[ سجل من هنا ] [ استرجاع كلمة المرور ] [ طلب كود تفعيل العضوية ] [ تفعيل العضوية ] [ أتصـل بـنا ]


العودة   منتديات عالم الا أنا - برامج العاب رسائل صور تفسير احلام حواء > نسائم ليل > شعر و شعراء - الشعر و الشعراء منتدى للقصيد و القصائد النبطي و الفصيح البوح


جديد مواضيع شعر و شعراء - الشعر و الشعراء منتدى للقصيد و القصائد النبطي و الفصيح البوح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 11-30-2007, 09:45 PM   #1 (المشاركة)
عضو جديد
 
الصورة الرمزية asdmamdouh
 
تاريخ التسجيل: 21, 4, 2007
الجنس: Male
المنتدى المفضل: تراحيب
المشاركات: 20
المواضيع:
الردود:
التواصل:
حالة الاتصال : asdmamdouh غير متواجد حالياً
مزاجي اليوم:
تغيير المزاج: اضغط هنا

التحميل من هنا
افتراضي أشهر مائة في الغناء العربيفي أحضان الدفء المصري

أشهر مائة في الغناء العربيفي أحضان الدفء المصري
تقديم
عزيزي القارئ:
ما أصعب أن نعيش في زمن متقدم تتأخر فيه المفاهيم الموضوعية وتغيب عنه المقاييس المرجعية!
وليس أصعب على من يتصدى للكتابة في موضوع يعرفه بحكم الاهتمام والمتابعة والدراسة من غياب مثل هذه المفاهيم التي تزيد في وضوح الرؤية وتعيين في تحقيق المستهدف.
إن الصوت هو كل ما يُسمع. والغناء من الصوت وما طرب به والفن هو جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف والمعاني وخاصة تجاه قيم الجمال.
ولأن الصوت هو كل ما يسمع من كلام وغناء وألحان وذكر حسن، ولأن الموسيقى هي لغة الشعور والكلام هو لغة العقل كما يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور في حديثه عن فلسفة الموسيقى فإننا نعجب لهذا المخرج العربي الذي يحب الكلام الملحن عن سماعيات الموسيقي الصرفة والبحتة، فالمزاج العربي يتوازن في سمعه بين الاستجابة إلى لغة الشعور وبنفس القدر الاستجارة المماثلة إلى لغة العقل.
لكن تبقي لنا وقفة بعد هذا الذي نعرفه على المزاج العربي العاشق للتجويد والتلحين والكلام الموزون والمنغم.. هل ما نسمعه اليوم من غناء يحترم هذه التعادلية بين رغبة الشعور ورغبة العقل؟
إن المؤدي والحال يتفق في زمن استمرار الغناء الحسن وأيضاً في زمن انقطاع هذا الغناء هو صاحب المسئولية المباشرة فيما يصل إلينا من غناء. أن المؤدي ونقصد المطرب والمطربة والمغني والمغنية هم أصحاب المسئولية الواضحة في تقديم غناء محترم أو غناء غير محترم، وهم مع شركائهم في وضع الكلمات وصياغة الألحان وتنفيذ هذه الأعمال من نفترض أنهم مسئولون عن الارتقاء أو عدم الارتقاء بالذوق العام، ومن هنا كانت هذه المحاولة في قراءة سطور الغناء العربي من خلال أصوات أشهر من غنوا خلال القرن العشرين من بين من أتيح لنا أن نتعرف على ملكاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم عبر الوسائل المتاحة من أسطوانة إلى كاسيت إلى شريط سينمائى أو شريط تليفزيوني وأيضاً من خلال الاستماع إلى الغناء الطازج في الحفلات العامة وحتى برغم صعوبة تحقيق هذا الحرص بسبب الحالة المتردية التي وصل إليها سبيل تقديم الغناء في مسارح منوعات اليوم.
والموسيقى كما يقول المفكر الموسيقى المجرى زولتان كوراى أدب منغم، وإذا كان اجتهاد الأدباء واقعه وطموحه حدود خريطته في الكلمة المكتوبة والمطبوعة فإن حدود اجتهاد أهل المغني تتسع رقعة خريطتها فتطل على المتلقى عبر العديد من الوسائل والسبل، ولكن المتلقي بات لا يعرف الجيد من الرديء نتيجة لهذا الاختلاط فيما يتابعه من كتابات وآراء عبر مختلف أجهزة الإعلام، وبين من يقول رأياً نقدياً فاهماً، وبين من يقول كلاماً ترويحياً دعائياً يقصد به الترويح لعمل فنى والإلحاح على انتشار هذا العمل وبصرف النظر عن قيمته أو أثره أو حتى طعنه لفؤاد الذوق العام.
(إن في غياب المقاييس الموضوعية غياب لسبيل الاستتارة حيث يتوه الدليل وحيث بات المقياس الموضوعى المستقر في الكتابات المرجعية والاجتهادات النقدية أشبه بالغناء المحروم من الإضاءة، ومع هذا الحال يزداد صخب الغناء القبيح ويتوارى في هدوء ودون مجرد السؤال ما يصدر من اتجاهات الغناء الجميل.
(بات الأمر أشبه بما قاله الشاعر العربي طرفه بن العبد في مقولته الشهيرة خلال الجو فبيضي وصفري حيث انفردت الأصوات الرديئة بساحة الاستماع وتمكنت بالأساليب الملتوية من السيطرة على أجهزة التقديم التي صارت سلبية الحرص على التراث الجميل فلا تحسن تقديمه ولا تحسن الحرص عليه، لا فارق في هذا التجاهل والإهمال بين قديم نسبياً أو حديث نسبياً من هذا التراث الصحيح.
(تهاوت قلاع الغناء الرصين وأصبحت مستسلمة لجحافل الغناء السخيف التي قويت شوكتها وصعد شأنها وأصبح لها أركان حرب يخططون للهجوم والاجتياح الذي أقلق المسامع، وأفسد الأذواق واقترب أو كاد من الضمير والوجدان العام، الذي نتمنى له أن يصمد أمام هذه الموجات أملا في حقبة قادمة مشرقة تنهى هذه الموجات القبيحة التي لم يكن لها في العير ولا في النفير فأعانها غياب المقياس الموضوعي وضياع المسئولية الفنية ونشاز الأداء المركب والمتوافق الأنغام.
(حان الوقت لتصمت هذه الموجات القبيحة ترقباً لقدم الموجات المشرقة، وحان الوقت ليتفق الموهوب مع الدارس مع المتذوق مع المخلص والمؤمن بالصالح العام لكي نبحث معا من نغم مفقود قال عنه جمال عبد الناصر يوماً ونحن نعبر كبوة أليمة: (ليتنا نعثر على نغمتنا الصحيحة والمناسبة.
(اجتهد في تقديم هذه القراءة في سطور الغناء العربي عبر هذه المعايشة التي أقدمها في عدد من الكتب كان أولها ما صدر عن مكتبة الأسرة في عام 2002 وضم الأوائل في غناء القرن العشرين ثم كان الكتاب الثانى الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عن التنوع في الألوان والاتجاهات الموسيقية في العصر الذهبى للغناء العربي ثم يأتى الكتاب الثالث وهو في أيدى القارئ عقب هذا التقديم ويقدم عبقرية المكان وخلود الزمان والتأثير في الوجدان عبر احتضان المبدع العربي في مصر لأهم نجوم الغناء من أصحاب الهامات العالية في الأداء واللحن والكلمة من تلك المواهب القدامة إلى مصر من مختلف أرجاء الوطن العربي، وقد اخترنا لهذا الكتاب عنوان (في أحضان الدفء المصري) فهو يشير إلى الاكتمال والنضج والذيوع والانتشار الذي كان لهذه الأصوات وهي في رعاية إنسان وفنان الشقيقة الكبرى مصر.
لقد استهدفت في قراءتي لسطور الإبداع في الغناء العربي موضوعية التناول لأهم وأبرز هذه الأصوات، وسوف نكمل بإذن الله في الأجزاء التالية ما بدأناه عندما نتعرض للغناء الحالي بحلوه ومره وعبر طرح لأهم تلك الأسماء التي أطربنا البعض منها عندما أشجانا وأسعدنا بغنائه، وأيضاً فلن نحمل غيرها من الأسماء التي أزعجتنا بالغناء غير السليم والاختيار غير المريح والتفسد علينا صفو حياتنا ولتسهم بغنائها المريض في أن تهب رياح السموم لتعكر صفو الطقس العام وتزيد من انعدام الرؤية فيه، ونحن نتوقف أمام هذه الظواهر أملا في الخلاص منها وبحث عن نغمة صحيحة يرتقى بها القادم إلينا من غناء جميل وجديد.
محمد سعد

قيثارة نادرة.. ولحن لم يتم!
لا يقاس العطاء بالفترة الزمنية التي يطول فيها عمر هذا العطاء فقط. ولكنه يقاس بمدى ما يحققه من إضافات في عالم الغناء.
ولأن العطاء ينجح بقد ر ما فيه من موهبة وتعبير وإحساس فإنه يضمن البقاء الذي يحقق له الخلود حتى ولو لم يتحقق له الاستمرار على قيد الحياة، ومن أمثلة من قصرت سنوات معاصرتهم الزمنية وطالت سنوات بقاء إبداعاتهم الموسيقار العالمي موتساري الذي رحل عن الحياة وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، وفنان الشعب سيد درويش الذي رحل عن عالم الإحياء وهو في بداية الثلاثينيات من سنوات العمر.
وكما امتد أثر التعبير لعطاء كل من موتسارت وسيد درويش يمتد أيضاً الأثر الجميل والغناء الفريد لصاحبة الصوت الذهبى المطربة الراحلة أسمهان (1912-1944) وحيث رحلت عن الحياة في بداية الثلاثينيات من العمر، ولم يزل بعدها يقرب من نصف القرن الصد البديع لغنائها وتعبيها الغنائى الجميل والذي يكبر تأثيره وبالتالى يمكن مقارنته مع الفارق ـ بهذا العطاء الفريد لأصحاب الإبداعات والابتكارات اللحنية ممن لم يعمروا زمنياً. ولكنهم عمروا فنياً وخلودياً، حتى وإن كانوا هم يقدمون إضافة إبداعية، بينما تعد هي من بين من كانوا في فئة المميزين من ملوك وملكات الأداء الغنائي الجميل.
لحن لم يتم
لم تكد أسمهان تحقق وجودها الفنى المميز في عصر عبقرية الغناء الراحلة أم كلثوم حتى شاءت الحكمة الإلهية أن يتوقف نغم هذه القيثارة الذهبية وعبر نهاية مفجعة صورها الفنان يوسف وهبي في أقرب صورة لواقع هذه المطربة القديرة عندما أنهي فيلمه (غرام وانتقام) الذي شاركته بطولته ولم تكمل تصوير بقية مشاهده. بهذا المشهد المؤثر لفراقها للحياة وهو يعزف على الكمان لحنا أنهى به الفيلم وهو يطلق على هذا اللحن تسمية (لحن لم يتم).
وكما اقترب يوسف وهبي في حفاوته لفن أسمهان من جوهر حقيقتها الفنية، فإن الشاعر اللبناني بشارة الخوري عبر عن المعني نفسه بأبيات معبرة من شعره حيث وصف فراق أسمهان لدنيا النغم بصورة بليغة يقول فيها:
أضاع جبريل من قيثاره وترا
في ليلة حفل فيها نجمه الهادي
ولو عبرنا مرثيات الصوت المفقود والتي تظل وكأنها مرثيات حديثة على الرغم من مرور نصف أكثر من نصف قرن على رحيلها وحاولنا أن نطل على ملامح صوت أسمهان خلال ما بقي لنا ولاسماعنا من جميل ما قدمت من غناء فإننا نتصور أن هذه المطربة تعد واحدة من أبرز الأصوات الجميلة التي عرفها المستمع العربي في زمن عرف التسجيلات الحديثة النقية وعبر لغة الصوت والصورة في السينما واللغة الصوتية فقط في تسجيلات الاسطوانات والراديو.
يعد صوت أسمهان من أكثر الأصوات الغنائية التي تجمع بين القيمة والندرة وهي بهذا الشأن بتلي زعيمة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم في التمتع بمفردات القوة والقدرة والأداء الجميل. فقد امتلكت صوتاً دقيق الملامح مميز النبرات، سليم التفاصيل بداية من جواباته العالية وحتى قراراته المنخفضة وهي بهذه الحالة الصوتية واحدة من تصنيفات السوبرانو في دنيا الغناء العربي من ناحية السلامة الصوتية والقدرة الفنية واتساع المساحة.
وعلى الرغم من تصنيف صوت أسمهان في عداد الأصوات (السوبرانو) المشهود لها بالقدرة العالية إلى جانب هذه الحالة الصوتية الحادة غير الموظفة جيدا في الغناء العربي، فإن لأسمهان كقدرة أدائية إمكانات أهلتها للقفز فوق هذه المنطقة الحادة فخرج الغناء الصادر عنها عبر طبيعة صوتية مريحة التأثير في الأسماع عندما تمكن لهذا الصوت أن يجمع بين جماليات صوت المرأة ونعومة صوت آلة (الكمان) وشجن تعبير (الناي) وحنان هذا الهديل الصادر عن الطائر الوديع المسمى بالحمامة أو أنثى الحمامة.
أسمهان مطربة فارسية!
وأسمهان هو الاسم الفني لهذه المطربة التي وصفها الكاتب الصحفي محمد التابعي بأنها الحمامة المطوقة في قفص النغم الذهبي، وقد اختار لها هذا الاسم داود حسني عندما غير اسمها الأصلي (آمال فهد الأطرش) لتصبح أسمهان، معللا هذا الاختيار بأن اسم أسمهان هو اسم المطربة فارسية كانت فاتنة عصرها وجميلة جميلات زمانها وكانت تجمع مع حلاوة الصورة حلاوة الصوت، وحيث وصف من عاصروا هذه المطربة التي عاشت في القرن الثامن عشر غناءها بأنه في صورة ملائكية، وهو غناء قادر على نشر البهجة والسرور، وفي الوقت نفسه يسيل الدمع الغزير عندما يؤدي نغماً شجياً يعبر عن حالة وجدانية صادقة.
ويعود للملحن داود حسنى الفضل في صقل قدرات أسمهان الصوتية، فقد تولي في البدايات تدريبها على الغناء حيث حفظت خلاله العديد من روائع أغاني أم كلثوم في سنوات الثلاثينيات، كما تولي تدريبها أيضاً على حفظ وغناء الموشحات والأدوار القديمة، بل إنه وجهها أيضاً لجميل الغنائيات الدينية عندما طلب منها حفظ موشحات الشيخ على محمود.
كانت أم كلثوم هي المدرسة الأولى التي عشقت أسمهان الغناء فيها، وكان هي أيضاً أستاذتها في الأداء عبر توجيهات معلمها الأول داود حسنى الذي وضع لها علامات صوتها المميز والذي ارتبط بإطار فريد لم يبرحه حتى عندما تعددت غنائياته وخلال الفترة القصيرة التي عاشها وعبر مختلف الألوان التي تنوعت بتعدد ألحانه لها وعبر أكثر من اسم من مشاهير من عاصرتهم من ملحنين.
الصوت الأغن
ارتبط غناء أسمهان بهذا الحس المصاحب لصوتها والذي يمكن وصفه بأنه حسن الصوت الأغن، حيث الفن وحلاوة النغم.
إن غنة الصوت هي هذه الحالة في الصوت الذي يعبر عنها الخبير الموسيقي الدكتور محمود الحفني بأنها حالة تظهر له بالكيفية الملحوظة عند الأداء.. بأن يخرج الصوت بعضه من الأنف وبعضه من بين الشفتين.. وهو كإلزام، إلا أن يكون هذا بإطباق الشفتين فيخرج الصوت بهذا الدلال البادئ عندما يخرج كله من الأنف.
إن من بصمات هذا الإطار الذي صحب غناء أسمهان هذا التأثير الذي وضح على أصوات جميلة وقادرة جاءت من بعدها ولم يعاصر أي منها أسمهان وهي على قيد الحياة بينما استمر جميل تأثيرها في هذه الأصوات، وبعضها نجح في الستينيات مثل المطربة اللبنانية والمطربة المصرية نادية فهمي. وبعضها الآخر في السبعينيات مثل المطربة المغربية المعتزلة عزيزة جلال والمطربة اللبنانية ماجدة الرومي.
وغير الصوت الأغن الذي يعد أحد تصنيفات صوت أسمهان، يتميز غناء أسمهان أيضا بهذه القدرة الساحرة على تمديد الصوت، وهي تمديدات منغمة تبدو في الصوت من حيث الطبقة أو الدرجة أو المقدار، فالتمديدات هي طبقات نغم متتالية تختلف كما، وتدل عليها مقادير تلك النغمات وحدودها في المتواليات الصوتية.
لقد عرف العديد القليل من الملحنين الذين تعاونوا معها كل تلك الخصال التي يتحلي بها وصتها، ولهذا برهنوا على فهمهم لقدرات هذا الصوت وعلى النحو الذي أخلص فيه كل منهم في وضع نغماته المعبرة في الألحان التي أدتها أسمهان لكل منهم، وعلى غرار ما كان عندما غنت من ألحان شقيقها فريد الأطرش أغنية (ليالي الأنس في فيينا) وكذلك الأغانى والثنائيات التي وضع ألحانها في فيلم (انتصار الشباب) الذي شاركته بطولته وأخرجه أحمد بدرخان.
وكما نجحت مع فريد الأطراش في ألحانه التي سايرت إيقاعات الفالس والتانجو التي كان لها نجاحاتها المبهرة، نجحت أيضاً وهي تغنى للملحن محمد القصبجى الأغانى التي تمثل تجديداً في ألوان الغناء المقدمة في تلك السنوات، ومن أبرزها أغنيتان (يا طيور) و(أين الليالي) ز
ومثلما نجحت مع فريد الأطرش ومحمد القصبجي أضافت أيضاً لغنائها تعبيراً رومانسياً معبراً عندما قدمت الألوان البديعة التي تمزج التعبير بالتطريب في الأغانى التي وضع ألحانها رياض السنباطى ومنها أغنية (أيها النائم عن ليلى سلاما) وقصيدة (يا لعينيك).
وضمن حالاته النادة التي قدم فيها مدحت عاصم ألحاناً غنائية فردية، وفقت أسمهان في تقديم أغنيته المبهجة (دخلت مرة في جنينة).
وعلى الغرم من بزوغ نجم أسمهان في زمن الانتشار الكبير للمطرب والملحن محمد عبد الوهاب إلا أن عبد الوهاب لم يقدم لها أي إضافات لحنية ترقي لجوهر صوتها باستثناء تلك الشاركة الغنائية التي كانت في الصورة الغنائية (مجنون ليلي) في فيلم (يوم سعيد) إخراج محمد كريم، الذي كان قد قدمها أيضاً في فيلم (دموع الحب) مع محمد عبد الوهاب والمطربة نجاة على في أغنية أخري ضمها هذا الفيلم.
ويبقي من غناء أسمهان الجميل أغاني فيلمها الأول (انتصار الشباب) مع فريد الأطرش والثانى (غرام وانتقام) مع يوسف وهبي.
ويظل لهذه الأغانى بريقها لأنها جمعت بين التعبير الصوتي البديع والتصوير السينمائي المعبر عن تقدير الفن السابع فنون الغناء الاستعراضي التي وجدت في السينما الغنائية في تلك السنوات من حقبة الأربعينيات وتعجز السينما الحالية على أن تقدم نظيراً لها يقدم في محتوى الصوت والصورة ما كان في أغان مثل (ليالي الأنس في فيينا). (عليك صلاة الله وسلامه) يا بدع الورد يا جماله). (أنا أهوى). (رجعت لك يا حبيب). (ايدي في إيدك) (امتى حتعرف) (ليت للبراق عينا) وغيرها.
وبقدر ما يشجينا هذا الغناء القادر. وهذا الأداء البديع بقدر ما تبدو مسحة من الألم والحسرة على ملامحنا ونحن نستمع إلى المطربة التي قدمت هذا التعبير الغنائي الجميل في سنوات قليلة وعبر خطوات مشحونة بالألم في أحيان أخرى. ومنذ بدأت رحلتها مع الشهرة في أواخر الثلاثينيات. وعبر انطلاقتها الفنية في مصر بل وقبل ذلك بسنوات عندما جاءت إلى الدنيا على ظهر باخرة تركية قادمة إلى ميناء بيروت من ميناء أزمير التركي في يوم 25 نوفمبر ـ تشرين الثانى عام 1912 ثم لتبدأ رحلة المعاناة بعد هجرتها ووالدتها وشقيقها إلى جبل العرب ثم استقرارهم في مصر، وبداية رحلة النجاح والتورط والدموع والطموح ولتنتهي الرحلة في أجل لها شاء الله أن يكون في أمسية صيفية وهي قادمة من مصيف رأس البر في 14 يوليو ـ تموز عام 1944 ولتسقط السيارة بها وبرفقتها صديقتها ماري قلادة. ولتنتهي رحلة المتعة والعذاب وليصمت غناء أسمهان. وليبقى بعد ذلك جميل هذا الغناء القديم المتجدد الذي لم يزل وحتى حال قراءتنا لهذه السطور في صوت أسمهان، صورة لغناء جميل وتعبير خلاب من غناء له مذاق وعن أداء له بريق وعبر صوت صريح الملامح، دقيق التفاصيل، خصب النغمات حلو التأثير يظل له كل هذا التعبير الطازج في صدر الأسماع حتى بعدما يزيد عن نصف قرن على الغياب.
هذا التأثير ما أحوجنا إلى ما يماثله في عالم غناء اليوم الذي يذهب عنا أثره وينفض من مجلسنا حتى صداه الصوتي وبمجرد أن يغلق مطرب أو مطربة الزمن الحالي فمه، فيتوقف الأثر لأنه من دون تأثير وتعبير وبلا أدني ملامسة لعصب الإحساس عند من يتلقون هذا الغناء الذي آن له أن يرحل عن الأسماع وليترك ساحة الوجدان للغناء الباقي في الأسماع وحيث الموهبة الحقيقية وصدق التعبير والخلود.


الغناء في المنطقة الصحيحة
أصفي الأصوات وأكثرها نغماً هو الصوت الشجي، وعندما سألوا زعيمة الغناء الراحلة أم كلثوم عن رأيها في صوت المطربة عليا التونسية، أجابت أم كلثوم ,تعبير التقدير يطل من ملامحها ورنة الإعجاب تدوب على مخارج ألفاظها قائلة: إن صوت عليا هو صوت شجى.
والمطربة عليا التونسية التي رحلت عن الحياة في شتاء عام 1990 هي هذا الصوت الشجي، وفير النغم، واضح الصفاء، متين الأداء فقد كانت تعرف كيف تمسك بالطبقة وكانت تعرف كيف تغني خلالها كما كانت تتمكن من تغييرها، وعبر قدرة واضحة على التصرف والابتكار، وتضيف إلى هذه القدرات معرفتها بكيفية وتوقيت وضع الحلي والزخارف الصوتية عند الكلمة ذات المعنى الذي يحتمل ذلك في الغناء.
عرفت المطربة عليا التونسية كيف تخوض بحار الأداء بمهارة ربان ماهر لا توقفه الأنواء والعواصف، لأنها، على الرغم من اتجاه صوتها إلى الجوابات العالية، فقد كان صوت هذه المطربة القديرة من الأصوات التي تخرج في المنطقة الصحيحة، وحيث يصعب، بل ويندر ملاحظة أي حالة من حالات عدم الإمساك السليم بالطبقة أو متابعة أي نشاز على صوتها، وبعكس ما يكثر ملاحظته على غيرها ممن جاؤوا من المنطقة الجغرافية نفسها التي جاءت منها عليا، حتى أضحى الأمر وكأن بين غناء عليا والسلامة الصوتية، وخروج الصوت في المنطقة الصحيحة، اتساقاً واتفاقاً.. يبدو على العكس منه، هذا الاعتياد على النشاز الزاعق الذي يظهر على أداء غيرها من مغنيات. واحدة منهن تنتمى إلى الجيل الذي تنتمى إليه عليا، والأخرى من مطربات الجيل التالي الذي يحاول التمكن من الاستحواذ على الأسماع في سنوات الانقطاع في زمن الغناء الرديء الحالي.
مطربة الاستقلال
لمع اسم المطربة عليا التونسية منذ أواخر الخمسينيات وحتى أصبحت في بدايات الستينيات ألمع مطربة في كل أقطار المغرب العربي، وحيث كانت القمة في الغناء التونسي محصورة بينها وبين المطربة نعمة، المعروفة بدفء الصوت وحلاوة الإحساس، وقد ظل هذا الوضع خلال كل السنوات التي تلت انطلاق شهرة كل منهما.
لقد لمع صوت عليا وترددت أغانيها، ولعل من أشهر ما ردد لها المستمع العربي من أغن أغنيتها (جاري يا حمودة) التي وضع لحنها أحمد حمزة، وتصور البعض خطأ أنها من الفولكلور في الشمال العربي الأفريقي، من فرط بساطتها وسهولة جملتها اللحنية الأساسية، إلى جانب انتشار الأغنية وترديد معظم الناس لها في غالبية المناسبات واللقاءات الجماعية إلى جانب ليالي الأفراح والمسرات.
لم تكن الأغنية الشعبية فقط هي وسيلة المطربة عليا لتحقيق شهرتها حتى وإن كان المرادف هو النجاح الكبرى لأغنية (جاري يا حمودة) لأنها حققت نجاحا موازيا وهي تقدم الأغنية العاطفية مثل (دمعة عينى دمعة) التي رددها الناس، هي وأغنيتها الجميلة الأخرى (أروح له بكرة)
لم ينطلق صوت عليا بهذا المستوى من دون مقدمات، لأن بدايات صقل صوتها وقدراتها في الأداء تعود إلى سنوات التكوين، حيث اكتسبت عليا هذه المهارات عبر البدايات التقليدية، عندما عرفت فنون النغم وأساليب الغناء خلال التلقين الاعتيادي، وتوجيهات إلى حفظ الأعمال الغنائية المشهورة وترديد أعمال التراث، ولقد شغلت الهواية المطربة عليا خلال سنوات الخمسينيات وكانت بلادها لم تزل في نطاق المستعمرات الفرنسية وتحت حكم (باي تونس) وعلى الرغم من إغراءات الغناء الفرانكو آراب واتجاه الأصوات إلى الغناء المتفرنج، فقد كان اختيار عليا لمدرستها الغنائية خلال ترديدها لأغانى زعيمة الغناء العربي أم كلثوم، حيث قدمت هذا الأغانى التي تعبر عن هويتها القومية واختيارها الوطنى، خلال السنوات التي غنت فيها في الحفلات وعلى مسارح المنوعات وأيضاً في ليالي الزفاف والمناسبات السعيدة.
كان الحرص العربي في الالتحاق بمدرسة أم كلثوم، وكان الحرص الوطني في التزود بمفاتيح كنوز التراث الغنائي العربي التونسي، حيث نهلت عليا من ينابيعه الأولي خلال حرصها على ترديد غنائيات التراث العربي، وتراث الموشحات العربية الأندلسية إلى جانب هذا العشق لألوان غنائيات (المألوف) التونسي.
وعندما استقلت تونس وأعلنت الجمهورية وقامت الإذاعة الوطنية التونسية، نجحت عليا في التقدم إلى الإذاعة، التي اعتمدتها عام 1957 كمطربة، من خلال لجنة الاختبار التي ضمت كبار المشتغلين بفنون الموسيقى والغناء في تونس، ومنهم أساتذة في معهد الموسيقى العربية هناك، والذي كان من أعلامه الموسيقار صالح المهدى.
تدعم نجاح عليا خلال عدة خيوط أمسكت بها، أولها موهبتها الأصيلة ومعها عرفت كيف تختار الألوان التي تناسب خامتها الصوتية المتينة وحيث حققت عليا خلال هذه الخامة الصوتية ما عرف عنها من غناء مشهود له بصفة الامتياز، وحيث إن من صفات أهل المغني قدرة الصوت على أن يسلك في الغناء سبل التدرج، وحيث عرف عن عليا أنها كانت تبدأ الغناء بصوت خفيض ثم تأخذ في التدرج ورفع الصوت حسب استطاعتها الحاذقة.
ومع قدرات عليا في سلوك السلامة الصوتية، عرفنا عن صوتها أن فيه وضوح الحليات والزخارف التي تظهر براعته في تحديد المناسب من هذه الزخارف وكيفية أدائها، بتحديد الوضع المثالي لهذه الحليات والزخارف التي لا يرعف البعض كيف يوظفها، فتبدو كأنها إضافة غير ضرورية على صوته وعلى سبل غنائه بينما يعرف البعض الآخر، مثل المطربة عليا، كيف يوظفها، فتضفى على غنائه تلك الحيوية المتجددة والتي يصعب أن تتحقق ما لم يكن لها تلك الوضعية على النحو المناسب.
الطريق إلى المشرق العربي
ولأنها تمتلك صوتا تعرف خلاله كيف تغني، وكيف تبحر به في أعالى الغناء، وكي تخوض عبره مختلف الألوان، وليس فقط هذا الغناء الذي يحقق رواجا في ساحة العطاء، خاضت عليا غمار ودروب التراث، وخلال هذا الإبحار وذلك الخوض، أصبح لهذا الصوت قدرة واضحة في الغناء خصوصا في التصرف والارتجال، وعلى نحو يتضح في غنائيات وألوان (المالوف) التونسي، وخلال هذه الغنائيات عرفت كيف تتصرف في الغناء كما يتصرف المغني القدير وهو يقدم الموال، فيبدو ارتجاله متقنا وهو يبدو بين التحضير والعشوائية، وخلال استعراض مهارات وخبرات وقدرات أساليب الغناء المختلفة.
وبهذه المهارات حققت عليا طموحاتها الغنائية في وطنها تونس، وأيضا في رحلاتها في الشمال العربي الأفريقى من ليبيا شرقا إلى موريتانيا غربا، ومرورا بالجزائر والمغرب، وحتى يتحقق لها ما كانت ترجوه من تخطي هذه الطموحات، وهو ما حدث في أواخر الستينيات عندما زارت زعيمة الغناء العربي أم كلثوم تونس العاصمة وأحيت حفلاتها الشهيرة هناك والتي أقيمت في استاد الملعب الأولمبي الذي يسميه الناس ومنذ هذا التاريخ وحتى اليوم، مدرج أم كلثوم، وقبل أن تشدو أم كلثوم في هذه الحفلات التي أقيمت عام 1968 ضمن حفلاتها لمصلحة المجهود الحربي العربي، لقيت عليا أم كلثوم بصحبة الماجدة وسيلة قرينة الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة فغنت عليا في حضرة أم كلثوم (يا حبيبي كل شيء بقضاء) هذا المقطع من رائعة رياض السنباطي وإبراهيم ناجي وأم كلثوم (الأطلال) فأثنت أم كلثوم على طريقتها في الغناء وقالت لها (لو سمعك رياض السنباطى فسوف يسعد بك كثيرا) ثم أضافت متسائلة: (لماذا لا تجربين حظك في مصر وأنت صاحبة صوت قوي وجميل؟).
وشجعها تقدير أم كلثوم على أن تخوض تجربة الانتقال بصوتها وكيانها لتبدأ تجربتها في مصر، حيث كانت البداية في بداية السبعينيات عندما شاركت في حفلات الأسبوع الثقافى التونسى التي أقيمت في القاهرة والإسكندرية وشاركت عليا المطربة نعمة والمطرب أحمد حمزة والملحن الشاذلي أنور وفريق الكورال الغنائي التونسي تقديم ملحمة التحية التونسية لشعب مصر، والتي يقول مطلعها (يا مصر إليك من الخضراء سلام الألفة والحب).. بعدها عادت عليا لتشارك في مهرجان الغناء العربي، وحيث شاركت فرقة الموسيقى العربية بقيادة عبد الحليم نويرة غناء واحدة من روائع أم كلثوم، فحازت الإعجاب الكبير ونالت تقدير كل من استمع إليها.. وفي هذا الحفل الذي نقله الراديو والتلفزيون عادت أم كلثوم لتشيد مرة أخرى بصاحبة هذا الصوت المقبل من تونس ت، عندما تحدثت عنه في واحدة من برامج سامية صادق رئيسة التلفزيون السابقة.
عاشت عليا في مصر، ومنها تنتقل وراء فنها وعبر نشاطات غنائية متنوعة في أقطار المشرق العربي، وتمثل هذه الفترة ما لا يقل عن خمسة عشرة عاما من عمر التجربة الغنائية للمطربة عليا، وخلال تلك المرحلة قدمت عليا تلك الغنائيات المضافة إلى رصيد مرحلتها في تونس والمغرب العربي، وهي مرحلة ازدهرت فيها غنائيات عديدة نختار من بينها أكثرها قبولا من الناس، واستحسانا من النقاد والمشتغلين بعوالم الغناء والموسيقى، وحيث عبرت عليا في واحدة من هذه الأعمال عن عظيم تأثيرها وامتنانها لزعيمة الغناء العري أم كلثوم عندما غنت في حفل تكريم أم كلثوم في عيد الفن وبعد رحيلها عن الحياة في فبراير (شباط) 1975، أغنية (قيثار النغم) التي وضع لحنها محمد الموجي عن كلمات شاعر الشباب الراحل أحمد رامي.
ومن ألحان حلمي بكر حققت عليا نجاحا كبيراً وهي تقدم الأغنية الوطنية (يا حبايب مصر) كلمات مصطفى الضمرانى التي سجلتها قبل حرب رمضان (أكتوبر ـ تشرين 1973) ولم تحقق استجابة واضحة، فإذا بها تصبح حديث الأسماع عندما ترددت عبر الإذاعات المختلفة مع بداية عبور العزيمة في نهار السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.
وغير هذه الأغنية الوطنية الشهيرة غنت عليا العديد من الأغانى التي وضع لحنها حلمي بكر الذي ارتبط بها خلال تلك الفترة من أعوام السبعينيات فكن من أنجح مجالات تعاونهما الثنائى. الأغنية العاطفية (على اللى جرى.. لما تيجى وأنا أحكيلك).
وكما نجحت عليا في اللون الوطنى نجحت أيضا في اللون العاطفي، وهذا ما حققته أيضا في الأعمال التي غنتها من ألحان بليغ حمدى، ومن أوضحها أغنية (داري يا ليبي دارك) عندما وقعت الأطراف العربية ميثاق طرابلس وقيام اتحاد الجمهوريات العربية بين كل من مصر وسوريا وليبيا، وعلى المستوى نفسه من النجاح حققت عليا نجاحا مماثلا وهي تغني من ألحان بليغ أغنيتها العاطفية الحزينة (ابكى والناس سامعة).
وترحل المطربة عليا التونسية عن الحياة بعد تقديم أنجح ملامح العطاء في حياتها عندما تنتصر لصوت الأمومة فتهب لإنقاذ ابنها في جراحة عاجلة متبرعة بكليتها، ولتموت شهيدة صدق الأمومة، ويكتب الله النجاة لابنها وتصعد روح فنانة أصيلة إلى السماء، ويبقى في صدى الأسماع بريق صوتها الأخاذ يغنى من أعمالها الشهيرة (دامعة عينى دامعة)!.

