعاملات الاقتصادية والتجارية، والنظام القضائي والجبائي وأسلوب توزيع ثروات البلاد على أهلها، ومناهج التعليم والسلوكات الأخلاقية، وطريقة التعامل مع الدول الأخرى، أي لا يهمها أوامر الدين ونواهيه في تلك المجالات التي تحكم حياة الإنسان، وتوجه سلوكه، وذلك تحت ذريعة مصطلح سياسي خطير هو >فصل الدين عن الدولة<·