عندما خابت ظنون دليلته!
عندما تذهب الأصوات في الأسماع فيبقى من جميل غنائها ما يبقى، أو يختفى من أثر غنائها ما يختفى، يصبح للأصوات رنين له في المكانة والتقدير ما نعهده في تصنيفات المعادن والأحجار الكريمة، فالأصيل النادر يبقى محتفاظاً برونقه وقيمته، وهكذا الأصوات يعلو شأن بعضها ويحدث غناؤها حالاً من الصحيان والتأثير الصوتى الذي يبقى حتى بعد زوال العوامل والمسببات التي أقامت مثل هذه الحال، بينما يختفى عن غيرها هذا الشأن بعد غياب الظروف والمؤثرات والأسباب والعوامل، لأن المعدن لم يكن في عداد القدرات النادرة أو التمكن الموصوف.
وقد يوصف الصوت بأنه جميل ولكن نسب النقاء والبقاء هي التي تعطى لصوت ما قدرات الاستمرارية وملامسة سماوات الخلود، بينما يذهب غناء آخر وصفوا صوت صاحبه في يوم ما بالجمال، لأنه لم يضف لمواصفات الجمال في صوته اعتبارات أخرى، مثل الثقافة والصقل والفطنة وحسن التصرف ومراعاة الذوق العام.
إن الصوت يعد جميلاً إذا أثبت قدرته على الترنم بجميع نغمات الصدر والحلق والرأس وإن فقدان جزء من هذه الخصائص لا يجعل الصوت يوصف بأنه رخيم، كما لا يعد صاحبه من المغنين الجيدين.
إن هذا التوصيف للصوت الجميل والغناء الجيد كما أوضحه الباحث العربي القديم محمد بن الحسينى يكاد ينطبق على صوت وأداء المطرب المعروف (فهد بلان) الذي يمتلك صوتاً جهيراً فيه علو الصوت المنغم في حلاوة بها بعض الغلظة التي تعد من خصال الأصوات ذات التربية الجبلية التي يعرف عن غنائها ذلك الصدى القوى الذاهب في الأسماع.
ولما كان صوت في مثل هذه الخصال التي يتمتع بها أداء المطرب فهد بلان، فإن السؤال يظل بلا إجابة عن عدم تمكن هذا الصوت من حال اللمعان التي اعترته في منتصف الستينيات، والتي جعلته وجعلت البعض ممن شاركوه الرأي، يتصور أن في الإمكان أ، يغير غناء فهد بلان من خريطة الكون الغنائية ولمجرد نجاحات أغانيه المنطلقة في تدفق في فترة زمنية كانت خصبة تشجع كل الطاقات وكل أصحاب الإبداعات، بدءاً من أصحاب الهامات العالية وحتى أصحاب الخطوات الوليدة التي تحبو.
لقد وقع فهد بلان في نفس ما وقع فيه المطرب محمد رشدي عندما تصور أن نجاحاته في تقديم بعض الألوان الشعبية تعنى أنه قادر أيضا على تغيير خريطة الكون الغنائية، وأن كل أصحاب الأصوات القديرة الناجحة قلدوا إتجاهه الغنائى الذي جاء إليه في أغنية شعبية نالها قدر كبير من النجاح، مع أن تاريخ الشعبيات الغنائية يعرف لأصحاب هذه الأصوات القديرة عشرات المحاولات الشهيرة التي سبقت محاولات هذه الطفرة التي شهدتها مسيرة هذا المطرب، ولتبقى المحاولات الأخرى راسخة في الوجدان مع أنها ليست كل عطاء أصحاب هذه الأصوات القادرة، وليظل التفكير المرتبط زمنياً بالنجاح الموقوت لأغانى فهد بلان ومحمد رشدي مرتبطاً بظروف الزمان ومتغيرات المكان في تلك السنوات وهي متغيرات وظروف غيرت في الأفكار والاتجاهات وشهدت بعض التحول في تعديل المنطلقات ولتبقى على الرغم من تعدل دفتها في اتجاهات أخرى علامات النجاح التي صحبت مواهب مبدعيها وفنون أبرز من عبوا عن مقذوفات بركانها.
الطاقة الصوتية
إن الصوت ليس بنياناً عضويا فقط، لكنه أيضا حال من الاستقرار النفساني والفهم الثقافى والتعبير الاجتماعي، وإذا كنا نقدر للمطرب فهد بلان طاقاته الصوتية التي ينطبق عليها شرح المقولة الشهيرة للفنان الرائد كامل الخلعى الذي يرى أن المغنى هو من كان صوته شجياً وصورته مقبولة وكلامه سالماً من اللثغ والتشدق، وله قدرات التحكم في طاقته الصوتية، وحيث إن البدء الصحيح لأول درجة صوتية يتوقف عليه بقية الأداء، وحيث يخرج الصوت في المنطقة الصحيحة.
لا اختلاف عندنا في تقدير الطاقة الصوتية للمطرب فهد بلان، ولكننا نختلف فقط في تقدير الغناء المنسوب لهذا الصوت، الذي حصل أيضاً خلال سنوات الستينيات على فرص في الذيوع والانتشار لم تتحقق سوى لأعداد قليلة من الأصوات فيها فهد بلان نفسه ومحمد رشدي في حقبة الستينيات وكمال حسني في حقبة الخمسينيات وهاني شاكر في حقبة السبعينيات ثم يكون القياس بعد ذلك في ضوء المعطيات والنتائج التي ترتبت على المقدمات التي أتيحت لمثل هذا الغناء.
لقد عرفت الأذن العربية غناء فهد بلان في سنوات الوحدة بين مصر وسوريا ثم بعد ذلك في سنوات النصف الأول من الستينيات، وحيث كان انطلاقه الذي تأخر في وطنه سوريا ثم في لبنان وبقية بلدان المشرق العربى، وحتى كانت فرصته الذهبية في الغناء في حفل أضواء المدينة الذي أقيم في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة في ربيع عام 1966 عندما قدم أغنيته الشهيرة (واشرح لها) التي يستهلها بعبارة (روح يا نسيم وقل لها) ثم يختتمها بهذا التنغيم الصوتى (ها.. ها.. ها) ولا ننسى بالطبع الإشارة إلى طريقة إمساكه وتحريكه للمنديل الذي يحمله مع إيقاعات العمل الغنائى الذي يقدمه.
كان هذا اللون المبهج وهذا الغناء المتدفق غائباً عن غنائيات تلك السنوات ولذلك استجاب الناس لغناء فهد بلان وأحبوه وتلقفت بعض الأقلام هذا الغناء فأحاطته بقدر كبير من الحفاوة والاهتمام ليس حباً في هذا اللون أو إعجاباً بصاحب هذا اللون، ولكن رغبة في التقليل من نجاحات أصوات أخرى حفرت الصخر لترسم لنفسها مساراً صريحاً له علامات واضحة في أعماق وجدان مستمع تلك السنوات وما بعدها.
ويساهم هذا الطقس الغنائي في حال الصحو التي أحاطت بغناء فهد بلان وحيث تكثر الإذاعات من تقديم أغانيه والتي ما زلنا نتذكر غالبيتها في صدى السمع (حبس الطبيب) (شقرة وشعرها شقراوى) (يا بنات المكلا) (يا عين لا تدمعى) وأيضاً أغنيته العاطفية الجميلة التي يقول في مطلعها:
بالأمس كانت تهوى وجودى
واليوم صارت تنسي وعودى
أتظنني عبدا لها
خابت ظنون دليلتى.
إن معظم هذه الألحان الناجحة من وضع الملحن السورى وعازف العود المعروف عبد الفتاح سكر الذي يعد صاحب أجمل ما غني فهد بلان من أغان. كما أنه أول من أعطاه فرصة الغناء للمرة الأولى وهو في بداياته عام 1949. عندما أشركه مع الكورال الذي غنى بصحبة المطرب الشعبى شفيق جلال عندما جاء للغناء في الإذاعة السورية في تلك السنوات.
وقبل أن يطل فهد بلان على عالم الغناء والنشاط الفنى عبر هذه اليد التي أخذت بيده وارتفعت به إلى عالم الاحتراف الفنى، تنوعت نشاطاته، والتي كان من بينها الاتجاه إلى عالم الغناء الذي عرفه عن طريق التلقين وحفظ الأعمال التراثية المعروفة، منذ سنوات طفولته في جبل العرب والتي تشتهر من جزء منها باسم (جبل الدروز) في سوريا، وهي المنطقة التي درس فيها في المراحل التعليمية الإلزامية وحتى جند في القوات المسلحة، وخلال حفلات المناسبات القومية وأمسيات السمر، ازداد تعرف زملائه بحلاوة صوته وتميز أدائه، وقادته هذه السنوات إلى طرق أبواب الإذاعة السورية، حيث انضم لفريق الكورال، ولم تتح له فرصة الغناء بمفرده إلى أن قدمه أصحاب مسارح المنوعات اللبنانية في مواسم الغناء في كل من بيروت وطرابلس وصيدا، فكانت انطلاقته في اللون الغنائي الذي اشتهر به وعبر ألحان مكتشفه وصيدا، فكانت انطلاقته في اللون الغنائى الذي اشتهر به وعبر ألحان مكتشفه عبد الفتاح سكر، وحتى تتاح له فرصة الغناء في التلفزيون السوري، الذي بدأ إرساله مع التلفزيون المصري في سنوات الوحدة المصرية ـ السورية ـ وحيث تزداد قاعدة من يتابعون فئة ويعجبون بغنائه، وإلى أن يصل إلى أهم محطة في انطلاقته الفنية عندما قدم أغانيه في حفل أضواء المدينة عام 1966 كما ذكرنا.. وليحقق نجاحا مدهشا كان مدخله للتعامل مع عدد آخر من الملحنين غير رفيق دربه الفني عبد الفتاح وحيث تكون أهم هذه اللقاءات، الأغنية الشعبية التي لحنها له فريد الأطرش (مقدرش على كده) والأغنية الشعبية التي لحنها له محمد الكحلاوى (سلم على) والأغنية التي لحنها له بليغ حمدى (على كفى) والأغنية الوطنية التي وضع لحنها سيد مكاوى (هز الهلال يا سيد) ثم الأغنية الخفيفة التي لحنها له خالد الأمير (ركبنا على الحصان).
لقد نجح فهد بلان في معظم هذه الأعمال الغنائية حتى أضحى له مقلدون من بين من عاصروه من شباب الغناء العربي، خصوصاً ممن قدموا للحياة الغنائية خارج حدود بلادهم سوريا، وفي الساحة الغنائية عدد كبير منهم قدم من سوريا إلى مصر وإلى لبنان ولم يكن له قوة وتدفق صوت وأداء فهد بلان. ولكنه استطاع بالاستمرار في تقديم هذه الألوان الغنائية التي تعتمد على الإيقاع وعلى الكلمة المشرقة، أن يحقق لنفسه مكاناً في خريطة الغناء العربي، بينما لم يحافظ فهد بلان على قوة تقديمه وحرارة استقبال الناس له، فبات مثل عدد آخر من أصحاب الأصوات الغنائية يجتر ذكريات الأمس وسنوات العطاء الحافل، بينما كان في مقدوره أن يحافظ صاحب هذا الصوت على تدفق المياه في مجري حياته الغنائية بأن يحافظ على قدرات صوته، وأن يزيد من لمعانها بالحرص على الزاد الثقافى والتعبير الاجتماعي الذي يكسب الغناء الصادر عن هذا الصوت صلابة البقاء وأصالة الاستمرار.
وحيث ظل كذلك حتى ساعاته الأخيرة قبل الرحيل!

الجسر الممتد بين الموروث والمستحدث
في مقولة رائعة التعبير يقول (جوجول) الكاتب الروسي المعروف أن الأغاني الشعبية هي التاريخ الحي للبشر.
هذه المقولة هي سر سخاء العطاء الموسيقى في الأوطان التي عرفت قيمة هذا الجسر الممتد بين الموروث والمستحدث، وهذه المقولة أيضا هي هذا التوصيف الذي نبحث عنه لكي تسترد أغنيتنا العربية وعيها، وحيث إن الغناء هو إدراك لقيمة ما يعبر عنه الغناء وليس في التسليم بأن هذا الصوت أو أن هذا الصوت قوي ومتمكن، لأن في التجاوب الذي يقوم به الفنان ومن يتلقون فنه إجابة شافية عما نبحث عنه من ركائز يقوم بها غناء العرب إغفاءته الحالية.
ومؤخراً عشت فترة في الخليج العربي حاولت فيها أن أتعرف إلى غناء العرب في هذه البقعة المكانية من أرض العرب، حيث أتاح لي هذا أن أعرف وعبر الشاشة الصغيرة، الجديد من فنون الغناء العربي الخليجى، حيث كان الفن الغنائي الصادر عن فنان الكويت (شادي الخليج) مفاجأة لي، مثلما كان مفاجأة لمن تعرفوا إلى فنه لأول مرة لأن هذا المطرب الذي يمتلك صوتا قويا وعريضا يقف في ساحة معادن الأصوات العربية الأصلية في بؤرة الدائرة التي تضم معه الأسماء الكبيرة التي عرفناها قبله، كوديع الصافي ومحمد قنديل وعبد الهادي بلخياط وغيرهم، هذا المطرب الذي يعرفه المستمعون باسمه المستعار (شادي الخليج) يضيف إلى قيمة غنائه طعما آخر وأبعادا أخرى غير موهبته الأصيلة في قوة صوته، وغير قدراته الغنائية المكتسبة في مهارة أداء هذا الصوت. فصاحب هذا الصوت يعرف أيضاً أن للغناء دوراً اجتماعيا وتعبيرا إنسانيا لا يختلف في المستهدف منه عن هذا الذي يقوله أديب روسيا من أن الغناء هو هذا التاريخ الحي للبشر.
ولن نبعد عن هذا المعني إذا تذكرنا أحدث أعمال شادي الخليج (مواكب الوفاء) حيث بشر مطرب الخليج العربي الكبير الفنان شادي الخليج بالوفاء العربي وترطيب الأجواء السياسية العربية ومحاولات رأب الصدع في البيت العربي وترطيب الأجواء السياسية العربية ومحاولات رأب الصدع في البيت العربي الكبير والعتيق ت، فقبل فترة من القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء وفي العيد الوطنى الكويتى، قدم شادي الخليج عملا غنائيا استعراضيا كبيرا وضع كلماته الدكتور عبد الله العتيبى ولحنه الفنان الملحن غنام الديكان وقام بتوزيع موسيقاه، الفنان سعيد البنا وشارت بالغناء والاستعراض عدد ضخم من مجاميع الغناء والرقص الإيقاعى من بين المشاركين في النشاطات الفنية العامة والجامعية والمدرسية في الكويت.
موضوع الملحمة الغنائية (مواكب الوفاء) يتجاوز حدود وطن المطرب الكويتى إلى عالمه العربي كله، من خلال لوحات تمثل الفرحة العربية في حفاوة الحرص على الأمل المقبل لكل الأقطار العربية من خلال غناء تعبيرى مستمد من التراث الغنائي العربي، وعبر لوحات غنائية عديدة، استلهمت بنيائها من التراث الشعبي. وعبر توظيف حديث لفنون الأداء الموسيقى والغنائي.
في هذا العمل الجديد، برهن المطرب شادي الخليج على أصالة معدنه الصوتى في قدرته على تقديم هذا العمل الضخم، وذلك واضح من خلال تنوع أساليب وطرق الغناء التي أكدت قدرات هذا المطرب على التلوين الصوتى في الغناء، وعلى القدرة على التنقل بسهولة بين المقامات المختلفة، وهي القدرة التي بدأت مع غنائياته الملحمية السابقة والتي أثبتت براعته في الإبحار من مقام إلى مقام، في سهولة ويسر وتمكن.. وهي حالته وهو يقدر في نفس التوقيت من الأعوام الماضية وفي أكبر أعياد القطر الشقيق، وحيث كانت ملحمة العام الماضي (حكاية السور) والتي قدم من خلالها حكاية الإنسان في القطر الشقيق عبر خمس لوحات تعتمد على الأهازيج والألحان الشعبية، وفي مثل الإخلاص الذي درج عليه في الملاحم الأخري التي قدمها وجعل منها هذا الجسر المتين والممتد بين سخاء الموروث وجديد المستحدث.
إن المطرب الذي كان أول من قدم الأغنية الكويتية الحديثة في بدايات الستينيات هو أيضا نفس المطرب الذي نشير إلى ملحمته الغنائية (مواكب الوفاء) والتي بشر فيها بعودة الوئام العربي والتئام شمل الأشقاء في زمن لا يحترم إلا الكيانات الكبيرة، لقد بشر هذا العمل الغنائى بعودة الشقيقة الكبرى مصر لأشقائها وعودة الأشقاء لقلب الوطن العربي عندما استهل هذا الفنان صاحب التوجه القومى، الأوبريت الغنائى الذي قدمه على مدى أربع ساعات بهذه الكلمات التي كتبها الشاعر عبد الله العتيبى.
مصر أرض الحضارة
وسماء زهت بألف منارة
بالركب الزمان؟ أقبل يهدي
من كتاب الخلود ألف عبارة
يا عشاق النبي صلوا على جماله
نحن من مصر من حنين السواقى
حين تدعوا أجيالنا باشتياق
قد دعانا الهوى فجئنا إليكم
زادنا حبنا اليوم التلاقى

حديث السندباد
وقبل أن أعايش هذا العمل الغنائى الكبير للفنان شادي الخليج أتيح لي أن أتعرف إلى رأي أحد كبار أعلام الموسيقى والتلحين العرب في فن موهبة شادي الخليج، حيث قال لي الموسيقار كمال الطويل أن شادي الخليج مطرب كبير الإمكانات، عريض الصوت ت، واضح النبرات، سليم الأداء، درس الموسيقى وتثقف فنيا، بحيث أصبح صاحب وجهة نظر جعلته يعرف معنى المشاركة العامة التي أتاحت له أن يعبر عن صوت الفنان في مجتمعه وأن يصبح في هذا الاتجاه من قادة الرأي الفنى في وطنه الكويت.
والمطرب شادي الخليج صوت نادر بمقاييس القوة والثقافة وجمال الأداء وهو أيضا من ذلك الاتجاه الذي يحب في الفن استهداف الكيف والجودة وليس الكم والربح الوفير.. وقد يكون في ذلك السبب المباشر لغياب شادي الخليج عن ساحة الغناء فترة، ثم عودته إليها تاركا لونه القديم ومتجها إلى لون آخر من الغناء الملحمي وقد تصور بعضهم قبل أن يلقى شادي الخليج في لونه الجديد، أن صوت هذا المطرب ربما اعتراه بعض التغيير، غير أن المفاجأة كان في استمرارية الصوت بنفس القوة وفي زيادة مساحة النضج في الأداء ثم وفي وضوح أبعاد واتجاهات عمق الإحساس فيما يصدر عن هذا المطرب من غناء.
هذا الأمر أوضح أن المغني المخضرم كان يستغل فترة توقفه عن تقديم الجديد في تدري بوصقل الصوت، لأن الصوت بلا تدريب، وكما يردد أهل المغني مقولة مطرب إيطاليا الكبير كاروزو عظيم غناء الماضي القريب، كالمعدن، يمكن أن تعتريه عوامل التغيير إذا لم تتمكن منه أصول الصيانة والحفظ.
والمطرب شادي الخليج أنهي دراسته الموسيقية في مصر في المعهد العالى للموسيقى العربية، بعد سنوات الهواية في المدرسة الثانوية في الكويت، وكانت بدايات معرفة المستمع العربي به وخصوصا في الكويت وبلاد الخليج من خلال أغنيته (لي خليل) في أعوام الستينيات الأولى وهو لم يزل طالبا يدرس الموسيقى حيث وجد التشجيع من سفير الكويت في مصر في تلك السنوات وهو السفير والوزير السابق حمد الرجيب، الذي قدم شادي الخليج إلى مركز الفنون الشعبية ليصقل بالفنون الفلكلورية تجربته ودراسته الموسيقية.. مرحلة مهمة رعت موهبة هذا الفنان ووجهت اهتماماته واتجاهاته الغنائية المستقبلية وقتذاك وخلال السنوات التالية من الستينيات، وهي سنوات التكوين الفني وحتى سنوات العطاء الحالية اهتم شادي الخليج بالكيف على حساب الكم الفني، فأصبح ما صدر عنه من غناء في حكم الندرة بالمقارنة لإنتاج معاصريه، وأبرز أعمال شادي الخليج التي قدمت للمستمع العربي الأغنية الخليجية والكويتية الحديثة أغنيات من طراز (لي خليل) (أحبه حبيبي) (سرا) (سدرة العشاق) (قف بالطواف) (حبيبي راح وخلانى) (تبعد حبيب) (حالي حال) (وقد سجل هذه الأغنية بصحبة الفنان الموزع والمايسترو عبد العظيم حليم كما صورها للتلفزيون بين معالم الخليج العربي في الإمارات العربية والكويت وفي ساحل الإسكندرية الشمالي الغربي) وبعد أن قدم أغنيته (حالي حال) في بداية السبعينيات توقف عن الغناء فترة، ثم عاد متوقفا عن تقديم الألوان العاطفية، قاصرا اتجاهاته الغنائية على اللون الملحمي والذي يقدمه في الأعياد والمناسبات القومية، ومن هذا اللون أعماله الحديثة مثل فرحة العودة) وتجاربه الناضجة في تقديم الصور والملاحم والاستعراضات الغنائية والتي قدم منها أعمالا أشهرها: (الزمان العربي) (حديث السندباد) (أنا الآتى) (مذكرات بحار) (قوافل الأيام) (فرحة أمة) وأخيراً) (مواكب الوفاء).
وشادي الخليج هو اسم الشهرة الفنى للمطرب عبد العزيز المفرج، وهو من مواليد عام 1939، وقد اختار له هذه الاسم الفني الدبلوماسي الكويتى حمد الرجيب عندما شجع موهبته وهو يدرس الموسيقى في مصر وحيث سانده وعاونه على احتراف الغناء، ولخشية الفنان الشاب من والده في زمن ما قبل انتشار الشاشة الصغيرة عربيا، اختار حمد الرجيب هذا الاسم المستعار ليغني به في الإذاعة وحيث قدمه لمركز الفنون الشعبية ولإذاعة الكويت صوت العرب.. وعرف المطرب الشاب طريقه إلى الشهرة، حتى أن والده الذي كان ضده اتجاهه للدراسة والهواية الفنية أبدى له إعجابه بصوت هذا المغني المسمى شادي الخليج دون أن يعرف أن هذا الاسم هو الاسم المستعار لابنه هو بعينه هذا المطرب الذي أعجب بغنائه عبر الاستماع إليه من الراديو وهو يغني قصيدة (الأم) من ألحان سعود الراشد.
الغناء باللسان العربي
وكما ترك شادي الخليج الغنائيات الفردية واتجه إلى الملاحم الغنائية، ترك أيضا الغناء باللهجة المحلية ليقتصر غناء السنوات الأخيرة تفي تجربته على الغناء باللغة العربية الفصحى، إيمانا منه وكما قال لنا، بأن اللغة العربية هي لسان العرب الصحيح، وأنها اللغة التي يجب أن يتفق عليها النطق والسمع العربي، وبسبب هذا الاتجاه بدأ ظهور ثالوث العمل الفنى الناضج في الكلمة واللحن والأداء عبر تعاون شادي الخليج والشاعر عبد الله العتيبي والملحن غنام الديكان وحيث استمر هذا النجاح منذ قدموا معا أغنية (حالي.. حال) التي اعتمد في مطلعها على مذهب من الفلكلور نسج عليه هذا العمل الغنائى المعروف، وحتى أعماله الأخرى التي اهتم فيها بالحبث عن موروث الفلكلور ليس فقط في الكويت ولكن في كل أنحاء الخليج وأقطار الوطن العربي، مهتما بإبراز الإيقاعات الشعبية وإظهار ما غاب منها من جميل الألحان عن الإسماع من خلال إعادة التناول والتقديم في ثوب جميل وجديد.
التوجه القومى
إن هذا الفنان المثقف صاحب وجهة النظر القومية والاهتمامات المبدئية هو أيضا هذا الفنان الجاد الذي عرف عنه حدته في رفض الآعمال التجارية البعيدة عن التعبير عن رسالة الفنان ودور الفنان في إسعاد الناس.. بجميل الأعمال وهادف المضمون.. وقد كان شادي الخليج من أوائل من حاربوا الانتشار التجاري لأغنيات الكاسيت، التي تضم الغناء الردئ والقيم الاستهلاكية، إذا سعى لتدعيم الغناء عبر أجهزة الإعلام ذات الوصول الجماهيرى ومن خلال إمكانات الراديو والتلفزيون وتوظيف طاقات المسرح الغنائى.
والفنان المتصدى لمريض الغناء الذي يزحف عبر الكاسيت، من أنصار الاهتمام بالكيف وعدم الإسراف في الاهتمام بالكم، وهو يؤمن بأن الغناء حالة معاناة تعطي تأثيرها في شحنة صادقة تظل باقية في الوجدان. بينما تغب في صخب التلوث الصوتى كل ماولات الغش الغنائي والإتجار الفني غير المشروع بالغناء المريض، وحيث أن حكمة السنوات وكل دروس الوعي تبرهن على أنه (لا يصح إلا الصحيح).
إن من يستمع إلى إذاعة الكويت يلحظ أن اللحن المميز للنشرات الإخبارية والفقرات السياسية بهبا هو لحن أغنية شادي الخليج (آن أن نحمي الفدا) التي وضع لحنها أحمد باقر.. وهذا المثال مجرد تعبير عن أثر عطاء هذا الفنان المثقف الذي شغل أكثر من موقع مهم في الخريطة الفنية في الكويت الشقيق ومنذ أن شغل موقع أمين اتحاد الفنانين الكويتيين وموقع مدير التربية الموسيقية بوزارة التربية، وحتى شغل موقع موجه عام الموسيقى في وزارة التعليم ومن خلال كل هذه المواقع استطاع أن يبني لنفسه دورا مهما في تمهيد الطريق أمام من لحقوا به فناني الكويت وأقطار الخليج للعطاء في هذا المجال.
ومن بين عشرات الأسماء جميلة العطاء في الغناء الكويتى الخليجى يبرز صوت وتأثير شادي الخليج في زيادته الفنية وفي محاولاته التحديثية وفي دوره التنويرى التثقيفى ثم في اتجاهاته الجادة والقومية والتي تجعل بصوته وطريقته في الغناء، التي عرفت كيف تهتم بهذا الانتقال من الغناء الفردي إلى الغناء المسرحي التعبيرى، وعلى نحو تتضح قيمته مع كل جديد يقدمه شادي الخليج إلى متابعى فئة، والذي نتصور أن الإعلام العربي يقصر كثيرا في حقهم لا سيما وأن هذا الإعلام لا يعطى هذا الفنان المبدع حقه في التقديم الذي يتيح لفنه كل ما يستحقه من تأثير وتكريم.

نضارة الصوت وتميز الأداء
على الرغم من السنوات التي مضت على قرار المطربة عزيزة جلال اعتزال الغناء، وإصرارها على الالتزام بتنفيذ قرارها واحترام عزمها، لا يزال لصوت هذه المغنية الشابة صداه في الأسماع، وبريقه بين الأصوات الأخرى بفعل ما يتحلي به هذا الصوت من نضارة مورقة وحضور يجتذب الأسماع.
في سنوات النشاط التي صدح فيها صوت المطربة عزيزة جلال، وهي فترة لا تزيد عن عشر سنوات بدأت في أواخر النصف الأول من السبعينيات وتوقفت في آخريات النصف الأول من الثمانينيات، توهم البعض أن نجاح هذه المطربة سببه كثرة الإعلان عن الأغنية التي تقدمها أو ارتباط هذا الإعلان بتكثيف تقديم الأغنية الجديدة في الإذاعة والتلفزيون بينما الحقيقة التي تغيب عن مثل أصحاب هذا الاعتقاد أن الإعلان وتكرار تقديم العمل لا يصنعان وحدهما النجاح فهمبا عاملان مساعدان، وهما في التعبير الدقيق بمثابة المتغير التابع لمتغير آخر أساسي هو الموهبة وقيمتها الفنية، ولو كان مستوى الموهبة مشكوكا في جوهره، فإن أي قيمة فنية مهما كانت درجة قدرتها، لا تستطيع أن تضف إلى نجاح موهبة صاحب العمل الفني وبموازاة ذلك نجاح العمل نفسه.
إن نجاح عزيزة جلال في أغانيها يعود إلى نضارة صوتها وابتعاد، بالخبرة عن الاقتراب في ملامسة الأذن، مع طرق الغناء التي أحبت عزيزة جلال من خلالها الغناء في بداياتها، وهي الطرق التي صحبت الغنائيات الشهيرة لكل من ليلى مراد وسعاد محمد وأسمهان.
لقد ارتبطت حال نضارة الصوت في غناء هذه المطربة بتمكن الأداء، عندها والذي دعمه ما صحب ظهورها الفني من أعمال تتميز ببساطة الألحان ت، وتلقائية وعذوبة الكلمات السهلة الممتعة والتي تغنت بها في سهولة ويسر.
إن نجاح عزيزة جلال في أوال أغانيها (إلا أول ما اتقابلنا) ساهم في توسيع قاعدة انتشار هذه المطربة، غير أن هذا الانتشار جاء في المرتبة الثانية في ترتيب مقومات نجاحها بعد قدرة الصوت وجمال اللحن وتألق الكلمات.
ولقد تكرر النجاح مع عزيزة جلال بصورة تدعو إلى الإعجاب وهي تغني لحنا متكاملاً في قصيدة (والتقينا) التي لحنها الموسيقار العملاق رياض السنباطي وهو الأمر الذي شجع الموسيقار المجدد كمال الطويل على التلحين لها، فكانت أول مطربة شابة من جيل ما بعد عبد الحليم حافظ وشادية ونجاة ونجاح سلام ومحمد قنديل يلحن لها كمال الطويل أكثر من أغنية كانت أشهرها الأغنية التي انطلقت مثل الصاروخ العابر للقارات في ليلة عيد الربيع وهي أغنية (من حقك تعاتبنى) وحيث غطى نجاحها على لحن آخر وضعه كمال الطويل لمطربة أخرى من الجيل السابق على جيل عزيزة جلال وهي وردة الجزائرية التي غنت في الليلة نفسها أغنيتها (أصلك تنحب) التي لم تحقق نجاح اللحن الذي وضعه كمال الطويل لعزيزة جلال، وهو أمر تكرر أيضاً مع عزيزة جلال ووردة الجزائرية قبل ذلك عندما وضع الموسيقار الأصيل محمد الموجي لحن أغنية (هو الحب لعبة) لعزيزة جلال ولوردة الجزائرية أغنية أخرى قدمتها تفي الفترة نفسها هي (أكذب عليك) فصادف النجاح أغنية عزيزة ولم يصادف النجاح أغنية وردة الجزائرية مع أن الجهد اللحنى كان أكثر وضوحاً في الأغنية الأخيرة عنه في الأغنية الأولى.
التخلص من نبرات التشابه
لقد بدأت عزيزة جلال الغناء وفي بداياتها ومن خلال تعرف الناس إلى صوتها حيث نبراته فيها التشابه مع أداء سعاد محمد وأسمهان وليلي مراد، غير أنها استطاعت أن تتخلص من هذه الملابسات الصوتية التي كانت مقبولة في البداية عندما يلجأ الصوت الناشيء للتقليد ت، ولكنها لم تعد مقبولة مع استمرار العطاء والحرص على وضوح الشخصية الصوتية، وهو ما أخذت به عزيزة جلال عبر التدريب والصقل، حتى أمكنها أن تجد التميز الذي يناسبها بجانب حرصها على صيانة حلاوة الصوت وجمال الأداء بقدرات المران والتدريب والفهم والمعايشة والحرص على أساليب الغناء السليم، وهي الأمور التي دفعت بها إلى أوائل الصفوف لتوفير أغلب هذه المقومات مضافا إليها موهبة الحضور التي تبدو صريحة على حالة مطربتنا في هذه القراءة، عند الصعود على خشبة المسرح بينما تبدو هذه الحالة عند غيرها حالة انصراف وحيث تنصرف هذه الموهبة عند العديدات من بنات الجيل الذي تنتمى إليه عزيزة جلال من مطربات زمن السبعينيات والثمانينيات.
والمطربة التي اعتزلت الغناء قبل بضع سنوات وتعيش الآن بصحبة زوجها رجل الأعمال في مدينة الرياض تنتمي إلى مدينة مكناس في المغرب العربي، وحيث كان تعيش طفولتها وصباها في شارع أبو العلا المصري في الضاحية الجديدة من المدينة العريقة، لقد غادرت عزيزة جلال مدينتها مكناس أول مرة في عام 1975 حيث كانت على موعد من الانتشار والشهرة في القاهرة وهي الوحيدة من بين أشقائها وشقيقاتها التي جاءتها الموهبة وحدها ودون غيرها من أخوتها السبعة.
وفي بداياتها جربت عزيزة اختبار قدراتها عبر ألوان شتى من مسالك الغناء العربي، فقد عشقت زعيمة الغناء العربي أم كلثوم وحاولت تقديم أعمالها لكنها كانت تشعر بمسافة كبيرة بينها وبين سيدة غناء العرب الراحلة، وجربت عزيزة غناء الموشحات الأندلسية ولم تجد نفسها، ثم اهتمت بالغناء المصري عبر ترديد أغانى مشاهير نجوم الغناء العربي.
هذا الترديد كان شهادة ميلاد بدايتها الفنية وحيث جاءتها الفرصة عبر برنامج مواهب في التليفزيون المغربى وحيث غنت رائعة أسمهان ولحن فريد الأطرش (ليالى الأنس في فيينا) في البرنامج الذي كان يعده ويقدمه عبد النبي الجيراوى وهو موسيقى مغربى يحرص على التقاليد التربوية في تقديم المواهب الشابة في القطر العربيى الشقيق وهو الذي قدم المطربة سميرة سعيد في برنامجه أيضا وهي تغني في طفولتها رائعة أم كلثوم ورياض السنباطى (غلبت أصالح في روحى) وأغنية أم كلثوم رقيقة العتاب (إنتى فاكرانى) ز
وعندما اشترت بعض شبكات التلفزيون العربية، ومنها شبكات تلفزيون أقطار الخليج العربي وحق عرض هذا البرنامج، فصادف النجاح عند العرض وأعجب الناس بصوت المغنية الشابة التي تتغني برائعة أسمهان، وجاء لها أكثر من عرض لإحياء الحفلات في عواصم دولة الإمارات، ثم تابعا منتج من مصر عرض عليها الحضور إلى القاهرة وقدمها للموسيقار محمد الموجي والشاعر الغنائى مأمون الشناوى فكانت أغنيتها الأولى الخاصة بها (إلا أول ما اتقابلنا).
جربت عزيزة جلال في البدء أن تترك صوتها لشركة منتجة تختار لها الكلمات واللحن وتحدد لها موعد التسجيل وغير ذلك من أساليب التقديم، غير أنها تركت بعد ذلك هذا الأسلوب واختارت البحث بنفسها عن الكلمة واللحن واختيار الفقرة الموسيقية المصاحبة لها في الغناء وتسجيل العمل وتصويره ثم طرحه على من يرغب من المنتجين بالسعر الذي يتناسب مع العرض المقبل لها ومع ما أنفقته من تحضير العمل.
ومنذ عرفت عزيزة جلال طريق الشهرة لم تغن أغاني عاطفية باللهجة المغربية لكنها قدمت نحو عشرين أغنية فقط في المناسبات الدينية والوطنية باللهجة المغربية، كما غنت أيضا بعض أغنيات مناسبات الأعياد القومية الخليجية بلهجة الغناء في أقطار الخليج العربي، واقتصر ما قدمته من أغانى عاطفية وشعبية على الغناء باللهجة المصرية وباستثناء بعض قصائد الفصحى التي لحنها لها الموسيقار رياض السنباطى.
ونجحت عزيزة جلال في الغناء في القاهرة والإسكندرية وفي حفلات معرض دمشق الدولي، وفي بغداد وفي الكويت وفي أبو ظبي ودبي وقرطاج في تونس، وفي العديد من عواصم الوطن العربي، لكنها لم تخض أي تجربة من تجارب الغناء في السينما أو من خلال أعمال الأوبريت في المسرح الغنائى كما اقتصر حضورها التلفزيونى والإذاعى على تسجيل وتصوير الأغانى الجديدة أو الغناء في الحفلات العامة التي تنقلها الإذاعتان المرئية والمسموعة.
عشر أغاني في عشر سنوات
ومنذ تركت عزيزة جلال مجالات تقديم أغانى المشاهير مثل (أهوى) (ليالى الأنس) لأسمهان (القلب ولا العين) لسعاد محمد. (قلبى دليلى) (حبيب الروح) من أغانى ليلى مراد، لم تعد لهذه الأعمال حتى توفر لها العمل الخاص بها، وكان العمل الأول عبر أغنية (إلا أول ما أتقابلنا) التي لحنها محمد الموجي وكتب كلماتها مأمون الشناوى، وبعد هذه الأغنية توالت أغاني عزيزة الأخرى وبمعدل أغنية في كل عام وحيث قدمت بعد ذلك (والتقينا) من شعر مصطفى عبد الرحمن وألحان رياض السنباطى ـ (حرمت الحب عليه) كلمات عبد الوهاب محمد وألحان بليغ حمدى وقد غنت لهما أيضا (مستنياك) وغنت من ألحان كمال الطويل (من حقك تعاتبنى) من تأليف عبد الوهاب محمد أيضا الذي وضع كلمات اللحن الثانى الذي وضعه كمال الطويل لعزيزة جلال وهو لحن أغنية (روحي فيك أنا).
وغنت عزيزة جلال للثنائي محمد الموجي ومأمون الشناوى أغنية ثانية هي (بتخاصمنى حبه) التي اشتهرت باسم (هو الحب لعبة) كما غنت من ألحان حلمي بكر أغنية (منك وإليك) وكان من المفترض أن تغني له أيضاً أغنية (إيش جاب لجاب) التي قدمتها زميلتها وابنة وطنها الآتية من عاصمة المغرب العربي المطربة سميرة سعيد.
أما الموسيقار رياض السنباطى فقد وضع لها لحنا ثانيا هو قصيدة (من أنا) بينما لم يلحن لها سيد مكاوى سوى الأغنية الشعبية (نتقابل سوا) التي سبق أن وضع لحنها ضمن فيلم (السكرية) عن ثلاثية نجيب محفوظ التي أخرجها حسن الإمام للسينما وقد غنت الأغنية في الفيلم الفنانة تغريد البشبيشى وبعدها سجلتها عزيزة جلال بصوتها، وبدلا من أن يكون عنوان الأغنية (يا لا نتمرجح سوا) أصبح (يا لانتقابل سوا).
معنى هذا أن عزيزة جلال خلال سنوات احترافها الغناء استمرت في عالم الأغنية عشر سنوات فقط فقدمت خلالها عشر أغانى فقط كان العمل الأول تفي عام 1976 وكان العمل العاشر في عام الاعتزال 1986.
الخامة الصوتية والتعبير اللحني
لقد غنت عزيزة جلال ألحاناً لعدد من أشهر وأكبر نجوم التلحين في عالم الأغنية استطاعت مع كل منهم أ، تقدم تجربة غنائية طيبة في نطاق جهد تقديم الأغاني الفردية، وعندما تحاورت مع المطربة عزيزة جلال في مسألة التأثير والتأثر في علاقاتها بملحن أغانيها ومن منطلق أن النجم يلمع بموهبته ومن خلال ما يعكسه الآخرون من خبرات على موهبة هذا النجم قالت لي عزيزة جلال وكانت تحفظ لحناً للموسيقار رياض السنباطى: (لقد تعلمت من الأستاذ السنباطي كيف تنطق الكلمات نطقاً سليماً وكيف تستوعب المعنى قبل أن تؤديه لكي تحس بما تغني له؟ لقد كان رياض السنباطى أبرز من نبهنى إلى الاهتمام بمخارج الألفاظ والتدريب على التنفس السليم عند الغناء...
لقد ساعدت تدريبات السنباطى على حسن أداء عزيزة جلال للقصائد التي غنتها من ألحانه وهي (والتقينا) (من أنا).
وبداية عزيزة جلال وكما أوضحنا كانت مع ألحان محمد الموجي ومن خلاله عرفت عزيزة جلال الاهتمام بالقفلات وكانت تبدو موفقة في هذا من خلال الحرص على القفلات الساخنة وخصوصا عند تقديم ألحانه في الحفلات العامة وفي حضور الجمهور الكبير.
أما الموسيقار كمال الطويل فقد أوضحت لي المطربة عزيزة جلال أنها تعلمت منه كيفية التعامل مع الجملة الموسيقية بصورة كلية غير مجزأة، تعايش فيها الفكرة ككل، ثم تندمج بعد ذلك في الجزئيات والتفاصيل من خلال التمرين في كل فقرة على حدة وقبل أن تعيش الاندماج في حالة مزاجية ملائمة.
ويبقي تعاملها مع الفنان بليغ حمدى وكان يجعلها تعيش العمل بشعورها كشابة تعرف مسئوليتها وهي تخاطب بنات وأبناء جيلها، من خلال الحرص المشترك على مضمون الأغنية نصاً ولحناً وأداءً من الفنان وإلى المتلقى.
وإذا كان للتعامل مع الأساتذة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدى وسيد مكاوى وحلمي بكر مع صوت عزيزة جلال قد أعطى هذا التجاوب بين الخبرة اللحنية والأداء اليافع الشاب، فإن لعطاء الموسيقار الراحل الكبير رياض السنباطى الأثر الأكبر فهو صاحب التوجيهات الخاصة بالأداء والمتعلقة بالتعرف إلى المقامات والأوزان والضروبات اللحنية، وهو أيضاً الذي أشار عليها بأهمية معايشة معاني الكلمات واختيار الرصين منها وضرورة أن يلمس المعني الذي يقصده الشاعر إحساسها وقبل أن يستهويها اللحن، وقبل أن تؤدي الكلمات منغمة، وقد كان ـ رحمه الله ـ من أنصار الصدق الذي يعد من وجهة نظرة أقصر الطرق بين نقطتين، فهو الخط المستقيم الذي يصل بين صدق المغني واستجابة تجاوب من يسمعه.
لقد ردد جمهور الغناء العدد القليل والجميل من غناء عزيزة جلال في سنوات نشاطها، ومازال لغنائها الصدى الطيب حتى بعد قرار.. الاعتزال، ولا يزال عاشق الغناء يتذكر لعزيزة جلال نجاحاتها بخاصة عندما ردد الناس معها أغنيتها (هو الحب لعبة).. وكان صوتها أجمل أصوات تلك الفترة التي غنت فيها هذه الأغنية من ناحية خاصة الحضور في الصوت والاحترام في أسلوب الغناء.
ويتميز غناء عزيزة جلال بلمعان الصوت والنبرة المميزة إلى جانب أنها مؤدية مقنعة ومحترمة الأداء تبذل جهداً في حفظ اللحن والتدريب عليه، وهو جهدها الشخصي، إلي جانب الجهد النفسي الذي كان لا يظهر مع غنائها عبر صوت يتميز بسلاسة وسهولة في الأداء، لا تشعر معه أنها تعاني أو تفعل ومثلما يفعل غيرها في غنائه.
إن الموسيقار كمال الطويل الذي لحن لها إحدى أشهر أغانيها (من حقك تعاتبنى) يرى أن لها صوتاً ذكيا له أداء جميل، مقبول من الناس لوضوح شحنة الإحساس فيه، غير أنه كان يرى في سنوات تلحينه لها أن صوتها تنقصه عمق التجربة الذي يأتى مع خبرة السنوات وإن هذه مسألة وقت!!
ولم تكمل عزيزة جلال تجربتها وتركت ساحة الغناء بينما عناصر النجاح تتوافر في صوتها الصالح واستمرارية الوجود في وجدان الناس.
وقبل اعتزالها الغناء، كان تفكير عزيزة جلال يقوم على صعوبة الجمع بين الزواج والفن، كانت لديها قناعة بأن الاستقرار في حياة زوجية موفقة لن يتأتى مع استمرار احترافها للغناء، ولهذا كانت تحدد قائلة: (إما طريق الفن أو طريق الزواج) وعندما طرق بابها الإنسان الذي ارتبطت به اختارت أحد الطريقين اختارت طريق الأسرة والتفرغ للبيت وتركت الفن مع أن خطواتها فيه كانت محسوبة وناجحة وموفقة.

صوت الفرص الضائعة
تصادف موعد كتابتى لهذه السطور مع العام العشرين من عمر الاحتراف في مشوار المطربة ميادة الحناوى، وعلى الرغم من أن هذا الأمر يعني انقضاء حقبتين كاملتين على بدء تعرف الناس إلى صوت هذه المطربة فلا يزال هذا الصوت ـ وعلى الرغم من الوفرة الكمية لما يصدر عن صاحبته من إنتاج غنائي. يعيش في مرحلة البحث عن لون واتجاه لم يصل إليهما جهد هذه المغنية وحيث أن ما نسمعه من غناء صادر عنها لم يزل بعيدا عن مؤشر (البوصلة) التي تهدى إلى الاقتراب من اللون، يميز غناء هذا عن ذاك وإلى الاتجاه الذي يمكن الصوت من الانطلاق منفردا ومتقدما على غيره ممن يعاصرونه.
إن اسم وغناء ميادة الحناوى معروف في ساحة الغناء العربية حتى على الرغم من صمت الراديو والتلفزيون في مصر حيال صوت هذه المطربة وحيث ظلت الإذاعتان المسموعة والمرئية لا تقدم من أغنياتها بسبب وشاية ضدها تعود إلى أواخر السبعينيات تكفل بها موسيقار متقدم في العمر، كبير الشهرة ومفادها لا مجال لمناقشته لأنه يمس مسائل أخرى بعيدة عن قرائنا من هذا السطور لملامح غناء ميادة الحناوى.

في حضور السنباطى
ميادة الحناوى ـ كما هو معروف ـ مطربة عربية تحمل الجنسية السورية وتمتلك حنجرة قوية يخرج عنها هذا الصوت الغنائي الموهوب الذي يمتلك إمكانات معقولة من سعة وجاذبية وهي إمكانات لم يستغلها هذا الصوت على النحو الذي يمكنه من أن يشغل المكان الذي يناسبه على خريطة الغناء العربي وبعدما قدمت ما يزيد عن خمسين أغنية خاصة بها، لم تحقق في معظمها الاستقلالية والطعم الذي يميز صوتها عن أخريات يقدمن الألوان الغنائية نفسها التي اتجهت إليها ميادة الحناوى ومن دون أن خطو بعد الخطوة المطلوبة لخلاصها من أسر التشابه والتقليد لأصوات أخرى معاصرة.
وقبل أن تغني ميادة الحناوى أغنيات خاصة بها كانت مثل شقيقتها فاتن الحناوى تؤدي روائع زعيمة الغناء العربي أم كلثوم وأذكر أننى استمعت إليها في حضور الموسيقار الراحل ـ رياض السنباطى وكانت قد حرصت على التعرف به والاستماع إلى نصيحته في صوتها وطريقة غنائها وكان الذي رتب لها هذا اللقاء المنتج السينمائى صبحى فرحات وحيث شاركت في هذا اللقاء مع الملحن المجدد المرحوم منير مراد والشاعر الغنائى محمد حمزة، في هذا الوقت أسمعتنا ميادة الحناوى مقاطع من ألحان رياض السنباطى لأم كلثوم ومن أغنيات (لسه فاكر) ـ (ليلى احتار) ـ (غلبت أصالح في روحى) (الأطلال) ووقتها قالت لنا ميادة وشاركها في التمني شقيقها: أن أمنيتها أن ينطلق صوتها ليصل إلى المستمع العربى من خلال أساطين الملحنين العرب وفي الصدارة منهم الموسيقار الكبير رياض السنباطى.
وعلى الرغم من غناء ميادة الحناوى لقصيدة (أشواق) وأغنية (ساعة زمن) من ألحان السنباطي إلا أن تقديمها لألحانه تأخر مما أثر على استجابتها للملاحظات القديمة التي أوضحها لها السنباطى في لقائه بها في شتاء عام 1979 فلم تعمل بها ميادة الحناوى حتى الآن بل وحتي في الأعمال التي قدمتها من أعمال رياض السنباطى والتي سجلتها في غيابه وقبل فترة من رحيله عن الحياة في سبتمبر (أيلول) من عام 1981.
وكانت ميادة الحناوى قد أمضت بعد اللقاء مع الموسيقار رياض السنباطى فترة طويلة مع الموسيقار محمد عبد الوهاب لتحفظ منه لحنه (في يوم وليلة) الذي كتب كلماته الشاعر الراحل حسين السيد. غير أن اللحن منع عنها وقدمته وردة الجزائرية، وكان أن ابتعدت ميادة الحناوى عن القاهرة بسبب الوشاية التي لم يعرف أغلب الناس مدى صحتها وهو الأمر الذي تسبب في حرمانها من الحصول على تأشيره الدخول إلى مصر مما جعلها تحفظ الألحان بعيدا عن الملحنين المصريين وتسجل الأغانى بعيدا عن الفرقة الموسيقية.
وبدايات ميادة الحناوى مع الغناء الخاص بها كانت مع الموسيقار بليغ حمدى الذي علمها أيضا الأداء بطريقته المرتبطة أساسا في الأذهان بطريقة غناء المطربة وردة الجزائرية، ولما كانت الألوان الغنائية التي لحنها بليغ لميادة الحناوى هي من ذلك اللون الذي وضعه لوردة الجزائرية والذي يعتمد على استعراض مهارات الصوت العالي، ومن ثم التركيز على مساحات جواب الصوت مع عبور لا يذكر على مناطق ومساحات الصوت الأخرى.
وإذا كانت أغنية (الحب اللى كان) التي كتبها ولحنها بليغ حمدى وغنتها ميادة الحناوى هي أنجح أغنياتها على الإطلاق فإننا نتصور أن أبرز أسباب النجاح هو التجربة الوجدانية التي تعبر عنها كلمات هذه الأغنية.
علينا أن نعترف بأن بليغ حمدى مسئول بما قدمه لميادة الحناوى، عن جعله طريقتها في الغناء تقليداً لصوت وردة الجزائرية، وقد أدى هذا التقليد إلى غياب الإحساس الصوتى المتميز وإلى فقدان المشاعر الصوتية الخاصة حتى برغم الاجتهاد بعد ذلك في الخروج من هذا الأسر في ألحان تالية وضعها محمد سلطان وحلمى بكر وخالد الأمير وصلاح الشرنوبى وغيرهم.
البحث عن هوية غنائية
ومع أن التربية الكلثومية لصوت ميادة الحناوى كانت واضحة المعالم في أداء ميادة الحناوى تقبل اللقاء مع ألحان بليغ حمدى فإن الأسلوب الكلثومى في الأداء لم تستمر ملامحه عند ميادة بينما ارتبط الأداء بطريقة بليغ واستمر حتى في تلك الأغنيات التي لحنها آخرون.
هذا الارتباط (البليغ) أفقد صوت ميادة هويته بحيث أصبح من الصعب التفرريق بينه وبين أصوات أخرى من التي عرفت طريق الشهرة الواسعة عبر ألحان بليغ حمدى خصوصا تلك التي غنتها وردة الجزائرية في سنوات السبعينيات.
إن افتقار غناء ميادة الحناوى لأسلوب المعايشة بين عناصر العمل الغنائى من كلمة ولحن وأداء إلى صحبة فرقة موسيقية تنتظم في التدريبات هو الذي أفقدها القدرة على مرونة وإيجابية تلاقى أطراف العمل الغنائى لتلافي (الشحطات) الصوتية.
يضاف إلى ذلك فشل ميادة في تجديد الصور الشعرية لأغانيها الغارقة بتكرار الموضوعات والمفردات، إذا أن معظمها يدور حول معان مطروحة مئات المرات في أغنيات شائعة وألحان تمثل ترديدا لألحان أخرى معروفة مما أفقد غناء ميادة التوهج الذي يصاحب الغناء الجميل المؤثر عندما يقدم جديدا يلامس المشاعر ويستقر في الوجدان.
إن ما تخرج به الأذن عند الاستماع لأغلب ما قدمت ميادة الحناوى من أغنيات هو من ذلك الانطباع الذي يدور حول تكرار الشكل وتكرار المحتوى وتقليدية التناول حتى وإن تنوعت أسماء الأعمال وأسماء المشاركين فيها من أول ما شفتك. التي لحنها فاروق سلامة إلى آخر حبيب التي لحنها بليغ حمدى ومرورا بأغنيات مثل (آخر زمن) لحن محمد سلطان (الليالي) لحن عمار الشريعى وحتى (قلب مين) لحن محمد الموجي (تصور) لحن خالد الأمير وغيرها.
إن قصائد الفصحى التي غنتها ميادة الحناوى وعلى غرار قصيدة (ثورة الشوق) لحن سيد مكاوى (دعوة للحب) لحن بليغ حمدى وموشح (أنت الحبيب) لحن محمد الموجي لا تخرج كلها عن الإطار الضيق نفسه الذي قيدت به ميادة حركتها الغنائية.
إن حرصنا على فن ميادة الحناوى هو الذي يدفعنا إلى هذه الصراحة.
إننا نقدر صوتها الجميل المعبر الذي تتوافر المواصفات التي نبحث عنها في الأصوات الغنائية، ومع ذلك نرى أن هذا الصوت حبيس أركان ضيقة.
إن اللهجة العربية المصرية هي أكثر اللهجات العربية شيوعا واجتذابا للأذن العربية غير أن الأمر لا يلزم كل من يشارك في الحياة الغنائية بالاقتصار على تقديم أعماله بهذه اللهجة وهو أمر ثبت عدم عموميته بدليل نجاح غناء فيروز وطلال المداح ومحمد عبده، ونازك وصباح وأحمد فكرون ورابح دربإسة ومحمد حسن وعبد الهادى بلخياط وسعدون جابر وغيرهم بلهجات عربية مختلفة إلى جانب تمكنهم من الغناء باللهجة العامية المصرية.
مشكلة الحكم على صوت ميادة بالمطلق يحتم علينا سماعها وهي تغني مختلف ألوان وأشكال الغناء إلا أننا لم نسمعها إلا بمطولات عاطفية.
إن الغناء الذي يصل إلى المستمع ليس هو فقط الغناء عبر تسجيلات الكاسيت ولكنه أيضا الغناء الناضج الذي يمكن أن يصل إلى الناس عبر أشكال التعبير الفنية في المسرح الغنائى وفي السينما ومن خلال الأعمال المركبة في الإذاعة والتلفزيون.
إن على ميادة الحناوى وهي تبدأ الحقبة الثالثة من سنوات احترافها أن تدرك أن عليها أن تعيش مرحلة البحث عن لون واتجاه يميزان فنها الغنائى ويحددان الطعم الخاص بما يصدر عنها من غناء ولن يتحقق هذا إلا إذا خرج صوتها من الحصار المفروض عليها.
إن أبرز ما يميز صوت ميادة الحناوى، بالإضافة إلى قوة الصوت وسلامة ومخارج الألفاظ، ذلك الحزن العميق الذي يخرج عبر إحساسها في الأداء وهو شجن ربما يجاور مثل هذه الشحنة من الشجن والتي نشعر بها في آداء ناظم الغزالي وأسمهان وفريد الأطرش ونازك.
إن هذا الصوت مطالب بوقفة مع النفس تجعله يخطط لسنواته المقبلة من خلال تفكير جديد يتجاوز الاستهداف التجاري إلى النجاح الفني والحرص على تلبية متطلبات الغناء الصحيح الذي يمكن أن يستفيد من صوت ميادة الحناوى القوى والهادر ت، فمن الظلم أن يستسلم مثل هذا الصوت للتقليد واستسهال طرق الأداء المستهلكة. إن في صوت ميادة الحناوى العديد من النوايا التي تتجاوز ما اشتهر من اتساع المساحة ارتفاعا وانخفاضا ححتى وإن جنح أغلب من لحنوا لها إلى الخوض في أعالي الصوت وعلى حساب مناطق أخرى جميلة فيه وأيضا على حساب أعصاب السمع عند من تابعون الغناء العربي ويؤلمهم ذلك الميل إلى الرضي بالأمر الغنائي الواقع.
مسئولية ميادة في حقبتها الثالثة أن تبحث عن لونها وهويتها.. وعليها أن تجدها فهي صاحبة صوت جميل وقادر ويستحق شرف المحاولة في هجر الألوان القاتمة والبحث عن ألوان أخرى متجددة.

سلامة النطق ورصانة الأداء
منذ قدم أغنية (مقادير) قدر له أن ينطلق من شبه الجزيرة العربية إلى المستمع العربي، وهو لم يصل إلى هذا الانتشار بسهولة بل صادفته عقبات اجتازها بصموده وبقدراته على الأداء الكلثومي وعبر حنجرة مذكرة يخرج منها نطق سليم ومفردات مفهومة تعبر عن تمكنه من أصول الغناء والتطريب.
وهو أحد أهم وأشهر الأصوات الغنائية الجميلة التي تنتمى لبلاد العرب في الجزيرة العربية... ظل يغني أكثر من ثلاثين عاما ويحقق النجاحات في معظم الألوان التي يقدمها.. عرف النجاح وهو في مرحلة الهواية في بداياته، وعرف النجاح وهو يغوص في المأثور والتراث في بلاده ليغني أغنيته الفلكلورية (يا سارية خبرينى).. ثم عرف قدر النجاح الأكبر عندما أنطلق اسمه وانتشرت أغنيته (سويعات الأصيل) في كل أرجاء الوطن العربي، وأيضا وهو يغني (مقادير) واستمر نجاحه.. وإزداد إقبال المستمعين على لونه المميز وعلى فن الغناء الذي ارتبط باسم طلال المداح.
وأذكر أن أول أغنية استمعت إليها من المطرب طلال المداح كانت أغنية (مقادير) وكان ذلك في حفل عيد ميلاد إذاعة صوت العرب في بداية السبعينيات، ولا يعني ذلك أننى لم أعرف اسم طلال المداح قبل ذلك، حيث إننى كنت كثيراً ما أستمع إلى أغانيه من الإذاعات السعودية، ولكن دون تركيز وحتى جاءت فرصة الاستماع إليه وهو يغني كلمات الشاعر عبد الله الفيصل ولحن الفنان سراج عمر (مقادير) فأعجبني غناؤه الذي تميز بالقدرة الطيبة والإتقان العاشق لفنون النغم والطرب العربي. وزاد من إعجابى بطريقته في الغناء الاستماعى بعد ذلك للأغنية نفسها من أصوات غنائية أخرى شهيرة لم تستطع أن تقدمها بمثل تقديم طلال المداح لها، أما من حيث عذوبة الصوت أو شحنة الإحساس أو قرب المسافة بين ما يصدر عنه من غناء وما يصل إلى مسامع الناس وهي مسافة قد تبدو بطول الدهر عند الاستماع إلى صوت ثقيل الظل وقد تبدو في مثل سرعة الضوء عندما ينقلها لأذن المستمع صوت قريب من النفس، خفيف الظل يعيش المعني الذي يغنيه كصوت طلال المداح.
تمتد رحلة المطرب طلال المداح مع الغناء إلى نحو أكثر من ثلاثين عاما بدأت مع مرحلة الهواية، ثم اتجهت إلى مرحلة الاحتراف، حيث توزعت معالم الرحلة بين الغناء والتلحين والاهتمام بالفلكلور الغنائي في الجزيرة العربية والخليج العربي.
وبداية الموهوب تبدأ من البيت ومن المدرسة... وبداية طلال المداح كانت في المدرسة الابتدائية عندما غني في مدينة جدة حيث عاونه الأثر الطيب الذي تركه فيمن سمعوه، على أن يستمر في الغناء وحيث تعلم العزف على العود مرددا معه وبصحبته، ومن خلال الاندماج فيما يصدر عن أوتاره من نغم تلك الأغانى التي يحفظها، وهي أغانى بدوية وفلكلورية، بجانب الحديث عن الأغانى الشهيرة والمنتشرة ت.
والمعروف عن المطرب طلال المداح أن نسبه يعود إلى والده المهاجر من حضرموت والذي قصد مكة المكرمة واستقر حتى تزوج والدة المطرب طلال المداح والتي اختارها الله لحظة ميلاد وحيدها طلال. وقد نشأ طلال المداح في طفولته في بيت شقيقة أمه (خالته) وزوجها على المصري في حي (أجياد) في مدينة مكة، حيث أتاح له زوج خالته أن يتعرف في سنوات عمره الأولى إلى فنون الغناء الشعبي وأمسيات السمر الفلكلورية التي كانت لياليها تضيء بحلقات الصهبة وغناء الليالي والمواويل، وقد حصل طلال على لقبه الفني (طلال المداح) من لقب عائلة زوج خالته وكان من مداحي النبي محمد صلي الله عليه وسلم ومن عائلة أصولها مصرية كان تسافر من السويس إلى جدة وإلى مكة والمدينة المنورة مع مواكب المحمل النبوي.
لقد تعلم طلال المداح العزف على العود وأتقنه من خلال الفنان محمد الريس، ومن خلال تعلمه العزف على العود، تعرف إلى المقامات الموسيقية، وهو ما أهله للغناء بتقديم الأغاني البدوية والشعبية، ومن بعدها تقديم أغاني مشاهير تلك المنطقة في تلك السنوات، والتي تعود إلى منتصف الخمسينيات مثل أغنية المطرب حسن جاوه (ويلاه) وأغنية المطرب طارق عبد الحكيم (بد السما بادي) وعندما اشتد عود طلال المداح وعثر على أول وظيفة يعمل فيها ويتكسب منها، كان ذلك في وظيفة إدارية شغلها في مصلحة (البريد) وظل معها استمراره في تلمس خطوات طريقه نحو الفن والشهرة.
(وردك يا زارع الورد)
وجاءته الفرصة وكان الحفل الذي اشترك فيه في مدينة الطائفة وقد أقيم هذا الحفل على مسرح مديرية التعليم.. فيه غني طلال المداح أغنية (وردك يا زارع الورد) التي كانت أكثر ما غني في هذا الحفل نجاحا في تحقيق التجاوب مع الجمهور، وإعجاب هذا الجمهور بصوته وطريقة أدائه وكانت هذه الأغنية هي أول ما لحن طلال المداح، وكانت الكلمات من تأليف عبد الكريم خزامى.
وعندما بدأت الإذاعة السعودية الاهتمام بتقديم فنون الغناء والموسيقى، تقدم إليها طلال المداح بأغانيه حيث قدم برنامج (بريد المستمع) أول أغنية له أذيعت من الإذاعة وهي أول ألحانه أيضا وهي أغنية (يا زارع الورد) التي نجح فيها في مواجهة جمهور حفل مدينة الطائف، وكان ذلك عام 1959، وفي العام نفسه أقامت الإذاعة السعودية مسرحها في مدينة جدة وهو المسرح الذي لم يزل في المبنى القديم للإذاعة.. ومن خلال الحفلات التي عرفت بحفلات البث المباشر الذي زودت برنامج (مسرح الإذاعة) بأغانيه وألوانه الموسيقية قدم طلال المداح الأغنية الأولى التي لحنها والتي كانت السبب في شهرته في كل أرجاء المملكة العربية السعودية، فلقى استحسانا ونجاحا مضاعفا، وبعدها بدأت شهرة هذا المطرب تتسع عبر الإذاعة في كل أقطار الخليج العربي والجزيرة العربية إذا أقبلت عليه شركات إنتاج الأغاني لتسجيل له أغنية (يازارع الورد) ومعها أغنية أخرى عنوانها (شذى الطير).
وبعد هذا النجاح انتقل طلال المداح ليعيش في مدينة جدة مستقرا فيها، وليستثمر نجاحه في تلك السنوات الأولى من الستينيات، حيث اشتهر من أغانيه في تلك الفترة أغنية (أسمر حليوة) من تأليف طاهر زمخشرى وتلحين غازي على، وأغنية (مشاعل بالحي) التي كتبها أحمد صادق ولحنها طلال المداح. وحيث وضع أيضا من ألحان تلك الفترة لحن أغنية (تذكرينى مع النسمة).
الانطلاق إلى المشرق العربي
من جدة سافر طلال المداح إلى المنامة في البحرين، حيث تم طبع أول اسطواناته خارج المملكة، مما ساعد علي ازدياد قدر معرفة الناس به وبفنه، وحتى جاءته فرصة السفر إلى بيروت في منتصف الستينيات، حيث قدم أغنية كان من ألحانه طبقت شهرتها الآفاق، وانطلقت من بيروت لتتردد في أنحاء بلاد العرب، عنينا أغنية (سويعات الأصيل) ولتأتي من بعدها أغنية (أهل الهوى) التي لحنها محمد طلعت.
وكانت بداية الانتشار في تلك الأعمال التي طبعتها شركة لبنانية قامت بنشر أغانى طلال المداح على مستوى المشرق العربي، فساهمت في تقديم الشخصية الفنية لهذا المطرب الذي يقول أن حبه الغنائى تربي على حب الأداء الكلثومى (نسبة إلى أم كلثوم) مكمن الأداء الرصين للغناء العربي، ومع الميل إلى طريقة الغناء الكلثومى، كان يبدو في نطقه السليم وسلامة مخارج ألفاظه، عمق تأثره منذ الطفولة وحتى سنوات العمر الحالية، بتلاوة القرآن الكريم، وهذا مرجعه صدق الإحساس وجمال نطق الكلمات.
لم تكن خطوات طلال المداح سهلة بل كانت خطوات تتلوها خطوات وتصادفها عقبات وعراقيل من البعض الذي لا يحب المناخ الصحى المفترض وجوده في ساحة المنافسة بين أصحاب المواهب، إذا اجتمع هذا البعض مع فنان آخر تسبق طلال المداح إلى الشهرة ومع فنان آخر ظهر بعد طلال المداح، وليس غريبا أن يكثر عدد الموهوبين وليس عجيبا أن يتنوع تغريد البلابل، لكن الغريب في أمر من لا يحبون الوئام في ساحة ظهور المواهب أن يسعى البعض لإفساد الود الفنى وللوقيعة بين أصحاب المواهب، وهو أمر يقول المراقبون المحايدون أنه لم يكن محل اهتمام المطرب طلال المداح فهو تجاوز الصراع ليحقق انطلاقته خارج حدود بلاده وخارج نطاق أكبر يخاطب كل المستمعين العرب في مختلف أقطار الوطن العربي من محيطه إلى خليجه ومن مشرقه إلى مغربه ومن شماله إلى جنوبه.
وكانت هذه الفترة في أغنية (مقادير) والتي كانت انطلاقتها القومية من خلال المشاركة فيعيد ميلاد صوت العرب وعبر حفل نقلته الإذاعات المرئية والمسموعة على الهواء مباشرة لملايين الناس، وفي رحلات عمل متكررة ما زال الشعب اللبناني يتذكر أجمل لياليها.
لقد وضع الملحنون السعوديون وغير السعوديين من مختلف الأقطار العربية العديد من الألحان للمطرب طلال المداح، ولكن تظل ألحانه لنفسه ذات ملمح خاص يعرف المطرب الملحن كيف يقدم الجمل اللحنية الجميلة لصوته، عبر أدائه الذي يتألق فيه، وطريقته في الغناء التي تميزه عن غيره، فقد لحن طلال المداح لنفسه عددا كبيرا من الأغانى، أشهرها لحنه الأول (يا زارع الورد) ثم ألحانه الأخرى (عينى على) من كلمات لطفى الزينى ـ (بشوش عاتبنى) ـ (تصدق) ـ من كلمات إبراهيم خفاجة. (على سلم الطائرة) كلمات بسام محمد على ـ (روح وفكر) من كلمات خالد زارع ـ (الموعد الثانى) من كلمات محمد العبد الله.
كما أبدع طلال المداح أيضا العديد من الألحان التي غناها بصوته وحقق بها نجاحا طيبا ونذكر منها (ليه يا دنيا) ـ (قصت ضفايرها) (هو حبك) (حبتني أكتر).. إلخ.
ومن يراجع نصوص كلمات هذه الأغاني يرى أهم ما يميز غناء طلال المداح من ناحية اختياراته المدققة للكلمات التي يغنيها وهذا ما نلحظه إذا تأملنا بعض المعانى ما يغنيه ومنها أغنية (خلينى أمر) التي استمعت إليها مؤخرا عبر برنامج الإذاعية القديرة السيدة تراجي عباس من من إذاعة صوت العرب وهو برنامج (من كل قطر أغنية) الذي يحقق عبر تنوع مادته الغنائية وحدة النغم والتقارب الوجدانى العربي، تقول كلمات الأغنية التي قدمها برنامج (من كل قطر أغنية) وهي من تلحين وغناء طلال المداح وكلمات عبد الأمير عيسى.
خليني أمر
مثل الشجر
ما نلتقي
ولونلتقيي
مثل السحابة العابرة
الطير يمره ويهجره
حكم الدهر يؤمر أمر
يبقى اللقا غلطة عمر

لقد نجح طلال المداح في أغانيه التي لحنها لنفسه ولكن ليس معنى هذا أنه لم ينجح في الأغاني التي وضعها له الآخرون بل على العكس، فهو حقق نجاحا صريحا واضحا وهو يقدم من أعمال الآخرين أغاني مثل (مقادير) التي لحنها سراج عمر من كلمات عبد الله الفيصل، وقد لحن له سراج عمر أيضا بعضا من أجمل ما غني مثل أغنية (الله يعلم) من كلمات بدرين عبد المحسن الذي وضع له أيضا كلمات أغنية (يا ويلاه) التي لحنها سراج عمر أيضا. أما من أشهر ما غني طلال المداح من أغني الفلكلور فهي أغنية (يا سرية خبرينى).
غير أن طلال المداح لم يحقق نجاحا مماثلا عندما غني لمشاهير الملحنين العرب، أعمالا من تلحينهم، فلم يحقق اللحن الذي وضعه له شيخ الملحنين محمد عبد الوهاب في قصيدة (ماذا أقول) النجاح الذي تصوره من يتابعون فن الملحن الكبير والمطرب الشهير، وهو ما تكرر عندما غنى من ألحان الملحن الكبير بليغ حمدى أغنية باللهجة السعودية عنوانها (يا جمرنا) وتعرف باسم أغنية (رسالة القمر).
لقد غني طلال المداح للملحن الكبير محمد الموجي أغنية (الوطن) في مناسبة قومية، كما غني من ألحان الشقيق الأصغر لمحمد الموجي، وهو الملحن إبراهيم رأفت أغنية أخرى، كما غني طلال المداح للملحن اللبناني الراحل ما رون سالم عدة أغان لم يصادفها النجاح الذي حققه طلال المداح في غناء ألحانه أو الألحان المستمدة من الفلكلور والتراث الشعبى أو تلك الألحان التي وضعها له ملحنون آخرون أمثال طارق عبد الحكيم وسراج عمر.
وبقدر نجاحه في عالم الأغنية لم يقدر للمطرب طلال المداح أن يحقق نجاحا مماثلا عندما أقدم على تجربة التمثيل والغناء في الشاشتين الصغيرة والكبيرة إذا كان التوفيق المتواضع من نصيب اشتراك طلال المداح في تقديم مسلسل تلفزيونى ثم في تمثيل فيلم (شارع الضباب) أمام المطربة صباح من إخراج سيد طنطاوى ـ الفيلم صور في لبنان.
ومع إزدياد أعداد الأصوات المغردة التي تصدح في ساحة الغناء العربي في الجزيرة العربية في هذه السنوات تظل لصوت وفن طلال المداح مكانة وموقع متميز على خريطة الغناء لا يمكن مقرانتها بعطاء آخر إلا عطاء المطرب محمد عبده، وكأنه قدر اللون الغنائي العربي في السعودية أن يحظي بهذا التنافس الجميل بين صوتين شهيرين لكل منهما تميزه وشخصيته الغنائية، وكأنهما كل في مجاله، وكلاهما معا، شيخان وطريقتان، مع الفارق أن (الشيخ الفنان طلال) هو أن الذي فتح الطريق ومهدها وعرف الأذن العربية بلون غنائى وموسيقى متميز... رحمه الله.

صوت طيب القلب
ما من مرة أستمع إلى المطرب عبد المجيد عبد الله في أغنيته البديعة "يا طيب القلب" إلا ويخامرني إحساس بأن صوت هذا المطرب أيضا فيه قدر كبير من الطيبة، إضافة إلى الود والألفة التى تبدو صريحة علي نبرات صوته وعلى إحساسه في الأداء وهو ينقل عبر نفس طيبة كل هذا الشعور الذى يصل إلى المتلقي معبرا عن معدن طيب ومشاعر ودوده.
لم أتعرف على المطرب عبد المجيد عبد الله معرفة شخصية، ولكني أتصور أنني أعرف فنه وما يقدم منه غناء معرفة جيدة، وحتى الاتصال التليفونى لم يتحقق بيننا باستثناء مرة عابرة عقب نجاح أغنيته الجميلة "رهيب" عندما كان في زيارة للقاهرة ووقتها أيضا وبعد مكالمته الودود تدعم عندي هذا الشعور وطعم الطيبة يبدو أيضا على أسلوبه وطريقته في أعماله الغنائية الوفيرة.
وغناء عبد المجيد عبد الله ينتمي إلى حالة المد الغنائي التى تعرفها الأغنية العربية الخليجية الآن، وحيث الاهتمام بالتعبير الجديد الذى تذوب فيه الإيقاعات الخليجية في أعماق التأثر بالموروث العربي وبخبرات الغناء في مصر والمشرق العربي وأيضا عدم تجاهل وضوح أثر النغمات والإيقاعات الآسيوية القادمة عبر بحر العرب وتلك الأخري الآتية عبر المضيق الجنوبي للبحر الأحمر والتى تحمل التعبير الآتي من دول الجوار في شرق أفريقيا.
ولمسات الأصالة في هذا الغناء لا تفقد هويتها عندما تلتقي مع تقنيات وأشكال التقديم الغنائي الحديث الذي يحمل خبرة الغرب وآليات هذه الخبرة.
وعبد المجيد عبد الله حالة من حالات هذا التعبير الجميل والجديد حتى وإن تجاور غناؤه حقبة زمنية كاملة، وهذا الاسم يمتلك صوتاً عذباً يتمتع بشحنة عالية من الأحاسيس وسلامة الأداء بصرف النظر عن المواصفات المتعلقة بمدي العدد من أغنياته الحديثة وسواء تلك التى كانت في ألبومه الغنائي "رهيب" الذى يضم هذه الأغنية الشهيرة التى لحنها صالح الشهرى أو في ألبومه الغنائي الآخر "طيب القلب" الذى يضم مجموعة غنائية بديعة معبرة من ألحان وتنفيذ ممدوح سيف، يجعلنا الاستماع نشعر بجانب متعة التجاوب مع هذا الغناء أن نتعرف أيضا على أسلوب هذا المطرب الذى يغني في الأغلب من خلال إمكانات طيبة تبدو واضحة في المنطقة الصوتية الوسطي، وأيضا من منطقة القرار الذي يتميز بسلامة النسب والمكونات، ويبقى الوصول إلى جوابات الصوت وأعاليه وهي مناطق تبدو أيضا سليمة ما لم يبحر صاحبها في غير المناطق المسموح لصوته بعبورها.
والصوت الطيب يتميز أيضاً بالعذوبة والرقة والحلاوة ووفرة النغم وهي ملكات تؤهله للنجاح الذى يحققه منذ الثمانينيات وعبر ألوان غنائية يغلب عليها التناول الرومانسي الذى بات نادراً في زمن يدمن فيه أهل المغني الحالي الصخب الغنائي والإلحاح الإيقاعي بحجة الموجات الشبابية وبحجة الانتساب الوهمي للأغنية الحديثة.
التناسب ووفرة النغم
وغناء عبد المجيد عبد الله القادم عبر صوت طيب، حلو الأداء يميز صوته وحيث التناسب ووفرة النغم، وقد جعله هذا التميز يحسن اختيار ما يقدم م أغان يبدو من خلالها أنه يتمتع بما يجب توافره في صاحب الصوت الجميل ونعني الذوق والفطنة والحس الأدبي وهي عوامل تضيف إلى الغناء الجيد الذى لا يقتصر على حضور الصوت فقط ولكن أيضا على تعبير الصوت عن اختياراته وتناولاته لنصوص الأغاني وأشكاله وقوالبها اللحنية والموسيقية.
ولأن الغناء العربي قد ارتبط في المسامع، ومنذ عرف الناس كيف يطربون للغناء الجميل؟ بأداء الألحان مقرونة بالقول الدال على المعنى فإن هناك من الأسباب المتصلة بهذا الفهم ما يجعل لصوت عبد المجيد عبد الله شخصية صوتية مستقلة ولوناً غنائياً مختلفاً وتناولات فنية لها مذاقها الذى يحمل طعماً آخر يختلف عن غناء غيره حتى برغم الاشتراك في الروافد المشتركة من نصوص وألحان وتنفيذ موسيقى متاح للكافة. ولأننا نؤمن بأثر البيئة في تشكيل وجدان الإنسان بصفة عامة وصاحب الموهبة بصفة خاصة فإننا نرى أثر هذا الاعتبار في رصد تجربة هذا المطرب الذى تعود بداياته إلى مدينة "جيزان" المطلة على ساحل البحر الأحمر وحتى رحل منها إلى "جدة" عروس البحر الأحمر للدراسة وحتى قدر معلموه موهبته وأشادوا بصوته وهو لم يزل في المدرسة الثانوية، الأمر الذى أوصله إلى الإذاعة السعودية في جدة من خلال تزكية مدرس الأناشيد المدرسية إبراهيم سلطان له وهو يغني أغنيات الرواد ومنهم عبد الحليم حافظ ونجوم الغناء الخليجى ممن سبقوه أمثال طلاح المداح ومحمد عبده وشادي الخليج وغيرهم.
وعلى الرغم من بزوغ موهبة عبد المجيد عبد الله في زمن تنتشر فيه المعاهد الموسيقية والأكاديميات الفنية فإن الدراسة الجامعية ذهبت به إلى شعبة الوثائق والمكتبات التى أفادته في اختيار منهاج للتفكير والبحث، مثلما أفادته ميوله المعرفية في التعرف على قواعد وأصول الغناء العربي من خلال حفظ الأعمال المعروفة والغناء بالفطرة والاجتهاد الشخصي والتزود بمعارف وخبرات الغير القادر على العطاء تعلم عبد المجيد عبد الله عزف العود بإصراره ومثابرته وعرف شأن أي موهوب في البداية، أن التجربة هي المدرسة الحقيقية لصقل الموهبة ومن هنا أفاده الانضمام إلى حفلات الهواة في نادي الجمعية السعودية للثقافة والفنون في جدة وحيث أفاده التعرف على عدد من الملحنين العرب مثل نجيب السراج وطاهر باغر ومحمد المغيص وقد أفادوه بألحانهم دون أن تترك هذه الألحان البصمة التى يبحث عنها كل وافد جديد إلى عالم الغناء وحتى يعثر عبد المجيد عبد الله على نغمته الحائرة عند الملحن سامي إحسان وقت أن كان في رحلة تسجيل جديدة مع المطرب الكبير طلال المداح في مصر وبعدها وفي منتصف الثمانينيات يخصه سامي إحسان ببعض ألحانه مثل "يا سيد الأهل" ـ "الصبر مفتاح الفرج" ـ "شفتك وفي عيونك حزن" ويهتدى عبد المجيد عبد الله في تلك السنوات المبكرة من عمر تجربته الغنائية إلى المؤشر الذى يقود خطاه التألق والتميز فيهتم بالمستوى الذى يبحر فيه في نصوص الكلمات المغناه، ويتعمق في المضمون الذى تمضي فيه تناولات معاني أغانيه وينجح أيضا في إضافة ملمح آخر لغنائه بعد البدايات مع سامي إحسان وكان هذا الملمح من خلال اللقاء مع ألحان الفنان البحرينى الملحن المطرب خالد الشيخ في أغنية "طائر الأشجان" والتى تدعمت بعد ذلك في أغنيات منها أرجع بالسلامة ـ "يا ساكن القلب" ـ "عاتب اللى تحب".
وعلى الرغم من النجاحات الواضحة التى حققها غناء عبد المجيد عبد الله لعدد من ألمع النجوم من الملحنين فإنه لم يتوقف عند أحادية التعامل مع أي من الملحنين ممن نجح معهم، ولتكون وسيلته في البحث عن نغمته الجديدة، التنويع في انتقاء الكلمات والتنويع في اختيار الألحان التى يؤديها، فتنوعت مفردات أغنياته بين كلمات مختارة وألحان مختلفة ووجدناه يغني لعدد من الأسماء نجد من بينها حسن تمراز وسامي إحسان ونجيب السراج وخالد الشيخ وأيضا أسماء من لحنوا أغنياته في عدد من ألبوماته مثل ممدوح سيف ملحن "يا طيب القلب" كلمات سالم الخالدى ـ "قالوا لي" كلمات سعود بن عبد الله وصالح الشهرى ملحن أغنية "رهيب" وملحن أغنيات "جيتك" "من الدنيا" اليوم دوري" وصلاح الهملان ملحن أغنية "احتياجي" وطارق العوض ملحن أغنية "راض" وكذلك الملحن الكبير طارق عبد الحكم مؤلف وملحن أغنية "أبكي على ما جرى" وهناك أيضا عبد الله الرميثان ملحن أغنية "الهنا والسعادة" وأغنية "خلاص روحي" وجميل محمود وملحن أغنية "وفر عتابك" وحسين المحضار ملحن أغنية "الله بالأمانة" ومدني عبادي ملحن أغنية "قلبي سعيد الحظ" وغيرهم ممن قدم عبد المجيد عبد الله من خلالهم المعاني الجياشة التى تتبدل فيها الأحوال وتختلف المشاعر ويصل إلى الأسماع صافياً منغماً هذا الغناء الذى يغني لساكن القلب وطائر الأشجان والذى يبدو مذاقه رومانسيا رقيقا وهو يردد:
كيف أسيبك؟ وأنت نظر عينى وأنا حبيبك وإن حصل في يوم افترقنا شوقي يعاندني وأنت يجيبك أصلك وطيبك!
وتتفاوت حالات المد والجزر الغنائي ورغم ذلك تبدو مظاهر ووضوح الرؤية والإمساك بمقاليد التوازن والسلامة قوية عند البعض ومنهم عبد المجيد عبد الله، لكننا لابد وأن نقر بأن غرائب حالات المد والجزر في الحياة الغنائية وفي بحور الأنغام العربية تسمح للأمواج الهابطة بأن يعلو صوت من يتعلقون بها فيزعجون المسامع بهذا الضجيج الذى يصدر عنهم وهم يقلدون في الشكل نجاحات الغير في الغرب بينما هم في الروح والمضمون والعطاء والابتكار صفر اليدين، أيضا فإن من غرائب نوات المد والجذر في الغناء العربي الحالي خفوت صوت أصحاب الجهد الطيب والأمواج العالية من أصحاب الإبداع الذين يسعون للسمو بالأذواق والارتفاع بمستويات التناول والتقديم.. يمضي الحال بعيدا عن المنطق يعلو صوت الردئ ويخفت الصوت الجيد والسبب في ذلك غياب المقاييس الموضوعية والاهتمامات الإعلامية النقية، الأمر الذى يمسح بالتداخل والعبث بالمدخلات والمخرجات التى تنظم الأحوال في عالم الموسيقى والغناء.
يعيش هذا العالم في وسطنا العربي في حالة تشبه مقدمات ونتائج المعادلة الصعبة ومن ملامحها تلاطم وتضارب الموجات وعلو صوت الهبوط وغياب التقدير عمن يستحق هذا التقدير، لكن هذا الحال يدوم ولكنه إلى حين لأننا نؤمن بأن الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ونحن مع غيرنا ننتظر ونترقب اعتدال الموازين!.

شدو الفارس في ليل المدينة
لم يكن الصوت الجميل وحده هو السبيل لكسب ود عشاق الغناء ولكن هناك الاختيار الطيب من الكلمات والألحان. الصوت هو الوسيلة التى تنقل الفن الجميل ولكن الكلمات والألحان وطريقة التعبير هي المضمون الذى يعكس به الصوت الآخاذ قدرته على الأداء واستطاعته على التعبير.
والمطرب العربي محمد عبده امتلك هذه الأبعاد منذ انطلق صوته وحتي وصل إلى الأسماع، وهكذا أيضا كان موقفنا منذ أن استمعنا إليه لأول مرة وهو يشدو بغنائياته المميزة في حفل غنائي أقامته إذاعة صوت العرب في واحدة من ليالي حقبة السبعينيات الماضية.
اجتذب المطرب محمد عبده الأسماع إلى تجربته. الغنائية من خلال تعرف الناس على حلاوة صوته، مصحوبا بحسن اختياره للكلمات وحرصه على غناء بديع الألحان، كانت الكمات التى غناها في أول حفل استمعنا فيه إليه من ذلك اللون من الكلمات التى تطرق المعاني التى لا يعرفها إلا من عرف كيف يقدر نبل الفروسية وشهامة المصارحة وعفوية التعبير.
هكذا كان الانطباع الأول لاستماعي للمطرب محمد عبده وهو يشدو في ليل المدينة، أغنياته "في أمان الله" ـ "انت محبوبي" ـ "أيوه".
وما خرجت به من انطباع وأنا أتابع غناء محمد عبده في حفل ساهر أنعش ليالي الغناء الصيفية، كان هو أيضا شعور المستمع وهو يرصد خطوات هذا المطرب، عبر محاولاته الغنائية العديدة التي كان الراديو الوسيلة الرئيسية في تنفيذها ووصولها إلى الناس، فقد لفت محمد عبده الأسماع إليه بجمال الأداء ودقة الأختيار وصدق المعاناة، وهكذا كان في أول أغنياته "يا أبو شعر ثائر" واستمر بعد ذلك، وهو يترنم بالمعاني التي تمثل منطقة في الغناء، وهو يشدو بأغنية "خطأ" من كلمات بدر بن عبد المحسن الذي كتب له أيضا كلمات أغنيته المعروفة "في أمان الله" التي وضع محمد عبد ه لحنها، وعلى الرغم من نجاح الأولي التي غناها محمد عبده وكان بنيانها اللحني من إبداعه، فإن مطربنا تفوق كثيرا عندما غني من ألحان الآخرين، وكما لاحظنا وهو يغني من ألحان سراج عمر أغنياته، مثل "صوتك يناديني" ـ "صاحب العشق" ـ "مر حبيبي" ـ "الدنيا" وغيرها.
على أن الأجمل في غناء محمد عبده، هو تلك الأعمال التي عرف كيف يمزج فيها بين سحر الغناء العربي وجمال الغناء الآسيوى وسخونة الغناء الأفريقي.. وذلك عبر هذه التوليفة المتقنة التي تجمع ما بين قدرات الغناء العربي السليم وإيقاعات الغناء الخليجي بأنغامها الساخنة التي تعرف عذوبة الغناء الهندي وشفافية غناء الشرق الأفريقي.
إن من هذا الغناء الذي نتصوره الأجمل في تجربة محمد عبده الغنائية، أغنيات لها هاذ المذاق المتميز الذي نشعر به حال الاستماع إلى أغنيات من طراز "أيوه" التي كتبها دائم السيف، أو أغنية من لون أغنية "بعاد" أو أغنية "كلك نظر" وأيضا أغنية "دستور".
صعود السلم الغنائي
صعد المطرب الغنائي محمد عبده سلم الغناء حتى حقق مكانته الحالية منذ بدأ معرفته بفنون الموسيقى والغناء من خلال برامج الأطفال في إذاعة المملكة العربية السعودية بإشراف وتوجيه مقدم البرنامج الذي عرف باسم "باب عباس" وحتى كانت هذه المرحلة التي جاءت لهذا المطرب بأول أغنية خاصة له وكانت بعنوان "دموع عينى" غناها وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، ومن يراجع كلماتها يشعر بأنها كانت أكبر من عمره الزمنى وقتها، الذي لم يكن يناسبه تلك الكلمات الباكية التي كتبها الإذاعى مطلق الديابي الذي وضع أيضا لحن الأغنية التي يقوم مطلعها "سكبت دمعي في عذابى".
غير أن الأغنية التي لم تكن تناسب عمر تجربته الصغيرة اليانعة، ساعدته على تقديم نفسه لمحبي فن الغناء العربي، وحيث قدر له بعد معرفة الناس به في المملكة العربية السعودية أن يسافر إلى لبنان، وفي استوديوهات بيروت سجل باقة من الأعمال الجديدة التي رشحته إدارة الغناء والموسيقى بالإذاعة السعودية لأدائها بصوته، وحيث كانت أول أغنياته التي سجلها خارج الجزيرة العربية هي أغنية "خصام العيون" التي كانت باكورة رحلاته الفنية التي صحبه فيها زميل من أبرز أبناء جيله هو الفنان عمر كدراس.
كان لحن "خصام العيون" هو البداية في تعرف عبده على أصول فنون الغناء والموسيقى، وحيث بدأ محمد عبده مرحلة التعرف والاستيعاب.. وحيث وجهه من يتوسمون الخير في موهبته إلى القراءة والتحصيل، فكانت قراءاته عن تاريخ الموسيقى العربية، وكان اهتمامه بمتابعة ما يكتبه النقاد والمتذوقون عن جديد الغناء العربي، وصحب هذه القراءات الحرص على تكوين مكتبته الغنائية بالاحتفاظ بتسجيلات نجوم الغناء العربي، وفي المقدمة منهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، ومع الحرص علي إقتناء تراث أم كلثوم الغنائي، كان همه أيضا تنويع مقتنيات مكتبته الغنائية بتسجيل جميع أغنيات تلك السنوات من نهاية الستينيات، وكان من أبرز أعلامها عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية وفايزة أحمد ونجاة.
عاد إلى جميل الغناء واستوعب تجارب من سبقوه، وبدأ بمن عاش بينهم في الأوساط الإعلامية والفنية في المملكة العربية السعودية، وحيث تابع خطوات طارق عبد الحكيم أول سعودي يدرس الموسيقى العربية في المعهد العالي للموسيقى العربية في مصر. وأيضا الموسيقى العالمية في معاهد إيطاليا، وطارق عبد الحكيم هو الملحن الذي وضع لحن أغنية المطربة الكبيرة نجاح سلام شعر الأمير عبد الله الفيصل "ياريم".
أيضا استوعب محمد عبده تجربة المطرب الذي سبقه إلى الانتشار والذيوع وهو الفنان طلال المداح ـ كان لنا حديث سابق عن الريادة في تجربته الغنائية ـ ومع استيعاب التجارب الخليجية بدأ محمد عبده التعرف على محاولات عربية أخرى إضافة إلى مصر ولبنان. فمن العراق أحب ناظم الغزالي، ومن سوريا صباح فخرى، وغيرهما من كل بقاع وأقطار الوطن العربي الممتد من محيطه إلى خليجه.
ولم يكتف محمد عبده بتأمل حال الغناء الحديث فاهتم أيضا بالعودة إلى التراث وأراد أن يعود إلى الجذور ليتعرف على منابع الفولكلور العربي، وحيث تستغرقه كنوز الفولكلور في الجزيرة العربية والتى يحفظ منها العديد من الأغنيات الجماعية، والتى جعلته يتقن العزف على العود وهو بصدد حفظ هذا التراث السخي، وحيث يتمعن مطربنا في سحر آلة "العود" ويندمج معه عندما يغني ممهدا لحالة الذوبان في التجربة الوجدانية التي يغني لها، وحيث يمكنه هذا الإندماج من السلطنة في الأداء.
أعانه هذا البحث عن جذور التراث، في حسن اختيار الجديد الذي يقدمه ويشكل إضافته في هذا الاتجاه من فنون الغناء، ولهذا برزت... بداياته، والتى انطلقت في أعمال متتالية كان من أهمها في سنوات ما بعد التحصيل والاستيعاب، محاولات العثور على اللون الغنائى الذي يميزه والذى كان من إرهاصاته الأولى لحن طارق عبد الحكيم "لنا الله" ولحنه الآخر "سكة التايهين".
ومع غناء ألحان رواد فن التلحين في بلاده، بدأ محمد عبده يلحن أغنياته، فتعددت صور النجاح في هذه الأغنيات التي كانت بكورتها أغنية "الرمش الطويل".
الإخلاص لطريق النغم
في نهاية الستينيات وبالتحديد في عالم 1968 تخرج محمد عبده من المعهد الصناعي، حيث حصل على دبلوم في صناعة وصيانة السفن وقتها.. حصل على منحةى للدراسة الأكاديمية في جامعة هامبورج في ألمانيا الاتحادية، غير أنه فضل أن يعوم في بحار النغم على أن يعوم مع مد وجزر موج البحر، وقرر مطربنا البقاء في المملكة وهذا الإخلاص لطريق النغم ساعده على هجر طريق البحر وأن يقرر احتراف الغناء عقب تخرجه من المعهد الصناعي، وبعد أن اطمأن البحر وأن يقرر احتراف الغناء عقب تخرجه من المعهد الصناعى، وبعد أن أطمأن إلى تجاوب الناس مع فئة وقبولهم لصوته وإعجابهم بطريقته الجديدة في الغناء.
شجعه هذا النجاح على أن يطوف ببلدان الخليج فبدأ في الكويت، حيث لقى من النجاح ما جعله بعد إتمام رحلاته الخليجية يفكر في القدوم على مصر بعد أن تجاوب معه أطراف العمل، بداية من مشاركة عناصر العمل الفني إضافة إلى حسن استقبال الجمهور.
وفي مصر يسجل أول أغنياته في استديوهات ماسبيرو، وكانت أغنية "لا تنظرنى بعين" ولتوفيقه في تقديمها يختاره المخرج الذي نال لقب ملك الفيدو مع بدايات إرسال التليفزيون العربي لكي يشارك في البرنامج التليفزيونى "بحر الأمان" وحيث صور له بعضا من أغنياته المعروفة والتى تعد من أروعها أغنيته الصافية "مالي ومال الناس.. لما حبيتك ما خدت رأي الناس".
وتتردد أغنيات محمد عبده وتكتسب النجاح تلو النجاح، ويعرف الناس أسماء أعماله "بعاد" "ليلة الخميس" "صوتك ينادينى" "المقدر" "أنت محبوبي" "المعازيم" "حبيبى مر بجده" وغيرها.
وأعود إلى حفل إذاعة صوت العرب الذي عرفنى بصورة مباشرة بغناء المطرب محمد عبده، وحيث يكون لهذا الحفل فضل التقديم الأكثر انتشارا للمغني الدؤوب، ويتحقق له اللقاء الأوسع بالمستمع العربي في حفل آخر سبق حفل السبعينيات الذي تألق فيه محمد عبده وكان ذلك في عيد ميلاد إذاعة صوت العرب. وحيث شارك مطربنا بالغناء.. وقتها انطلق صوته بأشهر أغنياته بصفة عامة وإن لم تكن أشهر أغنيات تلك السنوات، وأقصد أغنية "يا مركب الهند" بلحنها السلس، والمتدفق وكلماتها البسيطة التي عرف المستمع حلاوة بساطتها، والمطرب محمد عبده يقدمها بأدائه الساخن في حيوية وتلقائية صادقة.
وإذا كان المطرب محمد عبده قد حقق هذا النجاح الذي جعل من اسمه وفنه ظاهرة ناجحة تنطلق من الجزيرة العربية، فما هي أسباب هذا النجاح غير المقومات البديهية لانطلاق أي صوت، بداية من جماليات الصوت وسلامة الأداء وحسن التدريب؟
إن هذه الأسباب تعود، بجانب هذه المقومات إلى الإمساك بمقدرات الثقافة العامة، ومنها ما يخص الثقافة الفنية التي تمكن الفنان العزف على الوتر الذي يجتذب اهتمامات الناس، ممن يتلقون العطاء الفني، فيقدرونه ويقبلون عليه، أو يرفضونه فينصرفون عنه.
لقد تميز إقبال محمد عبده على أسباب بقائه الفني بذكاء يحسب له.. فقد استجاب هذا المطرب لمن نصحوه بأن يسلم موهبته الصوتية لبعض كبار الملحنين، فغني من ألحان محمد الموجي "ابتهالات" ومن ألحان بليغ حمدى "ياليلاه" لكنه ومن خلال إيمانه بأن الأسماء وحدها لا تصنع استمرارية عطاء الفنان بل إن الذي يدفعه ويصنع مكانته هو ذلك العطاء الجميل الجديد الذي يقدم تجربته المخلصة والطموحة، وبصرف النظر عن اسم صاحبه، كبر أم صغر، فالعبرة بالعمل الذي يضيف على رصيد صاحبه، ليس بالدوى والإلحاح في عرض هذا العمل، وبالتسلق على أسماء بعض الكبار.
إن صدى التجربة هو الذي أعان محمد عبده على حسن الاختيار، وهو صدق يبرهن على جماليات هذا الاختيار الذي أعطى لغناء هذا المطرب، هذا الإحساس بنبل تعبير الفارس في زمن قل فيه الفرسان.

الغناء المهاجر والعبير الجديد
من حق الأصوات العربية الجميلة التي تغرد بعيدا عن أوطاننا العربية، أن نهتم بها، وأن نلقى إليها بالتحية التي تصلها عبر البحر المتوسط الذي يفصل عالمنا العربي عن عالم الشمال الأوروبي. إن الغناء العربي المهاجر إلى العالم الخارجي، يفتقد إلى همزة الوصل الذي تربطه بوطنه الأم.. وعبر هذا الانتقاد نشعر بتقصير أجهزة الاتصال الجماهيرية، المرئية والمسموعة تجاه الغناء العربي الكبير الذي ينمو في غير أرضه ويزدهر في خارج غلافه الجوى وحيث يعوضه عن الأرض والمجال الحيوى في الوطن هذا، هذا الالتفاف الجميل من أبناء الوطن ممن يعيشون في المهجر بشقيه الدائم والمؤقت.
والمطرب العربي الليبى أحمد فكرون، هو صورة لهاذ النبت الخصب الذي ينمو في غير أرضه.. فهو ينطلق من مساحات الغناء في العواصم الأوروبية وهو يقيم في العاصمة الفرنسية باريس، يفصله البحر المتوسط عن مدينته بنغازي ولكن تحيطه مشاعر الإعجاب والتشجيع من كل أبناء العروبة ممن يقيمون في عاصمة العالم، الفنية والثقافية.
إن العطاء الجميل المنسوب للمطرب أحمد فكرون، يتضح في غنائه المعبر ومن خلال صوته السليم، جيد التدريب، واضح النبرات، صريح الملامح، جيد النطق صحيح الأبعاد، وهذا العطاء الجميل تبدو قيمته في هذه الألوان الجديدة التي يضيفها إلى الغناء العربي المعاصر ومن خلال فهم جيد لا يصدر إلا عن فنان مثقف يعرف للتطور شخصيته.. فهو ينطلق من فهم مزدوج يعرف للأصالة قيمها مثلما يعرف للتحديث أهميته.
إن الغناء المنسوب للمطرب أحمد فكرون، هو ذلك الغناء الذي يعرف للكلمة تأثيرها، ويعرف للحن تصوير، وبقدر ما يعرف للأداء، جاذبيته وتمكنه وصدقه وتعبيره الحساس.. ولهذا لم ينقص غناء أحمد فكرون عن التراث الذي صنعه رواد فن الغناء العربي ممن أحبهم وتعلم منهم، كما لم ينعزل أيضا عن الجديد في التعبير الغنائي العالمي.
عقد أحمد فكرون في محاولاته الغنائية الناجحة مثل "اوعدنى" "ترحال" "شوارع المدينة" "لبنان" "كلمات حب" "لا يا حب" "نسيان" "اسكندرية" "جامع الغناء" "فلسطين الحبية" وغيرها، هذا العقد الشرعي الذي يمثل المصاهرة بين التعبير الغنائي بإحساسه العربي ومزاجيته الشرقية، وبين العناصر الحديثة من إيقاعات واستخدام وتوظيف وتوازيع الآلات الموسيقية، مع الحرص على تطويع أساليب التكنيك أو التقنية المتقدمة، لتقديم غناء عربي الهوية، عصري المكونات والشخصية.
من بنغازي إلى الإسكندرية
عشق أحمد المبروك فكرون ـ وهذا هو الاسم الثلاثي للمطرب ـ والذى ولد في مدينة بنغازي في أواخر الخمسينيات وفي ميدنته بدأ حبه للموسيقى منذ الطفولة فكان حرصه على العزف على الآلة البسيطة التي يعشقها الصغار "آلة الهارمونيكا" ثم تطور إعجابه حيث اشترى آلة وترية هي بين العود والبزق، ومع قيثارته كان يمضي أغلب أوقات فراغه يتابع الجميل في عالم الموسيقى والغناء ويشارك في نشاطات الأطفال المدرسية ويتابع بنهم ما يقدمه الراديو وما يقدمه التلفزيون، ويحاول أن يوفق بين مذكراته واهتماماته الغنائية، وينجح في هذا الاتجاه وتكافأه الأسرة بأن يسافر معها في شهور الصيف إلى الإسكندرية.., وفي عروس البحر المتوسط، يزداد نهمه الفني ويحاول أن يتابع كل نشاطات الغناء والموسيقى ويقترب من فرق الشباب التي كانت تنعش ليالي الإسكندرية بعروضها الشابة التي استهوته، فيصادق العناصر المكونة لفرق "البتي شاه" "البلاك كوتسى" ويقترب من فنهم،ولا يبخلون عليه بخبراتهم فتبدأ معه مرحلة الاطلاع والقراءة في كل جديد الغناء والموسيقى في العالم.
وفي عالم 1972 تتوقف الرحلات المكوكية بين بنغازي والإسكندرية، وتقرر الأسرة أن يسافر الابن إلى العاصمة البريطانية لندن لدراسة اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزى.. ويتفرغ أحمد فكرون لدراسته وتذهب به اهتمامات الدراسة بعيدا عن الموسيقى لكنه لم يستطع وحيث مضي العام الأول عليه وهو يعيش في لندن، في شعور من لا يعرف الراحة، لأنه ابتعد عن طبيعته.. كانت الموسيقى هي طبيعته ولذلك عاد إليها بمجرد أن قربت الظروف بينه وبينها عندما أقام مع أسرة بريطانية كان كبيرها عازفاً للجيتار، فعاونه بالتدريب والمعايشة والمتابعة، وقام بتعريفه بكبار الموسيقيين ممن يعيشون في لندن.. ومن خلاله عشق الجيتار وعرف كيف يتعامل معه، ومن خلاله أيضا تعرف على الفنان الكبير "كانت استيفنس" الذي أعتنق الإسلام وأشهر إسلامه وتسمى باسم يوسف إسلام.
في البداية عمل أحمد فكرون مع فرقة غنائية شابة عاونته في تقديم نفسه للمستمع العربي الذي يعيش في عاصمة الضباب الأوروبي، ومن خلالها سجل أغنياته الأولى في استوديوهات لندن، ومنها الإنية التي اشتهر بها في بداياته عبر الإذاعات العربية الصادرة عن العواصم الأوروبية، مثل إذاعات الـ بي بي سي، وموت كارلو، وكانت أغنية البداية "اوعدني.. أوعدني ماتسبنيش" ثم كانت أغنية "نجوم الليل" وهي الأغنية التي سبقته إلى وطنه ليبيا وحيث حققت نجاحا كبيرا هناك، امتد أيضا إلى مصر ولبنان والمغرب وتونس والجزائر والكويت وغيرها من الأقطار العربية.
وكانت محطته التالية بعد لندن هي روما، وفي إيطاليا أعاد تسجيل أغنياته بتوزيع جديد ومن خلال أداء موسيقى جديد، وحيث كانت إيطاليا هي محطة النجاح التالية التي قادته إلى التعرف على مهرجانات الغناء العالمية، وهي التي مهدت له طريق الوصول إلى العاصمة الفرنسية باريس، التي أحسنت استقباله، فعرف طريقه إلى برنامج المنوعات الشهير "نادي الفيديو" في التلفزيون الفرنسى، والذى قدمه أيضا في برنامج "موزييك" على شاشة القناة الفرنسية الثانية، وهو البرنامج الذي شاركت فيه النجمة الغنائية الراحلة "داليدا" والتى أشادت بغناء أحمد فكرون وألحانه وتوزيعاته الموسيقية.
استطاع أحمد فكرون عبر إقامته في العاصمة الفرنسية أن يحصل للغناء العربي على مقوع ثابت في خريطة الغناء التي ترسم تفاصيلها من أسبوع إلى آخر عبر قنوات التلفزيون الفرنسي وحيث أصبح للغناء العربي المهاجر مكانا واضحا في خريطة النغم شمال المتوسط، وهو وضع يشعر به من يشتاق للغناء العربي إذا قدر له أن يعيش الغرب الأوروبي، وقد ساعدت الشاشة الصغيرة على وضوح صوت هذا الغناء وحيث إن أغلب إنتاج من يقدمون هذا اللون من الغناء العربي المهجر مصور للتلفزيون، الذي يقدم لهذه الأصوات ما لم نقدمه لهم في تلفزيونات وطننا العربي جنوب المتوسط.
أذكر أننى تابعت على شاشة القناة الثانية بالتلفزيون الفرنسى برنامج هذا المساء الذي يقدمه فرديريك ميتران، ابن شقي الرئيس الفرنسى الراحل فرانسوا ميتران، وهو مقدم برامج يتمتع بشعبية كبيرة لدي مشاهد الشاشة الصغيرة ومن برامجه الثقافية المعروفة ذلك البرنامج الشهير الذي قدمه من صعود وانتهاء نجم الملك السابق فاروق، ومن خلال برنامج فردريك ميتران و"هذا المساء" حرصت على أن أتعرف على الأسلوب الذي يقدم به التلفزيون الفرنسي المواهب العربية.. وكان أن قدم فردريك ميتران المطرب أحمد فكرون من خلال حوار، ثم قدم بعض أغنياته المصورة لمنوعات التلفزيون، ومنها أغنيات "ليل السهرانين".
كان فردريك ميتران، وهو من أكثر نجوم التلفزيون الفرنسى ثقافة واقترابا من الفنون والثقافات العربية، إن غناء أحمد فكرون في هذا الوقت من الثمانينيات يعد أحلي غناء عربي أستمع إليه في عاصمة النور باريس.
فكرون في مهرجان الشباب
وإذا كان هذا القبول هو رد الفعل الذي صاحب ظهور المطرب أحمد فكرون في عاصمة الفن الأوربي، فما هو رد الفعل عندما يلتقي هذا المطرب مع المتلقى العربي؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال من خلال متابعتنا لنشاطات المهرجان الأول لموسيقى وغناء الشباب، والذى عقد في مدينة مراكش بالمغرب الشقيق في شهر تموز / يوليو عام 1987 فإننا نود أن نوضح أن غناء أحمد فكرون يعد غناء عربية ليس فيه مسحة من ذلك الغناء المسمى "أنجلو آرب" أو فرانكو آراب، لأن غناء أحمدفكرون يحمل هوية عربية خالصة وليس من مجالات التقليد والمحاكاة ما يجعله يصنف ضمن هؤلاء المقلدين، ممن يزحمون ساحة الغناء ولا يعرف المتلقى هل ينسب هذا النغم لهم أن ينسبه لغيرهم، ممن أخذوا عنهم مثل هذه الألحان وتلك الطرق المستنسخة في الآداء.
إن أداء أحمد فكرون يتدرج تحت مسميات الغناء العربي السليم، بينما أسلوب تنفيذ أعماله من عزف وتسجيل وتوزيع يستفيد إلى حد كبير من إمكانات الغناء الحديث الذي يسود عالم اليوم.
ويعرف أحمد فكرون أن المقلدون إلى زوال، بينما يدرك في الوقت نفسه أن المبتكرون هم فقط يضمنون البقاء في الأسماع والأستقرار في الوجدان ولهذا يأتي حرصه من خلال بحثه الدائب عن الشكل الغنائي الذي يميزه، وذلك عبر دراسة تجارب من سبقوه في الشرق والغرب، وهو في حالة بحثه يتوقف كثيرا عند كنوز التراث الغنائى العربي، كما يتوقف أيضا عند الأعمال الشعبية والفلكلورية يقترب منها، يتذوقها ويدرسها ويعتني بالاسترشاد بها وبالتقاء الآذان العربية بجميل إيقاعاتها وغنائها.
عرفت من أحمد فكرون أنه حريص على الاقتراب من محاولات الرواد، وبخاصة سيد درويش فنان الشعب العظيم، ثم محاولات التجديد التي تلته ويتوقف في محطاتها العديد عند اسماء مثل، الأخوين رحبانى وعلى إسماعيل وكمال الطويل ومحمد الموجي ومحمود الشريف ومحمد فوزي ومنير مراد وبليغ حمدي وأندريا رايدر وغيرهم.. تستهويهم الأغنية القصيرة، ويتأمل عطاء أهم رموزها ليلى مراد ومحمد فوزي وشادية وعبد الحليم حافظ وفيروز وغيرهم.
في حفلات مهرجان الشباب بمدينة مراكش، والتى شارك فيها أحمد فكرون، ضمن العديد من الأسماء العالمية والعربية والتى استقبله فيها جمهور هذه الحفلات استقبالا يصعب أن أحصره في كلمات قليلة ودون أن أشير إلى أن هذا الاستقبال ينبع من تقدير المستمع العربي للغناء الذي يحرص على شخصيته ويحرص على أن يكون التجفيد من داخل التراث الغنائي، وليس من خلال القفزات البهلوانية التي تبتعد عن الجذور الأصلية التي تشكل وجدان المستمع العربي.
في حفلات مراكش قدم أحمد فكرون أغنياته، التي برهنت على قيمة أن يكون التطور من خلال الأرضية التي انطلق منها إنساننا العربي، وكيف عرف هذا الإنسان أن يقدم رموز حضارته وملامح قوميته، ولهذا كان هذا التجاوب الرائع بين جمهور هذا الحفل، ومعظمه من الشباب، وبين المطرب أحمد فكرون الذي أعطى مثالا ناضجا على أن شبابنا لا يستمع فقط من خلال استجابته للإيقاعات الراقصة ولكن أيضا من خلال اندماجه مع النغمات الجميلة وأساليب الغناء المعبرة الصادقة.
أتاح لقاء مراكش لأحمد فكرون أن يعايش حياة وانفعالات الناس في المدينة العربية العريقة..و من خلال قلب هذه المدينة في ساحة جامع الفناء استطاع أحمد فكرون أن يكتب وأن يلحن واحدة من أنضج أعماله الغنائية هي أغنية جامع الفناء التي وظف فيها التأثيرات الصوتية للبيئة الشعبية المتميزة في هذا المكان من خلال مقدمة موسيقية بليغة تعد أرقي ما قدمه المطرب أحمد فكرون من ألحان في أغنياته.
خصوبة التعبير وموقف الكلمة
والمطرب أحمد فكرون يلحن أغنياته ويضع لها التوزيع الموسيقى من خلال البحث عن أعماق تصويرية تمزج النغم بالتعبير الدرامي وعلى نحو يبدو في أغلبه أقدم من أغنيات كان أغلبها من تأليف الشعراء نبيل الجهمى وفرج المذبل من الجماهيرية الليبية ومجدي نجيب من جمهورية مصر العربية الذي كتب له أغنيات آه يا إسكندرية وتمر سنين "انتظار" وغيرها إن حرص أحمد فكرون على اختياره للكلمة ينبع من إحساسه بأن الكلمة موقف، واتجاه الفنان موقف.. ولهذا يبدو موقفه في حرصه على ما يصدر عنه من غناء يعبر عن أحلام وطموحات جيله من الشباب الذي يغني له، وسواء أكان هذا الجيل من شباب الوطن أم من شباب المهجر.
إن غناء أحمد فكرون هو نموذج من ذلك الغناء العربي الناضج الذي يقدم تجربته وهو وسط تيارات الإبداع في الغرب الأوروبي، ومن شاكلة غناء أحمد فكرون ونماذج أخرى متميزة ومختلفة المذاق أشهرها غناء المجموعة الجزائرية وتغني "الرأي لنا".
وهناك أيضا الفرقة المغربية "الديسدنتين" أو فرقة "المهاجرون" والتى غني المطرب محمد منير واحدة من ألحانها الشهيرة وأسماها "حكمة الأقدار" وهناك أيضا الفرقة المغربية "الجلالة".
إن هذه الأمثلة الناجحة تعد مجرد قطرة في بحر الغناء العربي الجديد الذي يحتفى به الناس في أوروبا من عرب وغير عرب، وهو غناء يبتعد عن صالات الملاهي وصخب الكباريهات ودخان علب الليل، لأنه غناء ينطلق من مسارح المنوعات ومن قاعات الحفلات والاحتفالات كما أنه يشرف أيضا عبر أدوات الإعلام الغربية ومن خلال شاشات التليفزيون وميكروفونات الراديو وتسجيلات الكاسيت والفيديو.
إن هذا الغناء الجميل والجديد لا يعرف طريقه المباشر إلى المستمع العربي لأن برامج الراديو والتلفزيون لا تهتم بغير الوافد الأجنبي من آلاف.. التسجيلات الآتية من الخارج، ولا تمنح هذا الغناء القدر الذي يناسبه من التقديم ومصاحبة الأضواء، مع أن هذا الغناء العربي الآتى من الغرب أقرب إلينا من الأداء المتميع "لمايكل جاكسون" والمواء المخنث الذي يقدمه "بوي جورج" والغواء المنغم الذي تقدمه "سامنتا" وغيرهم.ز أو عبر غناء تفتح له الشاشة الصغيرة نوافذها فيزعج الأذن بهذا الصخب الإيقاعى ويضايق العين بذلك التوظيف الصارخ الإضاءة ناهيك عن سخافة الأزياء وميوعة الحركات الراقصة وسوء تصرفات المجاميع الإيقاعية.
إن هذا الغناء جزء من أعراض تلوث البيئة الفنية بما يؤذى العين وبما يرهق أعصاب السمع.
وإن لمن الأفضل أن تتسع صدورنا للتجارب الناضجة التي يقدمها نجوم الغناء العربى المهاجرون إلى أوروبا وأمريكا.. فهي تجارب تابعة لأحاسيسنا ونابعة من وجداننا.., هي في المنطلق وفي المنتهى تعبير عن مبدعين محسوبين علينا، وعلى تجربتنا العربية، فلماذا لا تتعامل سبل الإعلام معهم بصور حيادية وتعطيهم بعض حقوقهم في الوصول إلى المتلقى العربى، وبنفس القدر الذي تمنحه للوافد الآتى من الخارج، أو بنفس الفرصة التي تمنحها نفس الأجهزة الإعلامية لهذا الغناء المخلط والذى تقدمه عناصر غير واعية تزدحم بها ساحات الغناء، التي أصبحت تشكو من كثافة الرديء وندرة الجيد. والذى جعل من يعشقون فنون الغناء العربي يهربون من هذا الإلحاح القبيح إلى التسجيلات التي تعود إلى سنوات سابقة فيها الغناء الجميل والنغم الأصيل والصوت القادر الأثير.
وحتى لا يجتذبنا الماضي إلى جماليات، نريد أن نطل على المستقبل من خلال تقديم لمحات من عطاء الحاضر الجميل الذي لا يهمل قيمة الاستفادة من تجارب الماضي الأصيل ولا يغلق الباب أمام محاولات التطور والتحديث من خلال مخاطبة المستقبل القادم مع الغد الذي يطرق الأبواب.
إننا مع فتح كل النوافذ، لكننا نساند هذا الفن الجيد الذي يعرف كيف يطرق أبواب الغد، من خلال الجديد الذي لا ينكر فضل إبداع الأجداد والذى يصل الأمس بالغد من خلال أنبويين من المعارف أولهما الأصالة وثانيهما المعاصرة.
وهذا هو التحديث الذي نبحث عنه في كل مجالات حياتنا.. والغناء هو الأقرب من كل فنون التعبير لكي يبدأ هذا الفهم الجديد ولكي يمهد له هذا الفهم الذي يحاول الغناء العربي المهاجر بأن يخلص في تجربته إزاء الجديد وهو يستأهل منا، ومن أجل التقديم أن نفتح له الأبواب مرجين، فهل نفعل؟

نجم الجيل الرابع وتعبير الصوت الجريح
صاحب هذا الصوت هو نجم الأغنية العربية الكويتية المعاصرة وهو أكثر نجوم الغناء الكويتى قدرة وانتشارا على الرغم من أن معطيات ونتائج التقديم والظهور في عالم الغناء العربي قد تجعل من أسماء لا تطاول هامته، في موقع يبدو لغير المتخصصين وكأنه يسبق صاحب هذا الصوت القدير والمميز.
عبد الكريم عبد القادر أهم مطربي الجيل الرابع في الأغنية العربية الكويتية، وهو صاحب تاريخ فني ممتد، أثري العديد من الأعمال الناجحة والمميزة التي كان من أحدثها تلك الأغانى التي عبرت عن هموم أمته.. "وطن النهار" وأغنية "كال العالم" والتى تعتبر أن من أبرز الأغانى التي عبرت بشفافية وصدق مؤثر عن هذا الواقع التي تخطئه المنطلقات القطرية، فتحول دون حقوق التعبير القومية، وتؤدي بالتالي إلى المتاهات التي يغيب معها الزمان العربي.
إذا أمكننا أن نقيس عمر الأغنية العربية عبر سنوات القرن الحالي الذي يوشك على الرحيل، فإننا نقسم أجيال العطاء في سنوات هذا القرن إلى أربعة أجيال، تطبيقا لنظرات علماء الإحصاء التطبيقى ممن يقولون أن الجيل، هو ذلك الفارق الزمنى بين عمر الأب وأكبر أبنائه.
تنقسم أجيال العطاء في الغناء العربي الكويتى المعاصر إلى أربعة أجيال، يعد اسم المطرب عبد الكريم عبد القادر أبرز أسماء الجيل الرابع منها، وهو أيضا أحد أبرز أسماء نجوم هذه الأجيال مجتمعة.
والجيل الأول في الأغنية الكويتية هو جيل الريادة الذي بدأ في ظروف بيئية وتقنية وثقافية صعبة، ومع ذلك حقق للأغنية العربية الكويتية المسار الممهد لخطوات الأجيال التالية، ومن نجوم هذا الجيل "عبد اللطيف الكويتى" و"عبد الله فضاله" "ومحمود الكويتى" وبعد هذا الجيل جاءت خطوات الجيل الثانى الذي بدأ مع الدور المهم لنشر الأغنية عبر الراديو، ومن نجوم هذا الجيل "عوض دوخي" و"سعيد الراشد".. وقد أعطى إخلاص هذا الجيل دفعة لنجوم الجيل الثالث من الأسماء التي جاءت في زمن التنوير والاهتمام الثقافى في سنوات المد القومي العربي، وهو الجيل الذي بدأ مع نهايات الخمسينيات وسنوات الستينيات ومن نجومه، صاحب النقلة المهمة في مسار الغناء العربي الكويتى المطرب "شادي الخليج" وأبناء جيله "صالح الحريبى" و"مصطفى أحمد" و"عزيز الشاطئ".
ومثلما ترى المقولة الشعبية المعروفة أن من ليس له ماض فلا حاضر ولا مستقبل له، فقد قام تعبير الجيل الرابع في الأغنية الكويتية على دعائم من جهد وإبداع الأجيال السابقة،وهو إبداع أتاح لنجم الجيل الرابع "عبد الكريم عبد القادر" أن يقدم أغانيه التي انطلقت بفهم وإحساس يعرف كيف يمد الجسور إلى عطاء المراحل التي سبقته، مثلما يعرف كيف يمد الجسور الأخرى إلى خطوات أخرى تمهد الطريق أمام جيل مقبل، وهو ما كان من أمر هذا الجيل الذي انطلق منه عبد الكريم عبد القادر ورفيق دربه المطرب "عبد المحسن المهنا" وليكن غناء هذا الجيل الأكثر انتشارا في الغناء الخليجى، وحتى جاءت من صلبه علامات الجيل التالي، وهو الجيل الخامس في الأغنية الكويتية الحديثة والتى يبدو من نجومها "عبد الله الرويشد" و"نبيل شعيل" و"رباب" و"محمد البلوشى" وغيرهم.
الينابيع العربية الأولي
يعرف كل من يتذوق لمسات الجمال في الغناء العربي ذلك الأثر الخلاق الذي يتركه النطق السليم في جماليات التعبير الغنائي، وهو أمر توافر بصورة لا تغيب عن الإدراك، في كل صوت غنائي عرف كيف يدبأ خطوات النطق السليم من خلال الارتواء مع الينابيع العربية الأصيلة، وفي الصدارة منها، تعلم اللغة العربية، عبر تلاوات الكتاب الأول، القرآن الكريم، وبمقدار ما يحفظ المغني من تجديد القرآن الكريم، وبمقدار ما يطوف به وعيه على الكنوز التراثية واللحنية الموروثة بمقدار ما تكون قدرته في الأداء التي تكسبه القدرة على التعامل مع المقامات العربية، والتى تعرفه بسر الانتقال بينها وأداء القفلات، ووضوح الزخارف والذبذبات والحليات الدقيقة.
توصل المطرب عبد الكريم عبد القادر لهذه الملكات عبر ارتوائه من الينابيع الأصيلة، فقد نشأ وعاش في كنف أسرة متدينة علمته من الصفر قراءات القرآن الكريم، بل وزادت من اهتماماته بالقراءة فوجهته إلى التجويد والترتيل، فاشتهر صوته الجميل المعبر وهو يدعو للصلاة مؤذنا في مسجد الضاحية التي عاش فيها إلى جانب تلاوة وتجويد القرآن الكريم.
ومن الصقل الصوتى في مرحلة بدايات العمر في محراب القرآن الكريم بدأت اهتماماته بالنظم والنغم الجميل تشغل تفكيره، مع صحبة الأهل والأصدقاء ممن شجعوا صوته الجميل على غناء الشائع من أعمال التراث الشعبى، أو المعروف من أغانى الكلاسيكيات العربية التي سطعت في سماء الغناء في سنوات بداياته، عبر نجوم هذا الغناء، أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وناظم الغزالي ووديع الصافي وعوض دوخي وشادي الخليج وغيرهم.
ولأن تعلق الموهوب بفن الغناء العربي بدأ من خلال هذا الشأن الذي يمثل طرق أفاق البدايات عند العديد من مطربي ومطربات الغناء العربي، قام تعلق عبد الكريم عبد القادر بدروب الغناء عبر أساليب التلقين التقليدى. وحفظ الأعمال المعروفة وهو أمر يجنح بالموهوب إلى استخدام الجزء الأصغر من إمكاناته الصوتية، المتاحة لغناء الفطرة الذي يترك تدارك غالبية مشاكل الأداء للاجتهاد الفردي.
ظل غناء عبد الكريم عبد القادر أسير تجارب الاجتهاد الفردي حتى التقى مع الملحن عبد الرحمن البعيجان الذي درس الموسيقى دراسة أكاديمية متخصصة في مصر، ويحدث اللقاء بين القيمة الصوتية المتمثلة في قدرة صاحب الصوت الجهير ذى البحة المليحة والنغمة المنسجمة والأداء السليم وصاحب البصمة اللحنية المثقفة وليثمر اللقاء عن أشهر نتاج التعاون بين الصوت عبد الكريم البعيجان عبر أغنية "تكون ظالم" التي تعد من أشهر الأغاني العربية الخليجية في حقبة الستينيات.
كانت أغنية "تكون ظالم" بداية مرحلة جديدة في الغناء الكويتي وفي غناء المطرب عبد الكريم عبد القادر الذي ساهم في تحديد ملامح صورته الفنية وقسمات خريطته الغنائية بحيث قامت على صوت يعرف كيف يجيد التعبير،، وكيف يمكن من تصوير الألحان التي يؤديها، وعبر الإمساك السليم بالطبقة والقدرة على الانتقال من طبقة إلي أخرى، ومن خلال أداء متقن وتمكن لغوي ونطق واضح وسليم.
ورصيد صوت عبد الكريم عبد القادر من الغناء إلى الغناء يضم عشرات وعشرات الأعمال الناضجة والجيدة التي تنتسب بصدق إلى الغناء العربي السليم، وهي أغان لم تقع مثل غيرها في أخطاء الركض وراء الإيقاعات أو النغمات الآسيوية الهندية، حتى على الرغم من تسليمنا بقيم التأثير والتأثر بين موروثاتنا والوافد المقبل إلينا من الخارج بشرط الاحتفاظ بالمكونات الأساسية لشخصيتنا الثقافية.
ورصيد عبد الكريم عبد القادر الغنائي يضم مراحل عدة نختار منها ما يمثل مرحلته الأولي عبد التعاون مع الملحن عبد الرحمن البعيجان، فكان من أبرز ثمار هذه المرحلة، أغنية "تكون ظالم" وبعدها تأتي أعمال مرحلته الثانية بالتعاون مع ألحان عبد الرب إدريس ويوسف المهنا، ومن أبرز نجاحات هذه المرحلة أغنية "عاشق".. ثم تأتي المرحلة الحالية من مراحل عطاء هذا الصوت العربي المميز، وهي المرحلة الثالثة التي كان من أهم علاماتها الجديدة أغنية المعبرة "وطن النهار" من ألحان سليمان الملا وكلمات بدر بورسلي، وأغنية "كل العالم" من كلمات أحمد الشرقاوى وتلحين راشد الخضر.
يقدم عبد الكريم عبد القادر في مرحلته الحالية، أغاني عربية لا تغترب بعيدا عن المدركات والأحاسيس والوجدانيات العربية في وطنه الكويت، حتى ولو تحركت في نطاق الأداء الموسيقى العصري والتناول التوزيعي الحديث، وعلى نحو تراجعه في أعماله الجديدة التي سجلها مع فرق موسيقية في مصر وحقق في التعاون معها، أقصي ما يتمناه من تكامل فني، وعبر تناول موسيقى لا يبتعد عن الإطار العلمي في الصيغة والكتابة والعزف والأداء الموسيقى، وكذلك خلال المعالجة التوزيعية والتي قام بها في أغانيه الجديدة كل من سعيد البنا وميشيل المصري وطارق عاكف، خصوصا أن غالبية أغاني عبد الكريم عبد القادر من الألوان المسجلة في الأستديوهات، ولا سيما أن أغانيه تندر في الحفلات التي بات غالبيتها يقدم في غياب التخطيط الغنائي السليم، وفي قاعات الفنادق حيث تتراقص الأشياء وحيث تبدو موائد الطعام التي تحيط بها، كالغلاف الهوائي الملوث بالدخان، وهو مناخ لا يصلح فيه الغناء الجميل، بقدر ما تناسبه هذه الألوان المنتشرة هذه الأيام من غناء الزمن الردئ الذي لم تصل عدواه إلى غناء عبد الكريم عبد القادر المحصن ضد تلك الأوبئة الغنائية التي تحاصر كيان الغناء العربي، القادر على المقاومة، بفعل الجيد والجميل الذي يمكن أن يصمد في وجه الهجمات الغنائية المغولية والتي قد ينحصر مدي انتشارها إذا قوى الرأي العام المساند للتيار الصحي والسليم في الغناء العربي الجديد.
يبرهن عطاء صوت عبد الكريم عبد القادر على أنه يمتلك طاقة تعينه إذا ما مد الجسور مع أصحاب القصد النبيل من مواهب الغناء العربي المتناثرة على خريطة هذا الغناء في مختلف المناطق العربية، وحيث يبدو عطاء عبد الكريم عبد القادر الذي أفاد من خبرات الرواد ومن أحلام الشباب.. من خلال تلك المقدرة المتفردة التي تبدو في تعاونه مع الأجيال الغنائية المختلفة التي أعطت لأغانيه ثمار يانعة يبدو من بينها في صدى الأسماء تلك الأعمال الطيبة التي نتذكر منها الأغنية التي ارتبطت بأدائه وأسلوبه الغنائي أغنية "الصوت الجريح" من كلمات عبد اللطيف البناي وألحان أنور عبد الله، وأغنية "خطاوينا" من كلمات ساهر وألحان سليمان الملا، وأغنية "ما أصعبك" من كلمات بدر بورسلي وألحان راشد الخضر، وأغنية "المسافر" من كلمات عبد اللطيف البناي وألحان أنور عبد الله، وهما أيضا شركاء اللحن والكلمات في أغنية "آخر كلام".
لقد بحث عبد الكريم عبد القادر عن النطاق الصوتي الذي يميزه، وعن الأسلوب الغنائي الذي يحمل توقيعه الصوتي، وكان هذا من خلال اجتهاد العثور على اللحن الذي يتجاوز النمطية والتقليدية وحالة التيه في دائرة مفرغة وهو ما تمكن منه أيضا غير التنقيب عن الكلمة الطيبة المعبرة، حيث البداية الصحيحة في الكلمة الأمينة والمخلصة التي تعبر عن موقف ووجهة نظر، ليس في أمور المشاعر والأحاسيس فقط، ولكن أيضا في انفعالات الإنسان الحياتية الثابتة والمتغيرة، وقد نجح صوت عبد الكريم عبد القادر في تصويبه على هذا الهدف، من خلال اختياراته لاشعار وكتابات يوسف ناصر وبدر بورسلي والشيخ محمد بن راشد المكتوم وعبد اللطيف البناي ومبارك الحديثي وغيرهم من الأسماء التي أعانته في رحلته بين أغاني الأمس واليوم، بحثا عن أغنية الغد، على أن يمتلك قدرته على التعامل مع الأجيال المتباينة، وبحيث استطاع أن يتجاوز جيله والجيل الذي يليه.
وهذا هو يواصل خطواته بالاقتدار نفسه موضحا لأصحاب الأغاني العارضة صدق المقولة القديمة، أن من ليس له كبير يبحث عن كبير.. فهل يعرف من يدعمون الظواهر الانتهازية معني هذه المقولة الحكيمة.. ليتهم يعرفون..!.

غنائيات البعد الرابع
قبل سنوات شهدت الصحافة العربية في مصر ظاهرة تطورت سطورها إلى ما يشبه المواجهة والمبارزة بين أطراف كانت تكتب مدافعة أو مهاجمة للوجود الغنائي العربي في مصر متحدية كل البديهات والمسلمات، وكانت امتداد لفترة زمنية عرفت الشعوبية الضيقة الأفق في الفكر السياسي والاجتماعي بل والاقتصادي أيا غير أن المعركة حسمت لمصلحة الشعور القومي، إذ عمقت الكتابات التي طرحت عن الشعور القومي إحساسا بدفء المشاعر العربية المشتركة وعدم معقولية تصنيف اللون الغنائي الذي تهفو إليه الأسماع إلى جنسيات وفصائل، وقد آثر القارئ رفض الكتابات التي نظرت إلى المسألة من زاوية أن الأصوات العربية الوافدة تدخل إلى ساحة المنافسة في عاصمة الغناء العربي مسلحة بإمكانات ضخمة كالمال والعلاقات والنفوذ، وأن هذه الإمكانات تسمح لها بأن تحصل على فرص أفضل في مستوى التقديم، وظروف أفضل في اختيار الكلمات والألحان، نظرا لقدرتها على شراء الأجود، إلى جانب ظروف الترويج والتعريف بحيث لا تكون الفرص متكافئة بين من يتاح لهم كل شيء من الضروريات بجانب موهبة الصوت، وبين من لا يتاح لهم غير موهبة الصوت فقط.
ولقد قامت وجهات نظر الاتجاه الشعوبى في محاربة أصحاب المواهب الحقيقية الجديدة على غير سند من الموضوعية والإنصاف بل ومن دون مراجعة أصحاب التجارب التاريخية الناجحة والتى لم تعرف لإنتشار الموهبة حدودا بفضل قومية الفن بل وعالميته أيضا.
إن الإمكانات التي تصحب ظهور أصحاب المواهب تتوافر في أجهزة الإعلام والفنون، ممثلة في الراديو والتلفزيون والمسرح والسينما، وهي أجهزة تظهر المراجعة المجردة تقاعسها عن أداء دورها معتمدة على التلقي المنتج عبر شركات الكاسيت التي تتمكن من ظروف يصعب تجاهلها تعتمد على دور المؤسسات الإنتاجية في الإفادة من ملكات صاحب الموهبة، ومن هنا فقد كان ومازال لعامل الربح التجاري العامة الأساسي في تحريك نشاطات المؤسسات الفنية الأمر الذي يعني أن اقتصاديات الغناء باتت في أيدي من يبحثون عن الكسب التي تغير من نشاطات الغناء حتى قبل أن تتذوقه وتعمل على نشر الجيد منه.
وقد كانت المطربة سميرة سعيد أحد أبرز الأصوات التي أصابتها سهام هذا التفكير الشعوبى الضيق عندما حققت شهرتها ومعرفة الناس بأسمها من خلال انطلاقها من مصر، في نهاية السبعينيات وفي نفس توقيت انطلاق أصوات ميادة الحناوى "سوريا" وعزيزة جلال "المغرب" وماجدة الرومي "لبنان" وهنا يمكن أن نقارن النجاح الذي بدأ في الخمسينيات للرباعي الغنائي الذهبى شادية ونجاة وفايزة أحمد ونجاح سلام، بذلك النجاح الذي صاحب رباعي السبعينيات سميرة سعيد وماجدة الرومي وعزيزة جلال وميادة الحناوى وحيث تميز غناء رباعى الخمسينات بلون غنائي مميز يختلف عن الاتجاه السائد في الألوان التي استقرت في الأسماع من خلال غناء عبقرية الغناء العربي السيدة الراحلة أم كلثوم، أو من خلال ذلك اللون الغنائي السينمائ الذي اشتهرت به ليلي مراد.
إن مشكلة سميرة سعيد والجيل الذي ينتمي إلى صعود نجمة في أعوامل الثمانينيات يبدو في أنهم أصوات شابة جميلة وجديدة تقدم الألوان نفسها من كلمات وألحان اشتهرت في الخمسينيات والستينيات وأيضا في سنوات بداية الجدب في السبعينات بل وفي درجة أضعف في المستوى من ناحية كم وكيف الغناء ثم ما تمثل بعد ذلك في الغناء البعيد عن الهوية والذى نسمعه اليوم!
ومقارنة جيل سميرة سعيد في الثمانينيات مع جيل الرباعي الذهبي في الخمسينيات يميل بالدقة إلى غنائيات الجيل السابق الذي عرف أصالة الموهبة، وتوهج الطموح وجسارة المحاولة بجانب جماليات الأداء وتميز اللون والشخصية الفنية والذي أعطي هذا الرباعي الذهبي ما نشهده الآن من استقرار لغنائيات هذه الأسماء وجيلها، في الوجدان والأسماع ومن بعد الغياب والإعتزال.
البداية مع فايزة أحمد
في شتاء عام 1978 دعتني المطربة الراحلة فايزة أحمد للاستماع إلى صوت رقيق حساس قادم من المغرب ليجرب حظه في مصر وعندما لبيت دعوة المطربة الصديقة جذبني غناء الفتاة الصغيرة سميرة عبد الرازق بن سعيد "17سنة" هي تؤدي بطريقتها ومن د
ون تقليد "كربونى" رائعة أم كلثوم "أنت فاكرانى" ورائعة ليلي مراد "قلبي دليلي".
وبهذه البداية، كان انطلاق اسم سميرة سعيد مع الاحتراف والشهرة عندما قدمت فايزة أحمد، سميرة سعيد للفنان الملحن محمد سلطان، وبعدما استمع سلطان وفايزة إلى سميرة سعيد وهي تشارك في حفلات غنائية في العاصمة المغربية الرباط، وبعد عدة سنوات من معرفة الناس في القطر العربي الشقي بالمطرية الصغيرة عبر برنامج "مواهب" الذي كان يقدمه الفنان عبد النبي الجيراري في التلفزيون المغربي، وهو البرنامج ذاته أيضا الذي قدم المطربة المعتزلة عزيرة جلال.
وعندما جاءت سميرة إلى مصر كانت تحرص وقتئذ على أن يطلق عليها اسم سميرة بن سعيد.. وفي تلك الفترة كانت دون العشرين، وفي أعوام المراهقة، ولهذا لعب الاختيار دورا مهما في نجاح محاولاتها الأولي، وكان ذلك عبر اختيار الكلمات والاعتناء بتلحين هذه الكلمات وهي بمثابة جواز مرورها إلى الأسماع مع أغنية البداية التي تخصها والتى كانت بعنوان "الحب اللي أنا عايشاه" من كلمات محمد حمزة وألحان محمد سلطان، الذي لحن لسميرة سعيد أكثر من عمل غنائي، من أشهره "الدنيا كده" من تأليف الشاعرة الراحلة نبيلة قنديل وأغنية "حكاية" من تأليف عمر بطيشة.
ولقد تحقق لسميرة الانتشار الجماهيري والنجاح عندما شاركت في حفلات مهرجان الإسكندرية السينمائي بغناء لحن بليغ حمدي وكلمات عبد الوهاب محمد "علمناه الحب" والتى أجادتها بصورة لفتت إليها الأسماع، وكانت الجسر الذي ربط بينها وبين مشاهد التلفزيون الذي تيقن من ملكة الحضور التي تتحلي بها هذه المطربة الشابة.
ويتتابع نجاح سميرة سعيد عندما تغني عبر الشاشة الصغيرة، المقدمة والنهاية الغنائية للحلقات التليفيزيونية "ألف ليلة وليلة" التي كتب معالجتها الجديدة أحمد بهجت وأخرجها عبد العزيز السكري وعرفت هذه الحلقات باسم أغنية المقدمة "احكي يا شهر زاد" والتي كانت أول لقاء بين ألحان د.جمال سلامة وغناء سميرة سعيد.
وقبل أن تغني سميرة سعيد للملحن نفسه أغنيات "قال جاني بعد يومين" "واحشني" "مش حتنازل أبدا عنك" لم يكن لها لون غنائي محدد الملامح على الرغم من جمال أدائها النابع من إحساس يصعب تجاهله وصوت سليم، وتدريب وصقل طيب يجعلان لهذا الغناء مذاقه عبر الشعور بحلاوة ما يصدر من غناء له جمالياته، وحضور له وضوحه، وخفة ظل يسهل الوصول إليها، وكلها اعتبارات ساعد على ظهورها التقديم التلفزيونى، خصوصا في تلك الأغنيات المصورة، مثل أغنية "قال جاني بعد يومين" التي أضافت لغناء سميرة سعيد تعبير البعد الرابع الممثل في التقديم التلفزيوني الذي يمزج محاسن الصوت والصورة من خلال تزاوج قدرات الكلمات واللحن والأداء، من إمكانات تقنية "تكنيك" التقديم الجديد الممثلة في عناصر الصورة التلفزيونية العصرية والملائمة.
البحث عن هوية غنائية
وحتى غناء تلك الأغنيات التي وضع لحنها د. جمال سلامة واتهمته بعض العناصر الموسيقية والنقدية باستعارة لحنها الأساسي من أعمال منسوبة لغيره، كانت مشكلة سميرة سعيد، على الرغم من أنها تمتلك صوتا مميزا وإحساساً صادقا وجسورا ورقيقا يتيح لها التجاوب الصريح عند الظهور في الحفلات أو عبر الإذاعتين المرئية والمسموعة، في مشكلة تقارب الألوان التي قدمتها من قبل خصوصا تلك الألحان التي تستمد استمراريتها من تلك الألوان التي تعيش في الأسماع وتستقر في الوجدان، فعندما نجحت سميرة سعيد في غناء لحن محمد سلطان اتجه من استمعوا إليها إلى المقارنة، فقد شعر المستمعون أنهم يتابعون هذا اللون الغنائي القريب من شدو الكروان الراحل فايزة أحمد، وعندما غنت من ألحان بليغ حمدي الأغنيات القصيرة التي كتب لها كلماتها شاعر العامية عبد الرحيم منصور وسيد حجاب وهي أغنيات "بنلف"، "توهة"، "سيدي يا سيدي"، "آه يا لموني"، "صعيدي ولا بحري" وكذلك الأغنية الطويلة التي قدمتها في حفل غنائي "علمناه وأمرنا لله" من كلمات عبد الوهاب محمد، أقترب أدائها من طريقة غناء نجمة التعبير الغنائي والتمثيلي شادية والتى كانت أغنياتها من أنضج تجارب بليغ حمدي اللحنية، خصوصا في الأعمال القريبة من هذا اللون الذي قدمه بليغ حمدي اللحنية، خصوصا في الأعمال القريبة من هذا اللون الذي قدمه بليغ حمدي عبر أغنيات سميرة سعيدة، والتى تعيد الأسماع إلى مقارنات من تلك الأغنيات الشهيرة المنسوبة إلى شادية خصوصا في الألحان النابعة من التراث الفلكلوري كأغنية "قولوا لعين الشمس" كلمات مجدي نجيب وأغنية "آه يا اسمراني اللون" كلمات عبد الرحمن الأبنودي، وأغنية "خدني معاك إن كنت مسافر" كلمات.. محمد حمزة.
لقد غنت سميرة سعيد باللهجة المغربية عشرات الألحان، غير أن شهرة هذه الألحان لم تتجاوز المساحة الزمنية التي صدرت فيها ولم تتجاوز أيضا حدود القطر العربي المغربي، ولهذا لا يعرف المستمع سميرة سعيد إلا في غنائها باللهجة المصرية وفي غناء عدد قليل من قصائد اللغة العربية الفصحي ومنها القصيدة التي لحنها د. جمال سلامة عن شعر عمر بطيشة "آه من قلبك".
غنت سميرة سعيد لعدد غير قليل من الملحنين.., ومن أهم هذه الأسماء الموسيقار محمد الموجي الذي وضع ألحان فيلمها السينمائي الوحيد "سأكتب اسمك على الرمال" من إخراج عبد الله المصباحي، وهو الفيلم الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق وعزت العلايلي وناهد شريف وتوفيق الدقن، كما لحن لها محمد الموجي أغنية "شط الحبايب" من كلمات عبد الرحيم منصور، ومن ألحان حلمي بكر قدمت سميرة سعيد عدة أغنيات منها "إيش جاب لجاب". "مالك" "أنا ولا أنت" والأخيرة كتب كلماتها سميرة الطائر.
ومع هاني مهني لم يقتصر تعاون سميرة سعيد على الإفادة من فرقته الموسيقية أو قيادته للفرقة في أثناء وصلاتها الغنائية، بل أن الأمر تعدي ذلك إذ لحن لها بعضاً من أغنياتها مثل الأغنية الوطنية "بلد الحب" والأغنية العاطفية "عاشقة".
وبحثا عن هوية غنائية تزيد من اقتراب سميرة سعيد من مشاعر جيلها الفني، يبدو جديد غنائها لأعمال الشباب "من أمثال محمد ضياء" ابن المطرب والملحن محمد ضياء الدين الذي اشتهر بغنائه وبألحانه في الثنائي المعروف "ضياء وندا" وبعدها في أغنيات الصغار التي كانت من أنضج أعمال هذا الملحن الذي سلك طريق الإبداع الذي بدأه الموسيقار محمد فوزي، وأعني بذلك أغاني الأطفال.
يتنوع غناء سميرة للأسماء الشابة من الملحنين فتغني أيضا الجديد من ألحان فاروق الشرنوبي وإبراهيم فهمي المغني والملحن، الذي بدأ حياته الفنية عازفا على آلة القانون في الإذاعة الليبية إلى جانب صلاح الشرنوبي الذي وضع لها ألحان عديدة لمعت بسرعة ثم صمت صداها في الأسماع بسرعة أيضا.
وسميرة سعيد معجبة أيضا بألحان الفنان الشاب زياد الطويل. لكنها لم تغن له بعد وهو الابن الثاني للموسيقار المجدد كما الطويل الذي أشاد بغناء سميرة سعيد عندما أدت مقطعا من رائعته "خللي للحزن نهاية" التي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وتقول كلماتها:
ولا كل من ضحكت عينه عاشق
ولا كل من فرد الأيدين مشتاق
ولا كل من قال الكلام صادق
ولا كل من يبكي من العشاق
يا حبيبي..،
لكن سميرة لم تغن بعد لهذا الملحن الشاب الذي نجح مع لطيفة في أغنيات مثل "حبك هادي" وأصالة نصري في أغنيات مثل "قلبي بيرتحلك".
ويرى الموسيقار كمال الطويل الذي لم يسمح لسميرة سعيد حتى لحظة كتابتنا لهذه السطور بغناء رائعته اللحنية الجميلة "خلي للحزن نهاية" أن أداء سميرة سعيد له مزايا وخصوصيته المتمثلة في إحساسها بما تغنيه من كلمات وألحان.
وعلى الرغم من هذا التقدير لصوت وإحساس سميرة سعيد، فإن ألحان الموسيقار الكبير قد تبقى ممنوعة عن حنجرتها لأسباب عديدة قد تزول بزوال المسببات التي تعلمها هي وحدها، وستبقى إلى حينه في مرحلة البحث عن النغمة المتميزة التي مازالت تائهة عنها، لا تجد بغيتها في الجديد الذي نرجوه من صوت سميرة سعيد.. إننا نقول وإحقاقا للحق ونحن نكتب هذه السطور في قراءة صوت هذه المغنية الشابة التي عبر صوتها أكثر من حقبة زمنية كاملة أن سميرة سعيد ربما تبدو أفضل حالا من بنات جيلها من المطربات، على الرغم من أنها تفتقد الجديد الذي يناسبها، فقد عثرت سميرة سعيد على شخصيتها الغنائية المتمثلة في الأداء المتميز والحضور الواضح والشخصية الصوتية والتمكن من فنون الغناء، بينما تبدو هذه الأمور الأساسية في قبول الأسماع لصوت ما، حالة متعثرة وقلقة عند غيرها من أبناء جيلها من المطربات.

أداء سخي يحلق في الأعالي
تعكس الطبيعة الثرية خصوصيتها المتميزة على بعض أصحاب المواهب ممن ينعمون بما تعكسه هذه الطبيعة السخية على ملكاتهم وإبداعاتهم والتي تميز بين قدرات من يعرفون كيف ينعمون بما حباهم الله من مواهب وقدرات.
والمطرب التونسي لطفي بوشناق هو من ذلك النوع من الناس، ممن حباهم الله موهبة سخية تتمثل في صوت، قوي يعكس خصوبة العطاء وقدرة التعبير، وملكة الحضور التي تتمكن منه ومن إحساسه وتجعله يبدع في غنائه وإلى حد تقديم هذا اللون من الأداء الذي يتميز به، والذي ينطلق به من آفاق الاستطاعة الوفيرة التي تجعل من غنائه صورة للقدرة على التحليق في أعالي النغم، لينقل من يسمعه إلى آفاق أخري رحبة، بعيدة عن ظواهر التلوث الصوتي التي تطارده من إنتاج اليوم، إلى حالات الفرح، ابتهاجا بالعثور على مثل هذا الصوت القادر والقوي في زمن مثل هذا الغناء الطيب والمنشود.
أتيح لي وأنا في رحلة صحافية أن ألتقي بأشقاء عرب من تونس في عاصمة المجر.. "بودابست" وجدتهم يسعدون برحلة على ضفاف الدانوب، يشاركهم سعادتهم تسجيل ينبعث منه صوت المطرب "لطفي بوشناق" وهو ينطلق في غنائه نحو المناطق الصعبة في الأداء، من دون أن يبالي بالتحليق في الأعالي، وأتأمل معهم من يتابعون غناءهم ويتحكمون في أنفاسهم، تبهرهم براعة الأداء المحلق في مناطق صعبة على الغير، سلسة على هذا المطرب القدير الذي تظلمه أجهزة الرصد الفنية، فلا تعطيه الذي يستحقه في حياتنا الغنائية المعاصرة.
تأملت الصوت العربي القادم من ربوع تونس وأنا أستمتع بالاستماع إليه ونحن نجلس فوق ربوة عالية من ربي جبال بودا، المحيطة بمنطقة "سانت جاليرت" المطلة على نهر الدانوب، وهو يعبر هذه البقعة البديعة في رحلته الأوروبية التي تمر عبر سبعة بلاد في غرب ووسط وشرق أوروبا.
ظهر الصوت وكأنه مثل نبع للماء الصافي.. ماء رقراق فيه الوضوح والصفاء وهو ما يبدو على طريقة أداء فيه متينة للطفي بوشناق، ومخارج ألفاظه الشديدة الوضوح، وبتعبيره السخي كثير الصراحة.
صوت لطفي بوشناق صوت كبير، قادر متميز المعالم، قوي في أكثر من اتجاه فالجوابات فيه متينة، والقرارات عنده محكمة، والمناطق الوسطي لديه غنية التعبير تبدو فيها حلاوة الصوت، عندما يندمج في الغناء بإحساس يوضح إلى أي مدي يتمكن هذا المطرب من التعبير عن حبه لمن يغني لهم.
ومطربنا لطفي بوشناق يحمل لقبا عائليا يعود في أصوله إلى إقليم "البوسنة" و"الهرسك" في اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة وقد تحور اسم العائلة من البوسني نسبة إلى البوسنة إلى بوشناق كما ينطق اللقب أو النسب في أكثر من مكان على الأرض العربية.
جاءت العائلة من البوسنة حيث الأغلبية المسلمة التي تعيش في هذه الجمهورية ذات العواصم التي لها باع طويل في طريق الاستشراق الأساسي في قلب أوروبا وفي مدن مثل "سراييفو" و"موستار".
يقول المطرب لطفي بوشناق وهو يفسر لي معني لقبه العائلى في اللقاء الوحيد والعابر الذي جري بيننا، أن أجداده هاجروا من إقليم "البوسنة" و"الهرسك" وهم من العائلات المسلمة التي هاجرت من شبه جزيرة البلقان إلى الأرض العربية وحيث ينتشر أبناء هذه العائلة في أكثر من بقعة على الأرض العربية فهم في "باب اللوق" بالقاهرة و"المنشية" بالإسكندرية وفي "غزة" بفلسطين وفي "صيدا" في لبنان وفي "دمشق" في سوريا وفي "بنغازي" بليبيا و"البصرة" في العراق.
إن الصوت العربي صاحب الأصول البلقانية المسلمة، وهو من ذلك اللون من الأصوات الذىي ينتمى لجيل الأصوات القوية ذات الصدي والتردد، صوت يذكرك بسلامة حجازي في تسجيلاته الذهبية، وصالح عبد الحي في أوليات مجده، وصباح فخري في سطوع شمسه.
والمطرب لطفي بوشناق يغني منذ عرف كيف يدنون في طفولته، ولكنه لم يحترف الغناء إلا في عام 1978.. ولم يكن حتى ذلك الحين يتصور أنه قد يحترف هذا اللون من النشاطات الفنية، فقد كانت صلته بالغناء هي صلة العاشق المحب الذي لا يتصور أن ينال من وراء استجابته لنداء موهبته إلا إرضاء الذات، وإشباع رغبات الهواية.
عرف المطرب لطفي بوشناق طريق الغناء هاويا منذ سنوات الطفولة لكنه عرف كيف يخضع بين الهواية واكتساب الخبرات منذ جاء إلى مصر ليعمل مديرا لمكتب الخطوط الجوية التونسية في القاهرة.
في هذه الفترة من نهاية السبعينيات تعرف على الفنان الراحل أحمد صدقي عاشق النغم الشرقي الأصيل... وأعجب به، وتصور أن أبواب الشهرة ستفتح لهذا الصوت المقبل من ربوع تونس الخضراء، غير أن صدقي لم يدرك في نطاق انفعاله بجمال أداء الوافد الشاب، إن متغيرات الغناء في السبعينيات قد طفت، وإن انعكاسات الرياح الانفتاحية قد تركت بصماتها حتى على مجالات الإبداع.
قام أحمد صدقي بواجبه تجاه لطفي بوشناق..ووضع له لحنا من أجمل ألحانه السلسة المتدفقة واختار له كلمات بديعة عميقة لفيلسوف الشعب الساخر الشاعر الزجال الراحل بيرم التونسى ابن الإسكندرية ذي الأصول العربية التونسية، ونجح أحمد صدقي أيضاً في أن يتقدم باكتشافه الموهوب إلى لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية، إلى اشادت بصوته وغنائه، ومنحت غناءه وأداءه.. تقدير الامتياز.
وبعد أحمد صدقي، تعامل بوشناق مع الملحن الموهوب سيد مكاوي، ومع الموسيقى المجدد هاني شنودة. وعرفت أغانيه الطريق إلى أذن المستمع عبر إذاعة صوت العرب، ولكن أغانيه لم تعرف طريق الذيوع والانتشار الذي عرفته أغاني سواه ممن يقلون عنه قدرة وموهبة، لأن لطفي بوشناق أصر على المسلك الصعب، ولم يقبل على المسلك السهل بتقديم هذا الغناء الباهت الذي يستغل قلق الاستماع فيلح على الناس بأغاني النغمة الراقصة والتصفية المتكررة، والنبرة الزاعقة.
مراحل التفوق
وكما أن للدراسة مراحل، فإن لصقل الموهبة مراحل مماثلة.. وقد تعمقت قدرات لطفي بوشناق عبر هذا الهيام الذي صحب طفولته وهو يحفظ غنائيات زعيمة الغناء الراحلة أم كلثوم، وهو ينصت باهتمام، لغنائيات أصوات الرجال التي تعلق بها، مثل محمد قنديل وكارم محمود ووديع الصافي وصالح عبد الحي.
لقد نشأ لطفي بوشناق في عائلة تحب الموسيقى، وتتذوق الفنون، ولذلك وجد التشجيع من الأبوين في أن تكون له مكتبته الغنائية الخاصة، ولم تعترض الأسرة على تدرجه في مراحل التفوق في مجال هوايته للغناء والموسيقى، بل ساعدته بتقديمه لمن يساعده في حفظ الموشحات القديمة، والتدريب على جماليات غنائها.
عشق الشعر العربي، ووجد من يرشده من أساتذته في المدرسة إلى وجدانيات ونغمات وموسيقى الشعر العربي، فحفظ الكثير من أشعار القدامي والمحدثين.. ومن هذا الاهتمام لا يعترف بأن هناك أزمة في النص أو ندرة في الكلمات المناسبة للغناء، لأنه يؤمن أن في العودة لأشعار شوقي، وحافظ، وجبران، والشابي، والبياتى، وعبد الصبور، والشناوى، وغيرهم ملاذا وافيا يحمي الأسماع من مطاردة الكلمات السخيفة والمعاني الرديئة والخيالات السطحية.
لم يبحث لطفي بوشناق في دواوين شعراء الفصحي فقط، بل انتقل به البحث إلى دواوين شعر العامية، ووجد بغيته فأيما اختار من كلمات شاعر الشعب ليرم التونسي، وجميل ما كتب من أشعار باللهجة البدوية التي لم تزل تحافظ على جمالها، لا يختلف جرسها البديع عندما تستمع إليها بلهجة بدو المغرب العربي، أو بدو المشرق العربي أو فيما بينهما على بدو الصحراء الغربية والشرقية لوادي النيل.
إن من يقرأ سطور الموهبة الغنائية للمطرب لطفي بوشناق ويعرف كيف أن هذا الصوت القوي الهادر قد ظلمه، لعدم أخذ الغناء العربي بأسباب الغناء الأوبرالي، بل إن الغناء العربي لم يعد يعرف حتى نجاحات المسرح الغنائي التي قد تمزج بين قدرات الغناء الممتاز، مع قدرات التعبير التمثيلي المطلوب في مثل هذه الأعمال التي تنطلق من فهم تقييم الأوبريت على خشبة المسرح.
إن هذا الصوت لا يجد من فرص التقديم المتاحة غير القدر الذي يناسب أصوات الإمكانات الفقيرة والمحدودة، والتى قد تجد بحبوحة الغناء في غنائيات الكاسيت الذي يتملق الأسماع المجهدة، والمرهقة، بهذا اللون من غنائيات الإلحاح ذي الوتيرة الواحدة.
لقد تربي صوت لطفي بوشناق على قدرات الأداء الذي يتناسب مع ظروف أفضل في التقديم الغنائي، فقد بدأ هذا المطرب تعرفه على الغناء السليم في دار ثقافة "ابن خلدون" بالعاصمة التونسية، وهي التي قربت بينه وبين الانضمام لفرقة الشبيبة التونسية التي أشرف عليها علمان من أعلام الموسيقى التربوية التونسية، هما توفيق خضيرى وفتحي زهدي، وخلال هذا الاحتضان والتبني درس لطفي بوشناق العود، وتدرب على أستاذه، عازف العود المعروف الفنان على الشريطي.
تعلم لطفي بوشناق الكثير من هذه المدرسة الفنية وعرف كيف يتفاعل من الجمهور وهو يقف ليغني لهم، ويستمد اندماجه منهم، وهو يواجهه على خشبة المسرح، وعرف خلالهم، أن الحب هو الأبقي وأن مظاهر ماديات الحياة إلى زوال، ولذلك يبقى في النفس هذا الشعور بحب الناس وامتصاص رحيق الحياة والنجاح منهم.
وهذا الشعور الذي يتمكن منه يجعله اليوم يقيم حفلا شهريا منتظما في أحد مسارح تونس العاصمة لا يبغي معه أجرا غير رضا الناس، وحبهم وتشجيعهم وهو يشبع خلالهم هواياته في الغناء من دون أن ينتظر المقابل المادي.
لقد حقق هذا الرضا، وعبر هذه القناعة، والكثير من النجاح للمطرب الذي تأخذه أسباب الانبهار بالغناء السوقي الذي يسود ساحة هذه الأيام.. وعلى الرغم من ذلك فقد حقق هذا المطرب نجاحاً لا ينكره أحد... فانطلقت شهرته من تونس إلى ليبيا ثم الجزائر والمغرب، وبعدها إلى المشرق العربي، في سوريا، والعراق، والأردن، ولبنان، غير أنه لم يحقق في مصر التي كانت قبلته الأولي للشهرة، ما كان يطمح غليه من ذيوع وانتشار، وعلى الرغم من الاهتمام الذي خصه به الملحن أحمد صدقي وتشجيع إذاعة صوت العرب.. تبقي مشكلته مع التلفزيون الذي يراعي اهتمامات شركات إنتاج الكاسيت التي لا يهمها أن تلتفت إلى قيمة معدن صوته وسلامة أدائه الغنائي وجودة اختياراته لأنها تفترض أن صوته طالما يحرص على النسب والمناسيب السليمة، فهو صوت يعود إلى أنغام الأمس، أو ما يطلقون عليه بالتعبير العامي الدارج "غناء الدقة القديمة".
الصعود إلى أعلي المنحني البياني
لقد أتيح لي قبل أن أغدر القاهرة إلى وسط أوروبا أن أتابع في حفل غنائي، المطرب لطفي بوشناق وهو يحي أمسيات الأسبوع التونسي الذي أقيم في القاهرة، وفي هذه الليلة أعجبني غناءه وهو يطوف المستمعين في أحلي غنائيات زعيمة الطرب الراحلة أم كلثوم، أو وهو يغني من روائع ألحان رياض السنباطي "الأطلال" و"رباعيات الخيام" و"سلوا قلبي" و"حديث الروح" و"أقبل الليل" و"أراك عصي الدمع" وغيرها.. ثم وهو يعرفهم على الفن الشعبي في الغنائيات التونسية، وبعدها ينتقل بهم إلى أغانيه الخاصة التي تمثل لونه الغنائي الذي اختار فيه أن يمزج الأصالة بالمعاصرة.
وبعدما غني لطفي بوشناق لقيته، فوجدته متواضعا، يخفي في تواضعه ضيقه وتأثره لأنه لم يكن راضياً عن غنائه في تلك الليلة، ولم تكن الفرقة الموسيقية التي صحبته بمثل ما يتصور.
لم يكن غناء لطفي بوشناق في ليالي الأسبوع التونسي من نوع ذلك الغناء الذي تابعناه له مسجلا ومصورا وعندما غني بإجادة واقتدار، وهو يشارك في مهرجانات "قرطاج"التونسية و"وجرش" الأردنية، ومعرض "دمشق" في سوريا أن الغناء في أمسيات الأسبوع التونسي في مصر كانت المرة الوحيدة التي يشارك فيها في حفل جماهيري في العاصمة المصرية، باستثناء مشاركته في حفلات فرقة أم كلثوم للموسيقي العربية بقيادة حسين جنيد، وأيضا مشاركته في فرقة الموسيقى القومية العربية بقيادة سليم سحاب، والتى قدمت عروضها على مسرح المركز الثقافي القومى والذي يسميه الناس "دار الأوبرا".
إن هذا المطرب القدير ينتظر فرصة مناسبة من الإذاعتين المرئية والمسموعة في عاصمة الفن العربي... فهل يعطيه راديو وتليفزيون القاهرة هذه الفرصة لتنطلق علامات موهبته ولترتفع هامته بما يناسب قدره الفني وحجمه الغنائي؟
لقد كان للراديو وللتلفزيون في السابق، الدور الصريح والمرموق في تقديم أصحاب المواهب الجديدة بالتشجيع والتبني، كما كان للسينما الغنائية دورها في تقديم عشرات الأصوات المرموقة التي ظهرت في عصر السينما وبعد أفول نجم السوق الغنائي.. غير أن الأمر بات اليوم تحت رحمة تجار الكاسيت ممن يحتكرون التقديم، ولا يحسنون الاختيار، فيحجبون الغناء الجميل ويلحون في تقديم الغناء المريض.
إننا ونحن نقرأ في هذا الصوت العملاق الذي تظلمه أجهزة التقديم، حكام السطحية والقرارات غير المنصفة نبحث عن دور لأجهزة الإعلام التي يفترض أن لديها وعي الانتقاء، والحرص على تقديم الأفضل.
وأننا نسأل ونحن نتأمل في خصوبة صوت لطفي بوشناق الذي يغيب عن مساندته أي حضور لأجهزة الإعلام الجماهيرية: أين دور هذه الأجهزة في صعود نجم الفنان الحقيقي في ظل غياب مناخ الحياة الفنية السليمة، ولا سيما أن الأعمال الجيدة تصطدم بحواجز وسلبيات عديد؟
إن المناخ الغنائي اليوم لا يناسب أصحاب الهامات الفنية العالية الموهبة وأصوات الأمس الجميلة لو بدأت اليوم، لانسحبت على الفور، في ظل أحوال لا تناسب الغناء الجميل وفي ظل متغيرات فنية لا تشجيع الفن النبيل، ورسالته التي تهدف إلى الحق والخير والجمال.
إننا إذا تأملنا المساحة الصوتية المتسعة لصوت المطرب لطفي بوشناق، وإذا تابعنا جماليات غنائه، وانفعلنا بارتفاع درجة الإحساس في غنائه فإن هذا الحال يجعلنا نتألم من عدم وجود هذا الصوت في الموقع الذي يتناسب مع موهبته في خريطة الغناء اليوم، وهو أمر مرجعه تكرار الشكوى من فساد الذوق العام.. المحاصر بإنتاج الكاسيت الهابط وأيضا بغالبية ما يقدم خلال شاشات التلفزيون من أعمال الغناء.
إن من مظاهر هذا الهبوط في الذوق العام.. هاذ الهبوط في مستوى الاختيار الفني الذي نصرف عن تشجيع أصحاب القدرات الحقيقية، ولا يساند أصحاب المواهب في الوقوف والتصدي لموجهات الإسفاف، في الذوق الغنائي والمتمثلة في ركاكة الألحان وبلادة الكلمات وضعف الأداء.
وكل الأمل أن يجد صاحب هذا الصوت القادر،المعبر، المثقف من يعينه على تجاوز بحيرات الماء الراكد في عالم الغناء العربي، لينطلق نحو جميل الغناء الذي يمد الجسر المرتقب بين الأصالة التي وضع لبناتها الأولي رواد النغم العربي الأصيل ثم استمر في مد جسوره، الجيل التالي المخلص.. للغناء الصحيح وحتى جاء زمن الانقطاع في الغناء العربي، وحيث معاول هدم الجميل الأصيل تطل بصورتها المزعجة فتصيب الأسماع بالملل، وتدفعها إلى الضجر، وتجعلها تردد في أسي المستغيث، وعبارة فيلسوف الشعب الساخر بيرم التونسي، عندما صرخ ذات يوم متضررا من موجات الهبوط التي هاجمت الغناء الجميل فأطلق مقولته الشهيرة.
"يا أهل المغني... دمغنا وجعنا... دقيقة سكوت لله"

سلامة البناء النغمي
ووضوح معالم الصوت
عرف كيف يختار واتجاهه الغنائي على رغم صعوبة تحديد الاتجاه في أرض قام فيها غناء قادر له ملامح تميزه، وله اصواته التي علا نجمها وطال مداها واتسع نطاق الإعجاب بها.
عرف المطرب سعدون جابر ومنذ بدأ احترافه للغناء في أوائل السبعينيات كيف يختار الاتجاه الذي ينطلق منه صوته الدافئ المعبر ليقدم لونا مختلفا في أرض مشبعة بحب لون خاص من الغناء هو فين المقام، وفن المقام العراقي هو غناء عربي متميز القسمات له بنائه الغمي والإيقاعي، وأسلوبه المختلف في الغناء، وهو فن عريق في القطر العربي الشقيق تعود أصوله إلى أيام كانت بغداد حاضرة الدولة العربية الإسلامية. فهو فن يعبر عن اهتمام الحضارة العربية الإسلامية بإبداعات الحضارات القديمة الأخري التي تفاعلت معها حضارتنا العربية وأعطت لفنونها وثقافاتها وفلسفتها عمق التأثير وأمد البقاء.
وضحت موهبة سعدون جابر الصوتية وهو لم يزل طالبا في المدرسة الثانوية، حيث كانت الهواية هي هدفه، وهي أيضا لم تزل محور نظرته إلى الغناء على الرغم من احترافه له.
نشأ المطرب الشاب وفي الأسماع غناء عربي يصل إلى الوجدان، بعضه من العراق وبعضه الآخر من وطنه العربي خارج العراق.. وقد تعلق المطرب الشاب بفنون الموسيقى والغناء، حتى وهو يتلقي علومه الدراسية لكي يصبح معلما في مدارس بغداد ثم ليواصل دراسته الجامعية مهتما بدراسة الأدب الإنجليزي.
واستوعب سعدون جابر فنون الغناء التي يعيش معها.. تعرف على الغناء العربي العراقي، بداية من فن المقام وحتى الفنون الغنائية الشعبية التي تسمى حينا الغناء الريفي، وحينا آخر الغناء البدوى، ولاحظ كيف تبدو علاقات التأثير والتأثر بين هذه الألوان قديمها وحديثها.
وممن استمعوا إليه وأثنوا على غنائه عرف المطرب الشاب أنه يمتلك صوتا جميلا، معبرا، له مساحات عريضة تجعل من الغناء الصادر عن حنجرته، إضافة للغناء القادر والمتمكن الذي سبقه والذى عشقه سعدون جابر، وهو غناء ناظم الغزالي الذي تجاوز حدود بلاد ما بين النهرين إلى التأثير على كل من استمع إليه وعشقه من سمعيه الغناء العربي.
لقد نبغ ناظم الغزالي في غناء المقام العرافي مثلما نبغ، أيضا يوسف عمر وقبلهما محمد القبانجي الذي كان أول مطرب عربي من العراق يسجل في العاصمة الألمانية برلين، غنائيات المقام العراقي على اسطوانات في أواخر العشرينيات من القرن الحالي.
ومع عشقه للغناء العربي في العراق عرف سعدون جابر كيف يتأثر وكيف يستوعب تجارب الغناء العربي خارج العراق، فتعلق بغناء عبد الحليم حافظ وبطريقة الغناء المميز الذي صاغ معالمه كمال الطويل ومحمد الموجي ومن بعدها عبد الوهاب ومنير مراد وبليغ حمدي، وأحب سعدون جابر أداء عبد الحليم حافظ.. وبالدرجة نفسها، أنبهر بقدرات وديع الصافي وملكاته في الأداء الغنائي.
بعد سنوات قليلة من نجاحه وتعرف الناس إلى صوته في العراق وبعض بلاد المشرق العربي جاء المطرب سعدون جابر إلي مصر ليشارك في احتفالات عيد ميلاد إذاعة صوت العرب التي أقيمت في يوليو "تموز" من عام 1976. وقد الحظ المستمع هذا البريق البادي في هذا الصوت الآتي من عاصمة الرشيد، وهو يغني واحدة من أغنياته الجميلة وهي أغنية "عيني.. عيني".
لقد قدم سعدون جابر في حفل صوت العرب باقة من أغنياته الجميلة التي وضع ألحانها اثنان من مشاهير ملحني العراق هما القراغولي وكوكب حمزة، وشارك في وضع كلماتها شعراء الأغنية في بلاد النهرين، ومن هؤلاء عبد الجبار القرى وزهير البرجيلي.
ومع نجاح سعدون جابر في زيارته الصيفية لمصر، كان اللقاء الذي جري له مع الموسيقار بليغ حمدي الذي أعجب بملامح صوته الذي تميزه نبرة رجولية فيها وضوح القرار، مثلما القدرة على الصعود إلى الجواب.
أذكر في أواخر السبعينيات أنني سألت المرحوم الفنان بليغ حمدي عن انفعاله بصوت سعدون جابر وتحلينه له بضع أغنيات، قال لي مجيبا: إن صوت سعدون جابر يميزه تفرده، واختلافه عن أصوات الرجال ممن ظهروا في زمن العندليب عبد الحليم حافظ، وعلى الرغم من الحب الكبير الذي يكنه سعدون جابر لغناء العندليب فإنه استوعب قدراته وأستاذيته في الغناء الحساس بيد أنه لم يقلدون يتأثر تأثيرا كربونيا مثلما كان الحال مع معظم الأصوات التي ظهرت في السبعينيات في ظل سطوع شمس عبد الحليم حافظ الغنائية.
لقد بدأ اتجاه سعدون جابر إلى احتراف الغناء في الفترة نفسها التي ظهر فيها المطرب هاني شاكر شديد التأثير بطريقة عبد الحليم حافظ في الأداء، ومن بعده أصوات أخرى تأثرت بنسب أخرى متفاوتة مثل محمد ثروت وعماد عبد الحليم ومدحت صالح "مصر" ووليد توفيق "لبنان" ومحمد رشيد "ليبيا" ومحمد الحيانى "المغرب" وعلى الرغم من أثر طريقة عبد الحليم حافظ في الأداء ووضوح علاقات التأثير بغنائه في أصوات غالبية أبناء الجيل الذي جاء بعده، وبدأ ظهوره والعندليب لم يزل على قيد الحياة، فإن المطرب سعدون جابر اختار لغنائه أسلوبا مغايرا يعبر عن شخصيته الفنية المستقلة وغنائه الصادر عن أحاسيسه الخاصة، والذى لم تتضح فيه، إلا في حدود العفوية والتلقائية. علامات التأثر بأصحاب العلامات البارزة من نجوم الطرب والغناء ممن انفعل بهم وأحبهم، وتعلق بالغناء خلال استيعاب تجاربهم، وفي مقدمة هذه الأسماء العندليب الراحل عبد الحليم حافظ وأستاذ غناء المقام العراقي ناظم الغزالي ومطرب الفطرة الرائعة قوي الصوت وديع الصافي، وحلو الغناء جميل النبرات صاحب الحنجرة الذهبية المطرب محمد قنديل.
إن استماعنا لغنائيات سعدون جابر عبر متابعته في تسجيلاته الإذاعية والتلفزيونية ثم خلال ملاحظة غنائه وهو يشارك في الحفلات العامة مثلما كانت مشاركته في حفل عيد ميلاد صوت العرب وفي احتفالات أعياد العبور ونصر حرب رمضان "أكتوبر ـ تشرين" تعرفنا في هذه القراءة لصوته الشجعي والمعبر أنه يمتلك صوتا قادراً على الانتقال في غنائه لمعظم المقامات، بجانب قدرته على الاستيعاب الكامل لجماليات اللحن والمضمون الذي يتغني به، وخلال قدرات السيطرة على الإيقاع، والواضحة في إمتلاكه لأذن موسيقية مرهفة تبتعد به عما يقع فيه غيره من نشاز.
لقد استطاع سعدون جابر أن يحقق لصوته ولغنائه هذا المستوى خلال حرصه على الثقافة العامة والثقافة الخاصة، فالمعني من دون فهم لخصوصيات الموسيقى والغناء لا يستطيع التعامل الصحيح مع أصول الغناء والأداء، والمغني من دون الثقافة العامة لا يستطيع أن يختار الكلمات المناسبة التي يتغني بها ولها ولينفعل بها وينقل إنفعاله إلى مستمعيه عملا بالمقولة التي ترى أن ما يصدر عن القلب يصل إلى القلب ويبقى في الوجدان.
لقد أعانت الموهبة المصحوبة بالثقافة المطرب سعدون جابر على أن يختار لنفسه موقفاً متميزاً في خريطة الغناء العراقي الحديث، والذي بدأ مع حرصه الواضح على فهم رموز التراث الغنائي العربي، وصقله لموهبته بالمران والدراسة.
ولقد جاء غناء سعدون جابر امتداد لأصوات أخري شهيرة معروفة على خريطة الغناء العراقي، وبعضها أيضا يتجاوز حدود القطرية إلى حدود القومية التي تمتد بالاستماع إلى الغناء العربي في كل أرجاء الوطن العربي من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
جاء بعد غناء كل من ناظم الغزالي ومحمد القبانجي ويوسف عمر ومحمد الفقانشي من الرجال وسليمة باشا "أو المطربة سليمة مراد" ومائدة نزهة وأنصاف منير وأحلام وهبي وستياها مونياك وأنوار عبد الملك من الأصوات النسائية، وجاء من بعده المطرب كاظم الساهر الذي حقق شهرة عربية فاقت شهرة النجم الذي سبقه إلى الصعود الغنائي وربما لوقفه شعر نزار قباني بجوار ألحانه التي تبدو عادية ومألوفة وعاجزة عن الخروج عن النمطية السائدة، وربما بسبب شحنة الإحساس العالية التي تتملكه وربما لأنه وجد أيضا قوى إنتاجية تدفعه وتستثمر ألم الإنسان العربي تجاه الشأن العراقي الذي تبدو نبرته في حنجرة الساهر.
الميل للأغنية العصرية
اختلف اللون الذي تميز به سعدون جابر بالميل إلى الأغنية العصرية القصيرة والأغنية التعبيرية، من دون الاغتراب عن النغم العربي الشرقي الذي يميل إلى أغنيات التطريب، وعلى غرار عشق المستمع للمقام العراقي الذي يتميز فئة بإعطاء الأصوات القادرة فرصتها في الغناء المتمكن عبر هذه الألوان الرصينة، والتى تسمح لصاحب الصوت القادر بأن يصول ويجول بغنائه لهذا المقام، عبر طبقات عديدة تتعدد فيها الجوابات، وهذا اللون من الغناء يناسب أصوات الرجال حيث يتمكن الصوت القوي من الأغاني الصوتية وأ]ضا مناطق يتوافر لديها الجواب وجواب الجواب ولا يتوافر لديها وبالقدرة نفسها الغناء من القرار ولهذا يندر غناء المقرأة للمقام، بينما يكثر فيه تفوق أصوات الرجال وعلى نحو ما نلحظه في تسجيلات محمد القبانجي وناظم الغزالي ويوسف عمر وحامد السعدي وغيرهم.
ومن يتأمل مضمون الأغنيات العاطفية والصوفية والشعبية والوطنية التي يغنيها المطرب سعدون جابر يشعر بما يحرك مشاعر هذا المطرب في اختياراته لمضمون كلمات أعماله الغنائية والتى تفسر وجهة نظره في الاختيار فهي تري أن الفنان المصادف يجب أن يكون مرآة عاكسة لطموحات وأحلام ومعنويات أبناء المجتمع الذي ينتمي إليه.
ومن يقارن أغنيات سعدون جابر بأغنيات من سبقوه من رواد الغناء في العراق، يلحظ أن ألوان الغناء الحزينة كانت تغلب على الكم الأكبر من أعمال هؤلاء المطربين والمطربات، غير أن اهتمامات سعدون جابر خرجت به عن هذا النطاق للمعاني التي تتناول في الغالب معاني الهجر والفراق والبعاد والسهاد والعذاب، وما إلى ذلك من ألوان الغناء الرومانسي الذي يغلب عليه الحزن وعلى حساب ألوان التعبير الأخري.
إن مساحة الإعجاب بغناء سعدون جابر يمكن أن تزداد في نطاق وطنه العربي لو ابتعدت بعض الشيء عن الاستغراق في الغناء بالعامية العراقية صعبة الاستيعاب عند عشاق الغناء في وطنه العربي، وحيث اختيار المفردات المحلية الأقرب إلى الفصحي، واللغة الأم التي تجمع أبناء الوطن العربي، من الحلو الناجحة.
إن مساحة الإعجاب بفن سعدون جابر يمكن أن تزداد أيضا لو أعطته السينما الغنائية بعض الالتفاف الذي تحقق لغيره من مطربي جيله ومطربي الأجيال السابقة عليه، إلى جانب أن سعدون جابر يتمتع بصوت قادر، عريض المساحة يصلح للمسرح الغنائي الذي لم يستفد من قدراته على الاشتراك في أعمال مسرحية غنائية، والسبب حال الانكماش التي يعاني منه فن الأوبريت ويشكو منها عالم المسرح الغنائي في وطننا العربي.
إن في موهبة المطرب سعدون جابر، وفي شخصيته الفنية، وفي ثقافته العامة ما يؤهله لمكانة أكبر من التي يشغلها الآن على خريطة الغناء العربي، والتى مازال بعيدا عنها لأسباب بعضها يعود إليه وبعضها الآخر يعود لظروف كساد الغناء الجيد في عالم الغناء في الآونة الأخيرة والذي يشكو من صخب الأصوات الرديئة وانتشار الألوان الفاقعة الساذجة من غناء يختلط فيه الاستماع بالأرجل من الاستماع بالأذن، وفي وقت أصبحنا نشكو فيه من هذا التلوث الصوتى الذي يضيف هما جديدا لمثالب تلوث البيئة.
فهل تجد الأصوات الجميلة القادرة فرصتها في الصمود أمام تلك الموجات الهابطة والصارخة الزاعقة؟ سؤال نتمنى لو جاءت مقدمات جديدة تجيب عليه بنتائج ننتظرها وينتظرها معنا عشاق النغم العربي في نغمته الصحيحة شبه المفقودة.


الغناء الودود على جسر القمر!
ما من مرة أتذكر فيها ذروة نشاط المسرح الغنائي العربي عندما ازدهر على أرض لبنان الشقيق بعد باكورة ازدهاره على أرض مصر، إلا وتعود بي الذاكرة إلى عطاء المطرب الراحل نصري شمس الدين فقد كان نصري شمس الدين هو النجم "الرجل" في هذا المسرح الغنائي اللبناني.. مثلما كانت فيروز النجمة "المرأة" لهذا المسرح.
كان نصري شمس الدين هو الشريك، وكان أيضا القاسم المشترك للمسرح الغنائي اللبناني في نظر الرحابنة أصحاب الإبداع والتنفيذ والمتابعة والتصور الفني لهذا المسرح الذي لا يمكن لأي منصف أن ينكر دوره في إنعاش حركة المسرح الغنائي في لبنان، وأيضا في مختلف الأقطار التي عرض فيها هذا المسرح.
لقد كان نصري شمس الدين هو النموذج في الأصوات الرجالية لدي الرحبانية مثلما كانت فيروز لديهم نموذج الأصوات النسائية، وصحيح أن وديع الصافي وكارم محمود كانا أيضا ضمن فكر الرحابنة في مسرحهم وعلى نحو جري لعدة عروض، وصحيح أيضا أن عفاف راضي كانت في الذهن والتطبيق عندما وضعها الرحابنة مكان فيروز عند إعادة تقديم مسرحية "الشخص" لكن يظل لاسم فيروز ولاسم نصري شمس الدين هذه الريادة والتى لم تزل نتاجاتها محفوظة في الأرشيف المرئي والصوتي لهذه المسرحيات الغنائية، فقد كان نصري شمس الدين "المحافظ" في مسرحية "الشخص" وكان الملك في مسرحية "هالة والملك" كما كان "المختار" في مسرحية "بياع الخواتم" وكان "الوزير" في "بترا" وهو أيضا "الظريف" في مسرحية "يعيش.. يعيش" وهو كذلك "المستشار" في مسرحية "صح النوم" كان يتنوع عطاؤه عندما يقدم شخصيات من الطبقات الدنيا فيبدع في تجسيدها، وعلى نحو ما كان في مسرحية "لولو" عندما كان ماسحاً للأحذية بينما ترتفع به الاختيارات بعد ذلك فيصبح "الأمير" في مسرحية "جسر القمر".
الالتزام بطريقة زرياب
إن الاستماع إلى صوت نصري شمس الدين في الحفلات، وأيضا في المسرحيات ومن خلال ملاحظة الالتزام بالحدود الموضوعة لغنائه ضمن ألحان المسرحيات الغنائية التي شارك فيها، تجعلنا نشعر أن هذا المطرب صاحب الصوت الطيب، والأداء الودود، والتعبير الجيد، هو من ذلك اللون من الأصوات التي تربت على طرق الغناء عبر المرشحات القديمة، وخصوصا الموشحات الأندلسية.. وهي طرق تتبلور في معظمها عبر الفهم الذي يعرفه كل من يهوى التعرف إلى سطور التراث الغنائي العربي والذى يجعل لهذه الطريقة تسمية تعرف باسم "طريقة زرياب في تعليم الغناء".. وهي طريقة تقوم على خطوات ثلاث هي: اللحن والإيقاع والزخارف،وهي طريقة نلحظ أثرها على غناء نصري شمس الدين عندما نتوقف أمام غنائه للمقطع الصوتي "آه" وهو يؤديه بمهارة واقتدار بطول كل درجات السلم الموسيقى، ثم في حرصه على المقامات وهو ما يبدو في نطق الكلمات مصحوبة بالإيقاع الذي يزيد أداؤه وضوحا فتبدو النبرات القوية ويبدو أيضا التحكم في الأداء وفي سرعته، أما الزخارف فهي تلك التي نلحظها في الحلي الصوتية التي يلمسها كل من يستمع إلى غناء نصري شمس الدين وأدائه الذي يظهر ويجمل بلون هذا الغناء.
إن الرصيد الضخم من الغناء المسرحي المنسوب لنصري شمس الدين لا يحجب أيضا ذلك الرصيد الآخر من الغناء الفردي الذي قدمه في تسجيلات.. وحفلات إذاعية ولقاءات تلفزيونية وهو غناء ناجح به وبطريقته وحيث يذكر له عشاق الغناء اللبناني الشعبي العديد من أغانيه الشهيرة ومن بينها الأغنية الجميلة "طلوا الصيادين".
إننا نتذكر أيضا لصاحب الصوت الذي غني فأحسن وهو يقدم، بإجادة هذه الألوان الغنائية المبهجة والتى أعطته فرص تقديم أشهر غنائيات الأفراح الشامية المستمدة من ألوان الفولكلور العربي الذي نحبه عبر الوصول إلى أسماعنا من بلاد الشام بمعناها المتداول في وادي النيل والشمال العربي الإفريقي والذي نقصد به سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وهو غناء يتميز بجانب نغمته المبهجة وإيقاعاته الراقصة وتنويعاته الساخنة، بأنه غناء يعطي للمطرب فرصة تقديم الطرب الصافي، وهو طرب كثيرا ما انساب إلى أسماعنا عبر حنجرة نصري شمس الدين عندما كان يسبق هذه الغنائيات بتقديم المواويل واستعراض المهارات الصوتية في أدائه للعتاب والغزيل والميجانا وغيرها.
وعندما استمع إلى نصري شمس الدين في أعماله الغنائية المسجلة من خلال نشاطاته في المسرح الغنائي أو من خلال الأفراح أو الأغاني الشعبية اللبنانية أتصور أن صاحب هذا الصوت الجميل قد حصر نفسه في هذه الألوان ولم يخرج عنها، غير أن الحقيقة التي عرفناها من الفنان الراحل ونحن نلتقي به عندما زار مصر في السبعينيات بصحبة الرحابنة وفيروز والفرقة الغنائية الموسيقية عندما أحيوا الحفلات الغنائية في حديقة الأندلس والتى أخرجها للمسرح والتلفزيون المخرج حسين كمال، فقد عرفنا ما يخالف ما يذهب إليه من يقرأ سور صوت نصري شمس الدين كان عاشقا للشعبيات الغنائية المصرية وخصوصا التي انفرد بتقديما الملحن محمود الشريف والتى قدمها من خلال أصوات محمد عبد المطلب وعبد الغني السيد وكارم محمود، وقد عرفت وقتها من نصري شمس الدين أن عشقه لهذا الغناء دفعه للحضور من لبنان إلى مدينة الإسكندرية في أواخر الأربعينيات حيث غني الألوان الشعبية اللبنانية والألوان البلدية المصرية ومنها أغاني الصهبة الإسكندراني والأغاني الشعبية التي لحنها محمود الشريف وكانت تتردد في تلك السنوات مثل أغاني "وله يا وله" و"بتسأليني بحبك ليه" و"ع الحلوة والمرة" وغيرها.
لقد اختار نصري شمس الدين أن يحضر إلى الإسكندرية حيث مسارح وملاهي "الكورنيش" والتي أحسن جمهور مسرحها من أهل المدينة ومن زوارها استقبال نصري شمس الدين وهو يغني على خشبة المسرح القومي في منطقة "كامب شيزار" وهو يشارك مطربيه المفضلين في ذلك الوقت بريق ظهورهم، ومناخ نجاحاتهم على خشبة أكبر مسارح المنوعات في ذلك الزمن، الذي شهد إشراقات كارم محمود وثريا حلمي ومحمد عبد المطلب وإسماعيل يس وحورية حسن ومحمود شكوكو وسعاد مكاوي وغيرهم وهم يقدمون الطرب الأصيل.
كان نصري شمس الدين يعشق صوت وغناء المطرب الجميل كارم محمود، وقد بدأ هذا العشق عندما كان محمود في بداياته في أواخر الأربعينيات، وحتى جاءت الفرصة لنصري شمس الدين للتعبير عن هذا الإعجاب بصوت المطرب المصري عندما رشحه ليقف أمام فيروز في عدد من مسرحيات الرحابنة الغنائية عندما كان على نصري شمس الدين أن يلبي نداء الغناء في المهجر لأبناء وطنه العربي ممن يعيشون في الغرب الأمريكي في القارة الأمريكية الشمالية منها والجنوبية.
لقد حلم صاحب الصوت الجميل القادر بأن تقبل عليه السينما مثلما أقبلت على زملائه من المطربين محمد سلمان ومحمد البكار وكارم محمود غير أن أمنية صاحب الصوت الطيب الودود، والتى بدأت بوعد من أصحاب شركة "نحاس فيلم" في أوائل الخمسينيات لم تتحقق! وعرف نصري شمس الدين أن قدراته يناسبها المسرح الغنائي فقط.. فكان المطرب.. الممثل.. صاحب الملامح القوية والصوت الوديع، الحنون والأليف، والذي ظل على هذه الحال على الرغم من تقلبات الزمن، وحتى آخر العمر!
وجاءت السطور الأخيرة من مشوار نصري شمس الدين وكأن طاقة التحمل عنده لم تكن على مستوى قسوة الأحداث التي يمر بها الوطن، فكان أن ارتفع ضغط دمه، وعلا هذا الدم في عروق دماغه وفاض به الحمل الثقيل فانفجر نزفا لا يهدأ ولا يتوقف، لتنتهي بهذا الغليان الصامت قصة أداء المغني المبدع نصري شمس الدين ومثلما مضت سير أبطال الملاحم القديمة رحل نصري شمس الدين عن الحياة في أرض معركته وعلى مسرح النشاط الذي اختاره للتعبير عن موهبته وهوايته، فقد مات المطرب على خشبة المسرح الذي أخلص له.
مات ابن لبنان وهو يقف على خشبة مسرح "نادي الشرق" في العاصمة السورية دمشق وفي غمرة الانفعال الذي واجه به استقبال الجمهور، صمت برهة غابت فيها كل الدنيا عن عينيه المفتوحتين، والعيون ترقبه وهو ينظر إلى من جاءوا لوداعه الأخير وليسقط بعدها.ز فقد أصابه نزف حاد في رأسه وفارق الحياة.
ويسدل الستار على تلك الصورة الملحمية الحزينة، ويفقد الشرق بلبلاً آخر من بلابل الغناء.. ولتخلوا الساحة للغربان يزعجون أسماعنا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا!.

خط التماس سفي النغم العربي الإفريقي
المطرب السوداني محمد وردي أحد أعلام الغناء العربي القادم من السودان يتمتع محمد وردي بمكانة خاصة بين الأصوات الغنائية السودانية تعود إلى صفات صوته ومواصفات غنائه واللون الذي اشتهر به في تقديم هذا الغناء.
والمكانة الخاصة التي يشغلها غناء محمد وردي تعود لتعدد لهجات تعبيره عن فئة فهو يغني بالعربية الفصحي مثلما يغني بالعامية السودانية وكما يغني باللهجة النوبية ممتدة الانتشار من جنوب مصر إلى شمال السودان، وهو في كل هذه اللهجات يقدم وحدة التعبير الذي يتميز به غناؤه وحيث يبدو الطابع الذي يعطي هذا الغناء ملامحه من دون أدني تعارض بين الطابع العام لغناء محمد وردي واعتبارات التلوين والتنويع التي تسمح بالتجدد والعطاء في هذا الغناء.
والمطرب محمد وردي يغني منذ منتصف الخمسينيات وتعود شهرته إلى بداياته من إذاعة ركن السودان التي كانت تبث برامجها من مصر وهي التي تغير اسمها إلى إذاعة وادي النيل، وبجانب انطلاقه من إذاعة ركن السودان ينطلق صوته أيضا من إذاعة أم درمان في السودان بل ومن أكثر من إذاعة أخري في شرق أفريقيا كإذاعات مقديشيو وهرجيا وجيبوتي وأسمره حيث اللسان العربي والوجدان العربي في الصومال وجيبوتي وإرتيريا الأمر الذي جعل للألحان التي يقدمها والأغاني التي يؤديها مردود الانتشار والصدي ليس في السودان وحدها ولكن أيضا في جنوب ليبيا وفي تشاد والنيجر ومثلها في الصومال وأثيوبيا وإريتريا بل وحتى أوغندا في جنوب السودان وعند منابع نهر النيل.
ويقوم غناء محمد وردي في صورته العامة على الأغاني التي تعتمد في عزفها وأدائها على السلم الأفريقي الخماسي الذي يختلف عن السلم السباعي المعروف في الموسيقى العربية والشرقية وحيث حروف السلم الموسيقى سبعة تتصاعد حرفا بعد حرف بينما أنغام الموسيقى السودانية والنوبية تقوم على الأنغام المنتظمة التي تغيب فيها انتقالات التلوين ويبدو فيها الاستعراض والمط والتطويل اللحني حتى وإن بدت أنغام هذه الموسيقى وهي في حالات القفز من مقام إلى آخر عبر الإيقاع الأفريقي الذي يقوم على خماسي الصوت وحيث اعتاد الناس في هذه البقاع العربية من منطقة الجوار العربي الأفريقي ومن خلال خط التماس بين الأجناس العربية والأفريقية على تبني هذا اللون من الغناء الذي صحب نشأة الموسيقى وفنون الغناء في تلك البقاع من الأرض العربية والذى ارتبط قيام الموسيقى والغناء فيها مع التعبير عن المناسبات والأعياد التقليدية حيث الميلاد والزواج والحصاد والزراعة والرعي والقنص والهجرة وكان هذا الغناء يجري بصحبته بعض الآلات الموسيقية وثيقة الصلة بالبيئة وكانت في البداية آلات النفخ والدفوف والطبول ثم دخلت عليها الآلات الوترية القريبة من العود والربابة.
ولقد انتشر الغناء السوداني في وسط وشرق قارة أفريقيا بسبب طبيعة الهجرات العربية السودانية إلى وسط وشرق وغرب القارة وحيث عرفت بلاد مالي باسم السودان الفرنسي تفرقة له عن السودان العربي الذي كان يعرف في القرن الماضي باسم السودان المصري الإنجليزي، وفي خلال تلك الحقبة انتشرت الأغاني السودانية مع رحيل القبائل وجماعات الرعي والزراعة وحيث كان من أشهر هذه الألوان الشعبية في الغناء السوداني غناء الفلاتة والذى عبرت عنه في السنوات الأخيرة المطربة السودانية عائشة الفلاتية التي تعد من جيل محمد وردي غير أن تعبيرها الغنائي يعد من النوع الشعبي التلقائي والارتجالي بينما يعرف غناء محمد وردي اهتمامات واتجاهات أخري فيها من خطوط وظلال الغناء العربي قيام هاذ الغناء على التلقين وحفظ الأعمال التراثية واستخدام الطاقات الصوتية بالفطرة ثم بالتدريب والاجتهاد الشخصي.
لقد عبر محمد وردي في أغانيه عن طموحات شعبه التي خذلتها بعض الأنظمة التي عبرت السودان ولم تستقر ولم تحقق هذه الطموحات التي طرحت عبر وعودو وشعارات وأهداف لم يتحقق لها القدرة على التنفيذ وبسبب هذه القناعات تعرض الفنان محمد وردي للصعود والارتقاء وللعقاب والاختفاء مع بتدل الظروف وحيث تعرض هذا الفنان للاعتقال أكثر من مرة ومن خلال أكثر من عهد من العهود التي تمكنت من السلطة في بلاده.
وعندما بدأنا في قراءة هذه السطور في صوت المطرب محمد وردي وجدنا العديد من تسجيلاته والذى يدور مضمونها حول مناسبات وأحداث عبرتها أمته ولم يعد من الإمكان النظر إليها إلا في ضوء أنها أعمال لمناسبات مضت ولم تعد مؤثرة في وجدان المستمع ومثلما الحال في غنائيات أخري منسوبة له وتتجاوز حاجز الغناء للمناسبات والأشخاص ولتتصل بمشاعر الناس وهمومهم وطموحاتهم وأفراحهم ورغبتهم في الخلاص.
وأغلب تسجيلات المطرب محمد وردي المتاحة للاقتناء في سوق الصوتيات ومبيعات الكاسيت لا نجد عليها أسماء المؤلفين والملحنين وحيث يكتفى فقط باسم المطرب وليبدو الأمر وكأن العمل الغنائي بمفرداته المختلفة منسوب إلى المغني ومن المعروف أن المطرب محمد وردي يغني الألحان التي يضعها بنفسه لأغانيه والتى تنتشر أيضا عبر غيره من الأصوات التي تعجب بألحانه وتستأذنه في غنائها ومثلما فعل المطرب محمد منير وهو من أشهر الأصوات من الجيل التالي لجيل محمد وردي أي جيل عبد الحليم حافظ عندما قدم المطرب محمد منير أغنية محمد وردي "وسط الدايرة" من خلال عزف وأداء وتوزيع موسيقى جديد.
والاستماع إلى غنائيات محمد وردي في مراحله الغنائية المختلفة تؤدي بالمستمع إلى التعرف على اختلافات الأداء وتمكن الصوت وقدرته على تصوير الألحان والانتقال بها من طبقة إلى أخري عبر المراحل التي مر بها هذا الصوت من الخمسينيات وحتى التسعينيات وحيث التغيير الذي يطرأ على الصوت وهو أمر طبيعى مرجعه فعل الزمن والتجربة والقدرات المكتسبة وحيث الحرص على الصوت وتنمية حدود نطاقه.
وفي غنائيات محمد وردي التي يحرص في عدد كبير منها على الدخول الشبيه بالغناء الحر القريب من الموال المتفق عليه والذى يصاحبه الإيقاع الذي يعطي للصوت فرصته في التمديد من ناحية الدرجة والمقدار وحيث تبدو تمديدات الصوت بمثابة طبقات نغم متتالية مختلفة الكمية وتدل عليها مقادير تلك النغم وحدودها في المتواليات الصوتية.
ومع حرص محمد وردي على استعراض مهاراته الصوتية يبدو أيضا حرصه الغنائي على أداء الألحان المقرونة بالقول الدال على المعني، وتلك واحدة من قيم الأجناس الموزونة بالإيقاع.
يتضح أيضا في غنائيات محمد وردي حرصه علي مستوى الكلمة التي يلحنها ويغنيها وعلى نحو نلحظه في الأغنية التي يقول فيها:
"عطشتي قلبي وكل يوم تتجملي ما تخجلي يا سمحة قومي استعجلي".
وهو أمر بين وصريح في غالبية أغنياته عندما يبدو الصوت في أحلي حالات صفائه وعذوبته وقوته وبعيدا عن إرهاق الظروف والبعد عن الصيانة الصوتية وهو أمر وارد بالنسبة لأغلب من يتصدون للغناء في زمن تغيب فيه المقاييس السليمة ولا يعتدل فيه صحو المناخ العام.
يبدع محمد وردي عندما يغني في حالات الصفو وهو يقدم أغانيه العاطفية التي تميل إلى الأغاني الرومانسية ومثلما الحال في أغنيته "أحلي غرام" وأغنية "لا ما أنساك" "صبرت نفسي" وأغنية "الكلمة الحلوة" ثم في أغنيته التي يقول فيها هذه المعاني الرقيقة.
يحرسك من عين الناس. الله
يا روعة سحر الأسطورة.
توعدنا تفضل في الصورة.
وصوت محمد وردي يحمل مقومات وعناصر تكوينه الصوتي وحيث تأثر محمد وردي بالغناء الشعبي وغناء القبائل الرحل في وطنه السودان، كما تأثر بألحان الأجيال العربية التي سبقت احترافه وفي الصدارة منها أسماء مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطراش ومحمد فوزي ومحمد الشريف وغيرهم وحيث تعرف على التصوير اللحني ووضع المقدمات الموسيقية للأعمال الغنائية التي تصدي لتلحينها وبعد تعرفه على أصول الغناء الشعبي وحيث كان الغناء القبائلي يعتمد على الأصوات البشرية وعلى صحبة بعض الآلات لهذا الغناء وهذه الآلات لم تكن تزيد عن مكونات الطبول والدفوف والعود في بعض الأحيان وبعض آلات النفخ وهي من فصيلة الناي وبعض الصاجات ثم الآلة التي تشبه الطبلة ويتم الضرب عليها من الجانبين، وقد تجاوز غناء محمد وردي هذه الأشكال الشعبية عندما بدأ في تقديم غنائياته في منتصف الخمسينيات من خلال إذاعة ركن السودان ومن خلال أساليب التسجيل الحديثة ولاأداء الموسيقى الجديد الذي أعانه على طرق مجالات الجديد ليس فقط في الصحبة الموسيقية ولكن أيضاً في صياغته للألحان التي يؤديها والتى تضم مقدمة موسيقية وتصويرات لحنية عرف من خلالها قدرته التي استمدها من خبرته بأساليب الغناء وبراعته في التأثر برواد وأساتذة النغم والتلحين في عالم الموسيقى العربية وحيث غلبة الطابع اللحني ذي الإيقاع وحيث يعد الإيقاع العنصر الأساسي في طابع اللحن المختلف في نسب الأبعاد النغمية وحيث الملائم من النغم والأصوات في هذا التناول اللحني الذي لم يهتم بالنغم المركب وليظل حال الأغنية السودانية هو حال الأغنية العربية نفسه في كل مكان على خريطة الأرض العربية.

بين القوة والرقة!
اهتم المفكر العربي الكبير عبد الرحمن بن خلدون بين ما اهتم به في مجالات كتاباته العديدة والرائدة، ليس على مستوى الفكر العربي فقط ولكن على مستوي الفكر الإنساني بصفة عامة، بموضوع الغناء والموسيقى، وكان من اقله في مقدمته على الأصوات، أن الحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة ذلك أن الأصوات لها كيفيات من الهمس والجهر والرخاوة والشدة واللين، والتناسب فيها هو الذي يوجد هذا الحسن.
وصوت في طبيعة هذا الصوت الصادر عن المطرب العربي المغربي عبد الهادي بلخياط هو مثال دقيق لما أوضحه ابن خلدون عن الصوت المتناسب، وهو صوت بات في زمن الجدب الحالي صوتا نادراً لأن ما يتحلي به صوت عبد الهادي بلخياط من قوة وحلاوة ورقة تبدو في جمع هذا المطرب في أدائه بين الجهر والهمس، العالي والمنخفض الشديد والرقيق وهي صفات تضيف غناءه إلى هذه الألوان النادرة والتى أضحت من ضروب الغناء المنقرض في زمن كثرة الغناء الركيك والضعيف والمستتر وراء صخب الآلات الموسيقية والهمهمات الجماعية.
جمعتني الظروف في حالات استماع طيبة لغناء المطرب عبد الهادي بلخياط في أكثر من لقاء جماهيري تفاعل في صوته الهادر القوي مع تجاوز حضور حفلاته الغنائية التي قدر لي أن أشهد بعضها، وكانت المرة الأولي في القاهرة في منتصف السبعينيات والثانية في بنغازي عام 1976 والثالثة في باريس من خلال مسرح الأولمبيا في أوائل الثمانينيات ثم كانت المرة الرابعة في حفل كبير بين أطلال منطقة أثرية تنتمي إلى دولة "الموحدين" في مدينة مراكش في أثناء مهرجانات الشباب عام 1986. وفي كل من هذه الحفلات كنت أشعر بأن كلمات عبد الرحمن بن خلدون تكاد تطابق مواصفات صوت عبد الهادي بلخياط، حتي وإن اختلفت نظرتنا للألحان والكلمات التي يؤديها، وحيث حضرناه يغني من ألحان بليغ حمدي في حفل القاهرة أغنية عنوانها "رحلة عمر" ثم تابعناه في الحفل الليبي في مدينة بنغازي في أغنية عنوانها "الشاطئ" من ألحان الفنان المغربي عبد السلام عامر، ثم تجاوبنا معه وهو يغني على مسرح الأولمبيا رائعته "كيف يدير سيدى" من ألحان عبد القادر وهبي، وليتنوع ما سمعناه منه في حفل "مراكش" عندما غني "قطار الحياة" من ألحان عبد الرحيم السقاط وأغنية "بنت الناس" من ألحان عبد القادر وهبي.
البداية في مدينة فاس
وتجمعني المصادفة أيضا في طريق عودتي بالطائرة من طرابلس ليبيا إلى القاهرة في مصر وكان يجاورني في المقعد المطرب المغربي، وسرعان ما تعرفت منه إلى مكاناته الشخصية وإلى عوامل قيام صوته الذي قام أيضا، وكما في غالبية حالات الغناء العربي، على التلقين التقليدي وحفظ الأعمال المعروفة، وعلى استخدام طاقات الصوت المتاحة خلال الفطرة والاجتهاد الشخصي.
عرفت من عبد الهادي بلخياط أنه من مواليد "فاس" المغربية ذات الطابع الإسلامي الحافظ للتراث العربي الأندلسي، وكان ميلاد المطرب الذي نقرأ سطور صوته في عام 1939، عاش عبد الهادي بلخياط في مسقط رأسه حتى السابعة من عمره ثم انتقلت أسرته إلى مدينة الدار البيضاء "كازابلانكا" كبرى المدن المغربية، وفي الدار البيضاء، التحق بالمدرسة حيث حصل على الشهادة الابتدائية ولم تمكنه ظروفه العائلية من متابعة دراسته في المراحل التالية، وكان عليه أن يساعد والده المتقدم في السن في إدارة ورشة النجارة التي كان يديرها ولكي يصبح بعد ذلك، وفي سنوات المراهقة مسئولاً عن إعالة أسرته.. فيعمل في وظيفة سائق لسيارة تابعة لوزارة الرياضة والشباب.. وينتقل إلى عاصمة بلاده مدينة الرباط، ومن خلال هذه السنوات كان تعبيره عن هوايته الأساسية وهي الغناء يأخذ معظم أوقات فراغه، فكان يردد الأغاني المعروفة لكبار نجوم الغناء العربي مثل عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي ومحمد قنديل وغيرهم، وكان جمهور هذا المطرب في سنوات ترديده للأغاني أقرانه في الحي السكني أو الجمهور الصغير في الأفراح وأمسيات العائلات المغربية ممن شجعوه على التقدم لامتحان الأصوات في الإذاعة المغربية التي لم تلتفت في البدء لجماليات صوته والمعدن القوي لهذا الصوت العريض فلم تعترف به اللجان الفنية ولم تمنحه الإجازة المطلوبة.
ست الحبايب
ولم تغب الفرصة طويلا عن صاحب الموهبة حتى يستمع إليه الأديب المغربي حمادي عمود رئيس تحرير مجلة "الحياة" ومقدم برنامج "عالم الفنون" في إذاعة الرباط فيعجبه صوته ويثني عليه عندما يستمع إليه وهو يغني في دار الشقيق الأكبر للمطرب عبد الهادي بلخياط ويمنحه الفرصة عبر برنامجه "عالم الفنون" وحيث يؤدي أغنية المطربة فايزة أحمد "ست الحبايب" التىكتبها حسين السيد ولحنها محمد عبد الوهاب، وعبر تسجيل استمع إليه الفنان الكبير فيما بعد.. قال للمطرب الشاب المبتدئ إنه صاحب صوت قوي تمتزج في تعبيره الحلو القوة والرقة، وإنه مؤهل لغناء أكبر الألحان، ولم يتجاوز تشجيع عبد الوهاب للمطرب عبد الهادي بلخياط هذه الكلمات ولم يخرج عن حدود التمنيات المعنوية، علما بأنه كان في مقدور الملحن صاحب المؤسسة الفنية ما هو أكبر من مجرد الإعجاب والتمنيات الطيبة.
يثير برنامج "عالم الفنون" قاعدة متسعة من الإعجاب بصوت وموهبة عبد الهادي بلخياط فينتقل في الإذاعة من باب الهواية إلى باب الاحتراف والاعتراف، وحيث تصبح له أغانيه الأولي "حبيب القلب" "أتظن" "بلادي" وهي الأغاني التي يتعرف خلالها أقطاب التلحين المغربي عبد السلام عامر وعبد القادر الراشدي وعبد الرحيم السقاط ومحمد بن عبد السلام على الصوت الصاعد إلى سماء الشهرة في الغناء المغربي، إذ يصبح في فترة قصيرة من أهم الأصوات الغنائية مع الأصوات التي سبقته إلى عالم الشهرة مثل المطرب عبد الوهاب الدوكالي، أو التي صحبته في طريق الغناء كالمطرب محمد الحياني.
ومنذ منتصف الستينيات كانت انطلاقة الصوت القوي في أغاني البدايات وحتى منتصف السبعينيات إذ سنوات الانتشار وتأكيد الذات، والعثور على الهوية الغنائية وصقل قدرات الصوت التي امتد تعبيرها خارج حدود وطنه المغرب إلى حدود تونس وليبيا والجزائر، وغني بعد ذلك في مصر لحن الفنان بليغ حمدي "رحلة عمر" في حفل غنائي على الهواء عبر الراديو والتلفزيون بصحبة فرقة النيل الموسيقية بقيادة المايسترو الموزع الموسيقي وعازف الكمان الفنان عبد العظيم حليم.
القمر الأحمر.. والاسطوانة الذهبية
تسبق عبد الهادي بلخياط شهرته كصاحب الأسطوانة الذهبية عندما تمنحه أكبر المؤسسات الفنية الإنتاجية في العاصمة الفرنسية باريس جائزة "الاسطوانة الذهبية" وكأول مطرب عربي يحصل عليها من خلال أغانيه الخاصة إذا أدرك المهتمون بالغناء والموسيقى العربية أن الأسطوانة البلاتينية التي حصل عليها محمد عبد الوهاب كانت من خلال غنائه لرائعة سلامة حجازي أغنية "ما حيلتي".
حصل المطرب عبد الهادي بلخياط على الأسطوانة الذهبية عن ألبوامه الغنائي الذي قدمه في عام 1973 والذي يضم أغنية "القمر الأحمر" التي وضع لحنها المغربي عبد السلام عامر من كلمات باللغة العربية الفصحى للشاعر الغنائي مصطفى عبد الرحمن، وقد بلغت مبيعات هذه الأغنية حوالي مليون نسخة!
لقد استقر صوت عبد الهادي بلخياط في تلك الفترة إذ وضح فيه اللون الغنائي والبصمة الصوتية سليمة الجواب متينة القرار، واضحة التركيز في المناطق الوسيطة بين أعالي الصوت ومنخفضاته وقفلاته، وهو إستقرار صوتي أتاح لصاحب هذا الصوت أن يقدم أجمل ما قدم من أغاني تضاف إلي "القمر الأحمر" مثل أغان "الشاطئ" التي لحنها عبد السلام عامر ملحن أغنية المليون نسخة وهو ملحن أغنية "الأمس القريب" التي كتب كلماتها الشاعر المصري مصطفى الضمرانى.
اختار عبد الهادي بلخياط ألوان الغناء العاطفي لتكون تعبيره الذي يقدمه من خلال اختياراته للنصوص والألحان التي يقدمها. وقد عرف كيف يصنع لنفسه خطا بيانيا يتقدم فيه في مجاله الغنائي خصوصا أنه صاحب صوت قوي وأداء متمكن يستطيع من خلالهما أن يشغل في خريطة الغناء العربي مساحة أكبر من قدر الانتشار الكثيف الذي يتمتع به في الأقطار العربية الواقعة جنوب البحر المتوسط خصوصا في بلاد المغرب العربي والشمال الأفريقي.
اللهجة المغربية
وعلى الرغم من أن لعبد الهادي بلخياط هذه القدرات الغنائية وذاك النطاق الصوتي، فإن اللهجة المغربية التي يغني بها غالبية أغانيه تحول دون مزيد من الانتشار لهذا الصوت في بلاد المشرق العربي، خصوصا أن نطق المفردات العربية من خلال اللهجة المغربية والذي يجري بسرعة شديدة على التشديد على نهايات الحروف والمفردات يجعل من الصعوبة بمكان التعرف إلى معاني بعض الكلمات، مع أن أصول هذه الكلمات مفردات عربية فصيحة يُذهب بالتعرف إليها، طريقة الحوار والغناء في اللهجة المغربية.
لقد حاول عبد الهادي بلخياط الخروج من هذا المنحني الصعب عندما غني بالفصحي وأيضا بالعامية المصرية ولكنه سرعان ما عاد للغناء باللهجة المغربية التي قدم بها غالبية أغانيه بعد مرحلة نجاحات أغاني الفصحى "الشاطئ" "القمر الأحمر" "الأمس القريب".
إن الغناء العربي الذي يغنيه بلخياط باللهجة المغربية هو ما يعد صورة للغناء المغربي الحديث، والذي يبدو غناء عبد الهادي بلخياط أحد أركانه، مع ركن آخر في مجال الشعر الغنائي هو على الحداني، وركن يجاورهما، هو الملحن عبد القادر الراشدي رئيس الفرقة الوطنية الموسيقية، وقد اشترك هذا الثلاثي في تقديم الأغاني "إنت وأنا". "كيف يدير سيدي" "لا تثق بي" أو كما كتب الشاعر الغنائي على الحداني أغلب الجديد من أغاني عبد الهادي بلخياط مثل أغانيه الناجحة "قطار الحياة" لحن عبد الرحيم السقاط "يا محبوبي" "بنت الناس" من ألحان عبد القادر وهبي، هذا الملحن نجح أيضا في فهم صوت عبد الهادي بلخياط فوضع له عددا طيبا من أغانيه المعروفة مثل أغنيه "ما منك جوز" التي كتب كلماتها إدريس الجائي.
سينما... ورومانسية
لقد تنوعت مظاهر العطاء الموهوب عند الفنان عبد الهادي بلخياط، وإلى جانب قدراته في الغناء فقد لحن أيضا بعض الأغاني التي غناها ولكنه عرف قدر نفسه، فلم يبخس حق صوته فأعطي أداءه الجميل لألحان كبار وصغار الموهوبين، واختار ألا يتوقف أمام ألحانه لنفسه ومثلما فعل أيضا ـ وحسنا ما فعل ـ عندما توقف عن التمثيل في السينما بعد مشاركات عديدة في بطولات بعض الأفلام التي صورت بين المغرب ومصر وليبيا، وعلي هذه الحال التي كان عليها وهو يشارك في أفلام "الصمت اتجاه ممنوع" "أين تخبئون الشمس؟" "الدنيا نغم" مفضلا أن يعطي أحلي ما عنده لمجاله الأول في فن الغناء الذي يعرف كيف يتقنه؟

الشحنات الانفعالية
للموسيقار الألماني الشهير "ريتشارد فاجنر" مقولة صريحة يرى فيها أنه لا قيام للفن الحقيقي إلا إذا كان بشيرا بحياة أفضل يتمتع بها جميع البشر فالفن ليس كما يتصوره البعض أنه مجلبة للتسلية وفرصة لكنز الأموال لكن الفن وكما تتعدد المقدمات التي تصل إلى النتيجة الأبقي، هو الوسيلة لاقتراب الناس من أجل أن تتسع مساحة التفاهم بينهم وحيث يجمع الفن النظيف بين الشهر في مشاعر موحدة لا غني عنها في الحياة وصولا إلى التسامي والتسامح والسعادة الإنسانية ولأن الغناء هو أقرب سبل التعبير الفني وصولا إلى المتلقي فقد كان لهذا المجال التأثير الواضح في أكثر من واقعة وعبر أكثر من تحد واجه الإنسان العربي، وغابت معها سبل التعبير الأخري وبقي للغناء صوته المؤثر على الرغم من حالات الشكوى المرة التي يعانيها كل محب يلحظ اختفاء الخط النظيف من خطوط النتاج الغنائي التي تحاصر الأسماع في الأزمنة الحالية يقدم عبد الوهاب الدوكالي شهادته الشجاعة في كلمات نابضة بالمشاعر ولحن جميل القسمات وعبر غناء تمتزج فيه صرخة الأسي بأمل استيقاظ الضمير، وخلال صوت يتفوق في إحساسه، فينقل في عفوية وفي سرعة شحنة الانفعالات المتأججة في نفسه، ولكي تؤثر بالتالي في كل من يستمع إليها شريطة ألا يغلق السمع والفؤاد عن دور العلاقات والتأثر فيه كإنسان يعيش في عالم يموج بالصراعات والطموحات وأمنيات الخلاص الجميل.
المطرب عبد الوهاب الدوكالي يجمع في صوته بين خامة الصوت الطيبة ذات النبرة المميزة والأداء الخبير والمجرب وحيث يعكس أداء هذا المطرب إمكاناته الهائلة في التعبير، والمتمثلة في كم الأحاسيس الذي ينطلق عبر أدائه وعندما يحسن اختيار مفردات الكلمات ونغمات الألحان.
إن أغنية عنوانها "مونبار ناس" يؤديها في إحساس عميق المطرب العربي المغربي عبد الوهاب الدوكالي تؤكد ما نذهب إليه في تأكيدنا على مقولة الموسيقار فاجنر والخاصة بصعود وهبوط الفن الحقيقي.. فالأغنية التي تحمل اسم شارع فرنسي من المعالم الشهيرة للعاصمة باريس، حيث يختلط العام بالخاص، والطارئ بالمقيم، والوافد بالراحل، والنخبة بالعامة، هذا الشارع المسمي شارع "مونبار ناس" اختاره المطرب عبد الوهاب الدوكالي ليقدم خلال شهادته الغنائية التي تدمغ التعصب، وتدين التميز العرقي للبشر، وعبر طرح شجاع لوجهة النظر العربية في مواجهة العنصرية الجديدة التي قامت بقسوة لتواجه عرب فرنسا من هؤلاء المهاجرين القادمين من الشمال العربي الأفريقي.
وبدايات المطرب عبد الوهاب الدوكالي مع الغناء لا تختلف كثيرا عن بدايات غيره من أصحاب الأصوات الجميلة في عالم الغناء العربي، وحيث كان التلقي التقليدي لا أساليب الغناء وحفظ الأعمال الغنائية القديمة والمعروفة وسيلته للاقتراب من عالم الأغنية وأدائه لاكتساب مهاراته في تذوق الأغاني وفي إتقان الأداء، وفي حسن الفهم والتعامل مع المقامات والإيقاعات والبحور النغمية أيضا.
ونشأة المطرب عبد الوهاب الدوكالي أهلته للوضع الغنائي الطيب الذي يشغله صوته في خريطة الغناء العربي خصوصا في موطنه "المغرب" حيث نشأ صاحب هذا الصوت الحساس في منطقة "دوكالة" في جوار مدينة "فاس" المغربية العريقة وفي بيت عربي يتذوق فنون الشعر والغناء ويستحسن الطرب العربي الأندلسي.
كان الجد محمد الدوكالي ممن يقرضون الشعر ويتباهون بأبياته، وكانت الجدة من عشاق الطرب العربي وكانت تحب أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وتعشق نغمات رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، وعندما رزقت الأسرة المولود لم يعارض الأب والأم رغبة الجدة في أن يسمى الحفيد باسم المطرب محمد عبد الوهاب.. ويشب الفتي على حب المغني وأهل المغني حافظا أغاني المشاهير التي كان يتابعها عبر السينما وخلال سماعة الراديو.. وعندما ينتهي من دراسته في مردسة أمولي إدريس الثانوية يلتحق بالمعهد الموسيقى في مدينة "فاس" وهذا المعهد هو نواة المعهد القومي للموسيقى العالمية "الكونسرفاتوار" وفي هذا المعهد يتألق عبد الوهاب الدوكالي في دراسته خلال اهتمام أستاذته وهي فرنسية الأصل اسمها جاكلين كاباناه، التي تقدمه أيضا للحياة العامة الفنية حيث يبدأ رحلته مع حفلات الغناء في المسارح المختلفة، والتى تقدمه أيضا إلى الإذاعة المغربية فاستهل نشاطه بها خلال تلحين وغناء قصائد الشعر الفصحى، مثلما غني مختارات من شعر ابن زيدون ومحمد بن الحسين وأشعار جده محمد الدوكالي والشاعر أحمد البيضاوي الذي وضع له كلمات أشهر ما غني من قصائد قدمته لساحة الغناء مثل قصيدة "لقاء" كما غني أيضا من أزجال العامية عددا كبيرا من الأغاني التي طبعت أيضا على اسطوانات ومنها أغنية "أجفاني" التي نالت شهرة عريضة ساعدت في زيادة انطلاق الشهرة التي يتمتع بها عبد الوهاب الدوكالي في بداياته في سنوات الستينيات وخلال الكلمات التالي:
أجفاني أجفاني.. دار الخال جفاني.
سلب عقلي وخلاني، أعيش وحدي في محاني.
الدوكالي على الطريقة المصرية
وعندما تسافر بعثة إذاعة صوت العرب إلى العاصمة المغربية الرباط يصلها ما يقال عن شهرة المطرب عبد الوهاب الدوكالي فتشركه في نشاطاتها التي قامت بها في المغرب وتدعوه للقدوم إلى القاهرة لكي يشارك في عيد ميلاد إذاعة صوت العرب والتى أقيمت في عام 1963 بمناسبة مرور عشر سنوات على بدء إرسالها الإذاعي.
تحتضن مصر فتي الغناء القادم من المغرب ويلتقيه نجوم النغم عبد الوهاب وكمال الطويل ومحمد الموجي ومحمود الشريف وبليغ حمدي وعبد العظيم محمد وتنطلق من الإذاعات المصرية أولي أغانيه التي قدمها في مصر "بلغوه سلامي" و"الدار اللي هناك".
وتبدأ مع رحلة عبد الوهاب الدوكالي إلى مصر مرحلة جديدة في أغانيه وفي ألحانه فقد أضاف صاحب الصوت المعبر والأداء الحساس إلى خبرته في التلحين والانتقاء مسألة تأثيره بطرق التلحين في مصر وعبر التأثر بهذه الأساليب، حيث بدأ هذا التأثير خلال محاكاة وتقليد العديد من أشكال وقوالب هذا الغناء فتنوع عطاء عبد الوهاب الدوكالي ولم يعد يقتصر على ما يلحنه لنفسه بل أضاف إليه ألحانه لغيره من المطربين والمطربات ومنهم الفنانة صباح التي غنت من أعماله أغنية "محبوب الجماهير" وأغنية "حبيناك واحنا صغار" و"ما أنا إلا بشر".
الإحساس بالمعاني
للمطرب الممثل!
إن الاستماع الجيد لأغاني المطرب عبد الوهاب الدوكالي يُعشر من يستمع إليها بمعان مضافة إلى رخامة صوته وجميل أدائه وهذه المعاني تتمثل فيما سبق وأشرنا إلى تميز صوت الدوكالي به، وهو الإحساس العميق بالمعني الذي يغني له، وهناك أسباب أخري تضاف إلى الثقافة العامة إلى جانب الثقافة الموسيقية تجعل للمغني هذه القدرات على تجسيد المعاني التي يغني بها بمثل هذا الإحساس، ومنها قدرات التمثيل الطيبة التي يتجلي بها المطرب عبد الوهاب الدوكالي، الذي جمع أيضا في شخصيته الفنية بين تعبير الممثل وتعبير المغني وإضافة الملحن.
والمطرب عبد الوهاب الدوكالي عضو قديم في المسرح القومي المغربي، وقد أتيح له أن يمثل بطولات أعمال مسرحية شهيرة مثل "البخيل" "حلاق إشبيلية" كما مثل أيضا من أعمال المسرح العربي المغربي مسرحية "الشطاب" للكاتب المغربي أحمد الطيب.. وقد أدي تفوقه في التجسيد التمثيلي على خشبة المسرح إلى حصوله على جائزة وميدالية أفضل ممثل في مهرجان مسرح سارة برنارد في باريس، وإلى جانب التمثيل على خشبة المسرح قام عبد الوهاب الدوكالي ببطولة بعض الأعمال السينمائية ومنها فيلم "أيامي الجميلة" أمام مريم فخر الدين من إخراج مصطفى الدرقاوي.
إن طريق النجاح الذي أدي بالمطرب عبد الوهاب الدوكالي لتحقيق طموحاته في سبيل تقديم فن حقيقي يفخر به، جعلته يقدم في رحلته الفنية من الستينيات وحتى التسعينيات علامات عديدة بارزة من أهمها أغنية "مونبار ناس" في عام 1986 وفي حقبة الثمانينيات نفسها التي قدم فيها أغاني أخري ذات توظيف فني مميز مثل أغنية "الله غالب" التي قام خلال لحنها بتوظيف إيقاعات الذكر في غناء جميل يضاف إلى رصيده الآخر الناجح من أعمال تلك الحقيقة ومنها "الليل والنجوم" "الثلث الخالي" "والعيون الخضر" "العاشقين" "حجبوك الأعداء يا وليفي".
وظيفة غير تقليدية للكورس
أما أغاني صاحب هذا الصوت الرخيم والأداء الحساس في مرحلة السبعينيات فكان من أهمها أغنيته المعروفة "كان ياما كان" التي قدمها في عام 1975، وخلالها عبر عن فكرته في خط درامي يرسم بالغناء قصة حب شهيرة في الريف المغربي، وعبر مطلع بديع للأغنية يقول فيه: "كان يا ما كان، حكاية يرويها العجائز للصبيان، منين تبغي تنام".
وفي مجال توظيف غناء الكورال وعدم تكرار المجموعة للجزء الذي يقدمه المطرب بصوته، قدم عبد الوهاب الدوكالي أغنيته "قصة الغرام" وفيها حوار غنائي تعبيري بين المغني والكورس وعبر تنوع نغمي يضمن عدم التكرار بين ما يقدمه المطرب وما يؤديه الكورس الذي يصاحبه في الغناء.
وتبقي أغنية "ياما.. ياما.. اتألم" وهي أغنية ناجحة تعد من العلامات الشهيرة أيضا من أغاني صاحب الصوت الرخيم بنبراته الصريحة المميزة وأدائه الذي ينقل في حيوية شحنة الانفعالات التي يعكسها في غنائها إلى كل من يستمع إلى هذا الغناء معجبا بكل هذا الإحساس المرهف في الأداء غير أننا نأخذ على أسلوب تقديم هذه الأغنية امتزاج مفردات العامية المصرية بالعامية المغربية، وخلال استلهام واضح وتأثر صريح بالشائع في كلمات ومعاني العديد من الأغاني المصرية التي عرفها المستمع في الخمسينيات والستينيات، وربما يعود هذا التأثر إلى كون كلمات هذه الأغنية من تأليف عبد الوهاب الدوكالي نفسه الوضع أيضا كلمات عدد كبير من أغانيه التي قدمها بصوته وألحانه التي عهد بغنائها للآخرين ومنها "هي دي انتي" "مرسول الحب" "أنا الغربة" "الولف صعيب" وغيرها.
لقد استطاع المطرب عبد الوهاب الدوكالي بفضل الإحساس الدرامي الواضح في اهتماماته وثقافاته وعبر معايشته لفنون التمثيل على خشبة المسرح وخلال شاشة السينما أن قدم معالجات مختلفة في النصوص الغنائية والأشكال اللحنية التي تصدي لتقديمها فكان هذا الشكل المختلف في الخط الدرامي الذي يبدو في خلفية عدد كبير من الأغاني التي قدمها والتى سايرت الغناء الأوروبي في توجيهاته وقوالبه وأشكاله، وخلال هذا التوازن المعشق في تكوين جميل وعبر الديالوجات الغنائية التي قدمها للحوار المتبادل بين غناء المطرب وموازاة الكورال له في غناء مكمل لا يعيد ولا يكرر في الجمل نفسها التي يغنيها كل من المطرب والكورال وكعادة حالات عديدة جدا من نماذج معروفة في غنائنا العربي قديمة وحديثة.

أصولية حتى الجذور
يحتاج الغناء العربي وهو يعبر في السنوات الأخيرة مرحلة الانقطاع عن ينابيعه وروافده الصافية الأصيلة، أن تعلو فيه صوت الأصولية الغنائية العربية، كما هي الحال بالنسبة لوجود تيارات الرأي الأصولي التي تحمي الأفكار والمذاهب من شطحات التفكير التي تقوم على أركان غير صحيحة، والغناء الأصولي هو الغناء الحافظ للتراث، المقدر لقيمته والعارف بإيجابياته، والمغني الأصولي هو الحارس الأمين على كنوز هذا التراث حتى لا تنال منه موجات الهبوط وتيارات الإسفاف التي وصلت بالغناء إلى مرحلة الانقطاع الحالي.
والمطرب صباح فخري هو أحد أبرز حفاظ التراث الغنائي العربي ممن يعرفون لهذا الموروث حقه، ويدافعون عن هذا التراث بكل ملكات موهبتهم التي تتخصص ببعث هذه الألوان التراثية الغنائية ومن خلال فهم رحب لا يفرق في الإرسال بين ينابيع عربية مقبلة من المشرق أو ينابيع غربية مقبلة من المغرب بل إن هاذ الفهم الرحب يعرف للموروث الغنائي قدرة أيضا، حتى وإن كان بعثه الجديد خلال استحضار نماذجه الجميلة التي عرفها العرب في الأندلس أو بلاد ما وراء النهرين، أو حتى في شبه جزيرة البلقان.
والمطرب صباح فخري ينتمي لنوعية نادرة من أقطاب غناء التراث العربي شأنه في هذا شأن المطرب حامد مرسي في مصر، والمطرب ناظم الغزالي في العراق، فقد جمع هؤلاء الأقطاب بين عشق التراث وحفظ أصول الغناء وامتلاك ناصية فن النغم ونعمة الموهبة وحرص الحفاظ عليها.
وقدرات المطرب صباح فخري تصنفه ضمن فئة من نطلق عليهم نعت المغني الصييت، وهذا المغني له حسن الصوت وقوة الأداء وجمال التصرف ونطق فخيم للألفاظ، واعتياد اللسان على استقامة الإعراب والدراية بأجناس الإيقاع.
وهذا المغني الصييت لم يقم غناؤه السليم والجميل على دعائم من موهبته فقط، لكنه أضاف إلى الموهبة الدراسة وقدرات الحفظ التقليدي.
لقد تربي صباح فخري على الإمساك بأصولية الغناء العربي منذ كان صبيا في مسقط رأسه مدينة حلب التي ولد فيها عام 1933، وفيها عشق الغناء وتربي صوته من خلال الكنوز التراثية واللحنية المعروفة فقط، ومنها ما اشتهر به مدينة "حلب" من غناء القدود الحلبية، وبمقدار ما حفظ صباح فخري من آيات الذكر الحكيم وهو يتعلم تجويده في سنوات صباه استقام لسانه وقوي بيانه، مما أهله بعد ذلك، عندما قرر أن يخوض في بحار الاستزاده من كنوز النغم والغوص في بحوره أن تتكون قدراته في الأداء الغنائي الذي تميز بإتقان القفلات ووضوح الزخارف والذبابات والحلي الصوتية الدقيقة.
أهله التلقين التقليدي وحفظ موروثات النغم العربي لمرحلته التالية عندما بدأ في مرحلة الشباب الدراسة في معهد الموسيقى العربية في مدينة دمشق، وتخرج منه في عام 1947.. وكانت موهبته تدفع به إلى التقدم حيث نال التشجيع من العديد من نجوم الموسيقى العربية، وعلى النحو الذي يشهد به لعازف الكمان الشهير سامي الشواء الذي أضاء له علامات طريق البدايات ووجهه إلى القراءات المتخصصة من فنون الموسيقى والغناء وأيضا ينابيع ورواد التراث.
وتربي الصوت القدير للمطرب صباح فخري عبر أكثر من مرحلة زمنية، فقد قام تحكمه في إصدار الصوت على معرفته بالأعمال التراثية وترديده للأعمال الغنائية المعروفة، وقام جهده في تنمية حدود النطاق الصوتي على خبرات الدراسة في معهد الموسيقى العربية الفني والنفسي والذى انعكس في غنائه، حيث سخاء الطرب والقدرة على الإطراب.
لقد أتيح لنا أن نستمع إلى غناء صباح فخري من دون، صحبة الأجهزة الحديثة التي تقوم بنقل الصوت إلى السامعين، فشعرنا بجمال موهبة وبراعة أداءه وقوة حنجرته، استمعنا إلى غنائه في أمسية طيبة من ليالي "مهرجان الخليج الثالث للتلفزيون والفيديو" والتى عقدت في مدينة "الكويت" وقتها عقدت في مدينة "الكويت" وقتها شعرنا أن الصوت الذي يغني بمقدرة من دون ميكرفونات أو مكبرات صوت، هو الصوت الذي يصلح للغناء بعد ذلك في كل مستويات التقنية الحديثة، وحيث المواصفات الطبيعية لقيام مغني جيد من ناحية التحكم في الأداء والأمساك بالطبقة والنطق الصحي والقدرة على التصرف، بالإضافة لأول هذه المواصفات، وهو الصوت السليم الجميل، إن البعض يأخذ على صباح فخري حرصه وطوال تاريخه الفني الممتدد، على تقديم التراث الغنائي المعروف من دون اهتمام مماثل بالغناء المنسوب إليه من ناحية اختياره للكلمة واللحن وتطويعهما في أداء يخصه، وهذا الرأي له وجاهته، إذ أن ما يقدمه صباح فخري من غناء هو تراث من سبقوه من أقطاب الغناء العربي، فماذا يبقي من صوته منسوبا لتجربته واختياراته؟
وأذكر والقراءة في صوت صباح فخري تعود بي إلى اللقاء به في الكويت إنه أجاب عن هذا التساؤل وكان يخطط وقتها لبرنامج "نغم الأمس" الذي سجل فيه ما يقرب من مائة وخمسين عملا تراثيا من الغناء العربي تنوع ما بين موشح وقصيدة ودور وطقطوقة وموال، حافظ في غنائها على اللحن التراثي الأساسي وبعدها تصرف في الغناء حسب مقتضيات التجاوب لدي الجمهور الذي تابع غناءه في الحفلات التي يضمها شريط برنامج "نغم الأمس".
إن الفقير الشديد في الفرق التي تعيد تقديم التراث الغنائي العربي، وندرة قيام هذه الفرق والتى لا يزيد عددها عن رقم محدود جدا، لا يتناسب مع الكثافة السكانية العربية ولا مع التاريخ الطويل الممتد لفنون النغم العربي، تجعل من المستحب أن نتابع هذا الدور المهم الذي يقوم به أمثال المطرب صباح فخري وعلى اعتبار أن هذا الجهد يندرج تحت عنوان حماية أصول الغناء العربي، من تلك الهجمة الغنائية التي تشوه ملامحه وتثير الأتربة وتبعث بالغبار على الملامح الجميلة الباقية فيه.
إن من يستمع إلى جهد صباح فخري في تقديم جميل التراث الغنائي العربي بصوته وعلى نحو نختار منه في هذه القراءة بعض الأمثلة الموفقة، يشعر بقيمة أن يتصدى مطرب واحد لهذا التراث ويسجله بصوت وخلال ظروف التسجيل الحديث فيساهم في حمايته وصيانته، بعدما ندر عدد الحفاظ وتبعثرت ورقات التدوين الموسيقي وتنازعت فرق التراث وتبعثر جهدها، فبقيت تهتم بصاحب السطوة القادرة على حساب صاحب الإضافة القادرة العالية.
نذكر المطرب صباح فخري قدراته في الأداء وترتيباته في غناء التراث التي جعلت هذا الغناء الجميل في متناول من يحسنون الاستماع إلى الغناء العربي، ومن يودون التعرف إلى كنوزه التراثية، من بين من تأخذهم الهجمة الشرسة لاتجاهات الغناء التجاري، بصوته العالي ونغماته البليدة وإلحاحه المريض.
يضع غناء صباح فخري أمام المستمع وجبة متنوعة تستميل المسامع إذا ما توافر لها حياد الاختيار، وموضوعية التقديم، وفي صدي المسامع نماذج من هذا الغناء الذي اشاروا إليه في موسوعة الأرقام القياسية لطول زمن غنائه ومتانة أنفاسه! منه ما هو منسوب لفن الموشحات مثل موشح "كللي يا سحب" وموشح "أنت سلطان الملاح" وما هو منسوب للطقطوقة مثل "ع اللا اللا" "يابا.. يابا" ومنها ما هو من مختارات الفولكلور العربي المشرقي مثل "يا مال الشام" "طالعة من بيت أبوها" "قدك المياس" "قل للمليحة" ومنها ما هو منسوب إلى روائع العطاء في فن الغناء العربي وفي الصدارة منه ألحان سيد درويش الذي يبدع في غناء أعماله ومنها "زوروني كل سنة مرة" "طلعت يا محلا نورها" "الحلوة دي" وأعمال من عاصرهم مثل محمد عثمان ومن أشهر أعماله "ياما أنت واحشني" وسلامة حجازي "ما حيلتى" وداود حسني "قمر له ليالي" ويتوالي ترتيب الأسماء فيغني من ألحان رياض السنباطي رائعة صالح عبد الحي "ليه يا بنفسج" ومن ألحان زكريا أحمد رائعة فتحية أحمد "يا حلاوة الدنيا" وحتى يتنوع غناء المختارات فيقدم ألحانا أخري لعبد الوهاب ومحمد القصبجي ومحمود الشريف وأحمد صدقي وغيرهم.
وفي هذه الغنائيات التي تحرص على الغناء الأصولي العربي يحرص صباح فخري على صحبة التخت الشرقي ويبرز الآلات الموسيقية ذات الملح والتأثير الشرقي، ويمثل العود والقانون، وفي حرصه وإخلاصه على تقديم روائع التراث، يسعى صباح فخري على تقريب التراث الغنائي العربي من أذواق الأجيال الجديد التي تقترب منه، وتحرص عليه إذا ما أتيح لها أن تفلت من حصار الموجات الصوتية المتلاحقة واللانهائية للغناء التجاري الرديء.
إن مثل هذا النجاح الذي يحققه الغناء الأصولي يجدد شباب التراث ويبعث الرونق والتوظيف الحديث في أوصال الأعمال الغنائية التراثية، وبما يسمح بالحيلولة دون انقطاع استمرارية الغناء العربي الأصيل خلال هذا الجهد في بعث التراث، مضافا إلى أهمية أخري يجب التركيز عليها، وهي سلامة حفظ التسجيلات الغنائية والموسيقية التي تنتمي إلى سنوات سابقة وإلى إبداعات رائعة، بعضها رحل عن الحياة، وبعضها الآخر ترك ساحة تقديم الجديد إلى الإعتزال أو الابتعاد.
إن الحرص على بعث التراث الغنائي عبر الجهد الخلاق بالإضافة إلى صيانة وحفظ المكتبة الغنائية العربية التى تضم كماً هائلا من بديع الغناء والنغم المنسوب إلى مراحل زمنية سابقة، هذا الحرص من شأنه الحفاظ على تقاليد فن الغناء العربي والحيلولة دون انقطاعه، على الرغم من غياب أصحاب الهامات الصوتية العالية وغياب قدرات التلحين المبتكرة، وفقر الألوان الغنائية المقدمة في السنوات الأخيرة فلا موشحات ولا أدوار ولا قصائد ولا أعمال غنائية مركبة في المسرح أو السينما وحتى التلفزيون.
وتبقى كلمة يعرفها كل عاشق لفنون الغناء العربي وكل غناء جميل في هذا العالم الذي نعيش فيه، وهو أن الازدهار في فنون الموسيقى والغناء لا يتحقق ما لم يكن في الحسبان الاهتمام بأهم المصادر التى تحول دون انقطاع الفن الجميل والمصدر الأول هو في حفظ التراث، والثاني في النظرة المستقبلية التي تضمن للأصالة قدراً موازيا من المعاصرة.

غنائيات خفيفة الظل
التدلل في الغناء هو أن يتعمد المغني أن يظهر جاذبية ذلك الصوت الذي يطلقه خصوصا عندما يحرص على تكرار النغمة المطربة والمستحسنة.. وغناء المطربة صباح هو من هذا الاتجاه في الغناء.. وهو اتجاه لم تغيره منذ بدأت تغني في أوائل الأربعينيات وحتى اليوم.
والغناء كما نعرف ليس في الصوت الجيد والأداء المريح فقط، لكنه أيضا ذلك الفن المتصل بمسألة التأثير الشخصي وموهبة الحضور والتى تسمي في التعبيرات العالمية "الشخصية الكرزماتية" وهي تتصل بموهبة تولد مع صاحبها وتتعلق بالشكل والظهور الذي يمكن صاحب هذه الشخصية من الاستحواذ على من يتابعون فنه.
والفنانة صباح هي من هذا اللون من الفنانين، إنها تجمع في شخصيتها الفنية الموهبة الفطرية والأخري المكتسبة إلى جانب الحضور والظهور ونستطيع أن نقول أن غناء صباح، وعلى الرغم من الامتداد الزمني الذي يقارب أكثر من نصف قرن، ظل غناء يتمتع بشخصية لم تتغير معالمها وإن شهد الاتجاه العام فيها بعض الخفوت أو بعض الحدة أو حتى نية تغيير الاتجاه.
وهذه المطربة التي تمثل ظاهرة الإصرار على الاستمرارية والصمود في مواجهة المتغيرات المتلاحقة، عمرها الفني ستون عاما وحصيلة ما قدمت من غناء يقارب 2000 أغنية ونحو خمسين فيلما غنائيا وعشر مسرحيات غنائية وعددا من المسلسلات والأعمال الإذاعية.
بدأت صباح طريق التعبير الغنائي منذ كانت فتاة صغيرة في قريتها "وادي شحرور" في جبل لبنان، وكان قد سبقها إلى عالم الشهرة عمها الذي اعتبر منه الزجل وأطلقت عليه صحافة تلك الأيام اسم "شحرور الوادي".
كانت بداياتها في الحفلات المحلية في تقليد غناء ليلي مراد التي كانت نجمة تلك السنوات، وكانت مدرستها في تعلم الغناء والاستماع إلى الراديو والأسطوانات في زمن كان من أشهر نجومه كوكب الشرق أم كلثوم، وصالح عبد الحي ومحمد عبد الوهاب ونجاة على وأسمهان وفتحية أحمد وفريد الأطرش وغيرهم.
كانت لها أيضا مدرسة أخري في التلقين والاستيعاب، من رموزها الفنان اللبناني عازف العود خالد قرانوح الذي دربها على الغناء بصحبة نغمات العود وعلى التعرف إلى المقامات والأوزان، ثم كان لها تحصيل آخر من خلال الأخوين فليفل واضعين غالبية الأناشيد الوطنية.
انطلقت شهرة صباح من قريتها "وادي شحرور" حتى وصلت إلى العاصمة بيروت، واستمعت إليها الفنانة المنتجة السينمائية أسيا داغر التي أعجبت بالألوان اللبنانية التي تغنيها المطربة جانيت الفغالي، اسم صباح الحقيقي، وكان لها قرارها الذي شاركها فيه المخرج الكبير هنري بركات عندما اتفقا على إسناد البطولة النسائية لفيلم "القلب له واحد" للمطربة الشابة وحيث انتقلت جانيت الفغالي من بيروت للإقامة في مصر بعد ما اختارا لها اسما فنيا هو، لقبها المعروف "صباح".
كان الفيلم "القلب له واحد" الذي جرى تصويره عام 1943 هو نقطة الانطلاق للموهبة المقبلة من جبل لبنان إلى ضفاف نيل مصر، وحيث وضعت المنتجة آسيا إمكاناتها لتقديم الموهبة الجديدة في الصورة المثلي، فعهدت إلى بركات بالإخراج، وإلى كبار الملحنين زكريا أحمد ورياض السنباطى ومحمود الشريف وأحمد صدقي، بوضع ألحان أغاني الفيلم الذي شارك في بطولته أنور وجدي.. وسليمان نجيب وفردوس محمد وميمي شكيب.
ونجحت صباح في التعبير عن طبيعة الدور، ولكنها لم تنجح في غناء الألحان، فقد كانت تلميذة مجتهدة ولكنها غير قادرة على استيعاب ما صدر عن الملحنين من ألحان وضعت لها، بدت فضفاضة واسعة، أشبه بالثوب الذي يكبرها ولا يليق بها.
وعلى الرغم من إقبال السينما على صباح خلال سنوات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات فإن صوتها لم يطرأ عليه أي تغيير في جودة ونضج الأداء حتى كان اللقاء مع لحن كمال الطويل وكلمات الشاعر مرسي جميل عزيز أغنية "مال الهوى يامه" والتى كانت من مختارات الإذاعة المصرية في فترة العصر الذهبي للأغنية العربية في مصر عندما كان محمد حسن الشجاعي مستشارا للموسيقى والغناء في الإذاعة المصرية.
اختلف لحن كمال الطول الذي غنته عن كل الألوان التي قدمتها خلال سنوات ما قبل منتصف الخمسينيات وكان غناء صباح، وعلى حد وصف سمعناه منها يقول إن ما قدمت من غناء قبل هذه الأغنية كان غناء صباح، على حد وصف سمعناه منها يقول إن ما قدمت من غناء قبل هذه الأغنية باهتا بينما كان صوتها مهزوزا!.
قبل أن تغني صباح أغنية "مال الهوي يامه" عام 1954، غنت العديد من الأغاني في أفلام "هذا جناه أبي"عام 1954 "سر أبي" "أكسبريس الحب" "عدو المرأة" عام 1946"لبناني في الجامعة" "أنا ستوتة" "صباح الخير" عام 1947 "بلبل أفندم" عام 1948 "الليل لنا" عام 1949 "اختى ستيتة" "الأنسة ماما" عام 1950 "خدعني أبي" "الحب في خطر" عام 1951 0فاعل خير" عام 1952 "خطف مراتي" عام 1954.
والملفت أن أغلب من شارك صباح بطولة هذه الأفلام التي ذكرناها كانوا من أصحاب الأصوات الغنائية المعروفة، مثل فريد الأطرش ومحمد فوزي ومع ذلك لم يقدر لغناء صباح في هذه الأعمال أن يكون في مستوى ما قدمته هذه الأصوات ومنها محمد فوزي وفريد الأطرش ومحمد سلمان وسعد عبد الوهاب من أعمال ونجاحات.
وعندما لحن كمال الطويل، وكان وقتها في بداياته بعد تخرجه من المعهد العالي للموسيقى المسرحية في الدفعة التي تخرج فيها العندليب الراحل عبد الحليم حافظ، وضع كمال الطويل لصباح لحنا يتناسب مع إمكانات صوتها وقدراتها التي بدت تتجه إلى العمق والرخامة واستطاع كمال الطويل من خلال الموقع الملائم للغناء في صوتها أن يعطي هذا الصوت البريق واللمعان الذي يناسبه وهو ما استفاد منه واضعو ألحان أغاني صباح بعد هذا اللحن الذي يعد نقله في أسلوب غناء صباح للأغنية "مال الهوي يامه" التي كتب كلماتها مرسي جميل عزيز.
ثورة المدينة
والمرحلة المتوسطة
بدأ الاهتمام بغناء صباح يظهر في منتصف الخمسينيات وبعد نجاح أغنية "مال الهوى يامه" التي وضع لحنها كمال الطويل في الفترة الزنية التي لحن فيها "على قد الشوق" لعبد الحليم حافظ "أسرار للحب" لنجاح سلام "الظلم حرام" لشادية "أسهر وانشغل أنا" لنجاة الصغيرة وأغنية "النار القايدة" لفايزة أحمد ومع هذه الألوان الجديدة من الغناء بدأت صباح تطلق لونها الغنائي الذي يناسبها، وبعد تجارب مع الألوان اللبنانية والألوان المصرية في السينما الغنائية، إلى أن عثرت على هويتها الغنائية، فقدمت الأغنية اللبنانية المعتمدة على سرعة الإيقاع والقفز من جملة موسيقية إلى أخري بسرعة، كما قدمت أيضا الأغنية المصرية التي وضع ألحانها كبار الملحنين فكانت أغنيتها خفيفة غالها، عاطفية ناعمة في بعض الأحيان، وشعبية صاخبة في أكثر الأحيان.
والتحول بدأ مع فيلم "ثورة المدينة" أمام محمد فوزي عام 1955، واستمر مع أفلام "دموع في الليل" صحيفة السوابق" وهبتك حياتي" "إزاي أنساك" مع فريد الأطرش "وكر الملذات" "نهاية حب" "حبيب حياتي" "شارع الحب" "توبة" "الرجل الثاني" "العتبة الخضراء" "الرباط المقدس" "جوز مراتي" "طريق الدموع" "الأيدي الناعمة" "المتمردة" "ثلاث نساء" وحتى فيلم "نار الشوق" الذي عرض عام 1969، وكان نهاية أفضل مراحل غناء صباح في السينما والحفلات والمهرجانات التي كان من أهمها الغناء في مهرجانات بعلبك وجميل في لبنان وحفلات أضواء المدينة في القاهرة والإسكندرية في مصر.
خلال هذه المراحل التي مر بها صوت صباح، نعتقد أن أفضلها المرحلة المتوسطة، وفيها تخلص صوتها من الرعشة التي لازمته في البدايات وأيضا من النبرة الحادة، وأصبح صوتها أكثر نضجا واستقرار ووضحت معالمه من مرونة وصقل ونقاء ووضحت كذلك قدرته على التعبير.
كان هذا التحول اذى بدأ مع غناء "مال الهوى يا مه" يوضح أن البدايات كانت تبشر بصوت جميل ولكنه غير مدرب بصورة تتناسب واختياره ليتصدر الأعمال السينمائية الغنائية في زمن عرف غناء ليلي مراد وأسمهان ونجاة على ونور الهدي ورجاء عبده، وقبلهن أم كلثوم ونادر، من رائدات الغناء في السينما العربية إن قراءتنا لملامح الجمال في صوت صباح يجعلنا نتوقف أمام العديد من النماذج الموفقة التي قدمتها والتى يحسب بعضها في الغناء اللبناني وبعضها في الغناء المصري.
وإذا كان علينا أن نحسب لها إضافة للغناء اللبناني، فإننا لابد من أن نتذكر أغنيتها الشعبية الناجحة "يا هويدلك" التي وضع لحنها فيلمون وهبة،وهي أغنية سبقت في الظهور والنجاح أغني شعبية لبنانية ظهرت بعد ذلك وقدمتها أصوات عربية كبيرة من لبنان وعلى غرار ما قدمته فيروز ونجاح سلام ونازك، وبعدما قدم وديع الصافي أغنيته المعروفة "ع اللومة" وهي التي تؤرخ للشعبيات الحديثة في الغناء اللبناني.
أما إذا أردنا أن نتوقف أمام جمال غناء صباح في الألوان الغنائية المصرية فإننا نبدأ بأغنية "راحت ليالي" التي وضع لحنها الموسيقار الراحل رياض السنباطي، وفي هذا العمل حاول رياض السنباطي استيعاب قدرات الصوت من الحفاظ على طابعه الجذاب، وذلك خلال الحرص على إبراز العنصر التعبيرى في تصوير معاني مفردات الكلمات، وتجسيد ذلك في الشخصية اللبنانية للأغنية التي تختلف عن غالبية ما قدمته صباح من ألوان غنائية.
لقد تميز الاتجاه الذي عرف المستمع صباح به باللون المبهج الذي يميل إلى الشعبيات والأغني العاطفية الخفيفة خلال هذا الخط الغنائي كانت إضافة كبار الملحنين لصوت صباح في أنضج مراحل غنائها والتى تمتد من عام 1955 وحتى عام 1970 وفيها اشتهر من غنائها الثنائيات التي قدمتها مع محمد فوزي في أفلامه الغنائية التي شاركته بطولتها ثم تلك الألحان التي وضعها لها فريد الأطرش ومن اشهرها "أكلك منين يا بطة" "حبيبة أمها" "زنوبة" وايضا أغنية "يا دلع دلع" التي قدمتها بعد تلك السنوات.. ولكنها امتداد أمين لهذا الخط من ألوان الغناء المرح التي وضع فريد الأطرش ألحانهاً لصباح.
وفي الاتجاه نفسه أيضا، قدمت صباح من ألحان محمود الشريف أغنيتها الجميلة "بعدين معاك" كما غنت أيضا من ألحان أحمد صدقي أغنيتها المرحة "يمينك لف" ومن ألحان سيد مكاوى "أنا هنا يا ابن الحلال" ومن ألحان رءوف ذهني "أكتر من حياته" كما غنت لحنا جميلا من ألحان رياض السنباطى وهو "راحت ليالي".
لقد استطاعت صباح أن تختار من أعمال كبار الملحنين العديد من الأعمال الجميلة التي تتناسب وصوتها وطريقتها في الأداء التي عثرت عليها بعد فترة ليست قصيرة، فكان لها ما أرادت ونجحت في تقديم إبداعات كبار الملحنين من خلال صوتها المميز خصوصا في المرحلة المتوسطة من عمرها الفني، والتى قدمت فيها من ألحان عبد الوهاب أغاني "ع الضيعة" "من سحر عيونك" "إنت أهلاوى ولا زملكاوى" كما غنت من ألحان منير مراد "روح على مهلك" "الحب آه زى العسل" ثم شهد صوتها تألقا واضحا مع محمد الموجي في غناء شعبياته ومن أشهرها "الغاوي" "الحلو ليه تقلان" "على الجسر العالي" "والله واتجمعنا تاني يا قمر" وأيضا عندما غنت من ألحانه العاطفية أغنيتها المعروفة "الدوامة".
ومع تألق صباح في غناء ألحان محمد الموجي، يزداد تألقا في ألحان بليغ حمدي وضع لها ألحان عشرات الأعمال الناجحة، ومنها أغاني للمسلسل "الحب الضائع" الذي أخرجه محمد علوان، وفيه قدمت صباح للثنائي بليغ حمدي ومحمد حمزة أغاني "يا خسارة" "يا خدو عيوني" كما غنت أيضا من ألحانه "يانا يانا" "كل حب وانت طيب" "أمورتى الحلوة" "جاني وطلب السماح" "عاشقة وغلبانة".
وإذا كانت صباح قد عرفت خلال السنوات الممتدة مع رحلتها الشهيرة والانتشار كمطربة سينمائية فإن لهذه الفنانة أيضا مساهمات واضحة في المسرح الغنائي اللبناني الذي اهتم فترة بالأعمال المسرحية الغنائية وقدمت صباح عددا من الأعمال التي وضع ألحانها الأخوان رحباني وفيلمون وهبة وزكي ناصيف ووليد غلمية، وحيث كان من بين هذه الأعمال مسرحيات مثل "شهر العسل" "موسم العز" "دواليب الهوي" وغيرها.
وإذا تأملنا رصيد صباح السينمائي فإننا نلحظ إن إنتاجه وعرضه في السنوات من عام 1944 وحتى عام 1969 بينما لم تقدم خلال الفترة من عام 1970 وحتى عام 1990 سوى فيلم واحد هو فيلم "ليلة بكي فيها القمر" الذي وضع ألحانه الدكتور جمال سلامة وحيث اشتهر من أغاني هذا الفيلم أغنية "ساعات.. ساعات" التي وضع كلماتها عبد الرحمن الأبنودي، وأغنية "ربما" من كلمات محمد حمزة.
في تلك السنوات أيضا، شهد صوت صباح تبدلا في مساحته وفي درجة نقاوته، وفي طبيعة لمعانة، وعلى الرغم من ذلك حرصت على تقديم المزيد من الأعمال الغنائية التي تشهد على استمرارية لونها الغنائي، ومن هذه الأعمال العديد من الأغاني التي عرفت طريق الشهرة والانتشار، والتى نذكر منها لحن فاروق سلامة "آه يا معلم"ولحن محمد سلطان "أنا كده دلوعة دايما" ولحن حلمي بكر "بياع كلام" ولحن جمال سلامة "يالا نعيش الحياة" ولحن محمد على سليمان "يا أبو الكلام ع الكيف".
إن من يستمع إلى أحدث ما غنت صباح من ألحان جمال سلامة مجموعتها الغنائية الجديدة "يلا نعيش الحياة" يلحظ هذا التبدل الذي طرأ على صوت صباح والذى أفقد، بعض مرونة وطلاوة ملامحه السابقة وحيث لم يعد فيه ذلك اللمعان السابق وجعل "البحة" التي تصحب الغناء خارجة عن نطاق "التزويق" الصوتى على عكس ما هو معروف عن البحة المميزة لبعض الأصوات.
غير أن من يتأمل كلمات اللحن الذي تؤديه صباح باجتهاد وإصرار ومثابرة وكأنها مغنية شابة في بداية الطريق، يستكشف الفلسفة التي تأخذ بها صباح في حياتها وأيضا في غنائها وظهورها الفني وبها تنجح في الوصول إلى أهدافها في الاستمرارية والإصرار عليها وعلى الرغم من التغير في صوتها والذي أشرنا إليه.

حسن الصوت واستقامة الأداء!
يطول عمر الصوت ويبقي أمد غنائه عندما يكون لهذا الصوت موهبة أصيلة وإضافة في خبرات وثقافات مكتسبة.
والغناء الجيد لا يتوافر إلا في وجود مغن جيد له الصوت الحسن والتصرف الواعي والقدرة الطيبة على نطق الألفاظ واستقامة الأداء في الدراية بقواعد الإعراب والمعرفة بأجناس الإيقاع.
ولقد أعطي هذا الفهم المتصل بعمر الصوت وطول أمد بقائه للغناء المنسوب للمطربة لور دكاش التي لم ينقطع صوتها عن الغناء خلال ما يزيد عن نصف قرن، وعلى الرغم من الشعور أحياناً بالابتعاد والغياب، وهو ما يعود للظروف المحيطة وليس للمكونات الأصلية في القدرات الصوتية وسواء أكانت بالنظرة أم بالمهارات المكتسبة.
صوت المطربة لور دكاش يتمتع بالطبيعة لجميلة ومخارج ألفاظها تخرج منها سليمة ليس فيها من اللثغ أو التشدق أي اعوجاج عن المسار الصوتي الذي يخرج بسلامته من يجيد قدرات التحكم في الطاقة الصوتية وحتى يبدو صلاح حال الصوت في معظم فترات عمره التي تطرأ عليها عوامل زمنية لا تفقد الصوت المدرب والبعيد عن الإجهاد علامات بداياته السليمة وحيث يستمر الصوت على الرغم من طول الأمد في التعامل مع المنطق السليم والمنطقة الصحيحة.
وعلى الرغم من الخلل البادي على خريطة الغناء وكما تتضح ملامح في صورة تقديم الراديو والتلفزيون ونشاط الحفلات الغنائية وتسجيلات الكاسيت، فقد أتاحت لنا التضاريس القليلة المواتية للاستماع إلى مخزون الرصيد الجميل من أغنيات الأمس أن نعود إلى بعض اللحمات الطيبة من هذا الغناء، وحيث أتيح لنا أن نستمع من غناء لور دكاش إلى أعمال ناجحة ومعروفة مثل لحن الفنان فريد غصن "آمنت بالله" الذي يعود إلى آخر أعوام الثلاثينيات ثم إلى ألحان أخري متفرقة ظهرت في الأربعينيات والخمسينيات وحيث لم ينقطع نشاط لور دكاش الغنائي حتى لحظة كتابتنا لهذه السطور، غير أن الإذاعة خاصة في سنوات الخمسينيات والستينيات وفي زمن محمد حسن الشجاعي كانت تسند لها غناء بعض مختاراتها، وحيث كان للتخطيط الغنائي الجيد أثر في قيام عصر ذهبي للغناء العربي في مصر، فقد كانت التقاليد تقوم على أن من يترك تراثه يفقد بوصلته الهادية إلى تحديد الاتجاهات أو كما تقول العبارات المعروفة "من فات قديمه تاه" وفي تعبير آخر نرى المقولة التي تقول: "من ليس له كبير يبحث عن كبير".
كان هناك العديد من علامات التوفيق الغنائي في مشوار لور دكاش غير أننا في بحثنا عنه بصدد الاستمتاع بالغناء الطيب والقراءة في هذه السطور لم نجد من بينه إلا عدداً محدوداً من الأعمال المسجلة على عدد قليل للغاية من الاشرطة التي تحمل اسم لور دكاش، وهي تسجيلات من إنتاج القطاع الاقتصادي باتحاد الإذاعة والتلفزيون في مصر بالاشتراك مع شركة صوت القاهرة.
مطربتنا في هذه القراءة اسمها "لور" واسم عائلتها "دكاش" ومن هنا جاء اسم شهرتها الذي يتصوره السامع كلمة واحد مفردة، وهذا ما اعتاده الناس ممن يتذكرون ذكر اسمها الفني لور دكاش.
وتقوم نشأة المطربة لور دكاش في وطنها ومسقط رأسها لبنان حيث ولدت في عام 1917 لاسرة لبنانية وبعدها عندما اشتد عودها تعرفت على فنون الغناء الموسيقي من خلال والدها المحب للغناء العربي والمتابع للجديد من روائع زعيمة الغناء العربي أم كلثوم فقد كان يداوم وابنته على سماعها عبر جهاز الجرامفون في زمن الانتشار المحدود للشبكات والمحطات الإذاعية، وعبر الوالد تعلمت لور دكاش العزف على العود الذي يعد رفيقها في الأداء حتى السنوات الحالية ومن خلال اهتمام الوالد غنت لور دكاش أغنيتها الأولي "طلوع الفجر" التي وضع كلماتها بطرس معوض الذي كتب لها أيضاً كلمات أغنيات أخري وكانت ألحان هذه الأغاني من الاجتهادات التلقائية والفطرية التي كان عليها غناء لور دكاش حتى كان حضورها إلى مصر في أواخر العشرينيات حيث كان تسجيلها لبعض أغنياتها في بواكير حياتها لدي واحدة من أهم شركات الإنتاج في تلك السنوات التي سجلت فيها أغاني "يا ويل حالي" "سوء تفاهم" "يا روح قد سكنت قلوبنا" وغيرها.
يبتعد غناء لور دكاش بين نشاط يتوزع بين مصر ولبنان وحتى تعود إلى ساحة الغناء في مصر بأغنيتها التي تعد الأشهر من بين أعمال الغناء المنسوب لها وهي أغنية "آمنت بالله" والتى تقول في مطلعها:
"آمنت بالله.. نور جمالك، آيه.. آيه من عند الله" وهي من ألحان فريد غصن الملحن العربي اللبناني وله اصول تركية جعلت لألحانه هذه الجماليات التي تعد مثل الجسر المتين الممتد بين فنون الغناء في المشرق العربي وفنون الغناء في جوار الأناضول.
أعان هذا النجاح المطربة لور دكاش بعد عام من إطلاق أغنيتها "آمنت بالله" 1939 بأن تحقق مكانة طيبة بين بنات جيلها من المطربات مثل نادرة وأسمهان ونجاة على ورجاء عبده وحياة محمد وليلي مراد وغيرهن، وحيث يساعدها ذلك على اعتراف الإذاعة المصرية الرسمية بصوتها وبموقعها الفني الذي وصلت إليه بكفاءتها الصوتية وحيث تعاقدت معها الإذاعة ممثلة في لجنة الاختيار التي شارك فيها مصطفى رضا عميد معهد الموسيقى الشرقية وعلى خليل مدير الإذاعة والموسيقار محمد القصبجى ومحمد محمود شعبان مدير البرامج، وحيث اتفقوا معها على تقديم وصلتين مدة كل منهما نصف ساعة كل 15 يوماً وقد سهل لها هذا التعاقد على الغناء في الحفلات العامة والمسارح الصيفية، غير أن السينما لم تقبل عليها مثلما أقبلت على معظم بنات جيلها ممن كان لهن حضور مستمر أو متقطع في السينما الغنائية في زمن أزدهارها الذهبي وعلى نحو ما كان في "أنشودة الأمل" الفيلم الغنائي الأول للمطربة نادرة وهو أيضاً أول أفلام السينما الغنائية العربية وفي أفلام أسمهان مثل "غرام وانتقام" و"انتصار الشباب" وفي الأفلام التي قدمتها رجاء عبده مثل فيلم "ممنوع الحب" وفيلم "ليت الشباب" وفي الفيلم الذي لعبت المطربة نجاة على بطولته أمام عبد الوهاب فيلم "دموع الحب".
ومن دون إقبال من الشاشة الفضية الكبيرة على المطربة لور دكاش أمتد نشاطها الغنائي بين فترات مكثفة العطاء وأخري قليلة الإنتاج ومنذ وضع خطها البياني الغنائي في رائعة فريد غصن "آمنت بالله" وفي إعادتها لتسجيل أغنيتها الأولي "طلوع الفجر" ثم كانت هذا التسجيلات التي استمعنا إليها مؤخراً وهي تنتمى إلى حقبة الخمسينيات وكان من بين هذه الغنائيات أغنية "حبيبي فين" وهي من تلحين الموسيقار الراحل عزت الجاهلي ومن كلمات الشاعر الغنائي إمام الصفطاوى، وهي أغنية ترى الحبيب في خصوبة وعظمة عطاء "النهر الخالد نهر النيل" ومن هنا جاء تعبير اللحن متدفق الجمل والإيقاعات والذى يفيد من مساحة الصوت الكبير وجمال مكوناته في أداء كلمات زاهية.
أما الموسيقار الراحل حسين جنيد مؤسس فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية فقد لحن للمطربة لور دكاش عدة أغن أتيح لنا أن نستمع إلى بعض منها مثل فريد الأطرش الشاعر الغنائي يوسف بدروس، كلمات مطلعها: "يا للي فراقك طال سهران أردد اسمك" فظهر اللحن على الطريقة الكلثومية التي ارتبطت بأسلوب الموسيقار العملاق الراحل رياض السنباطي في ألحانه الجميلة والفريدة لأم كلثوم.
وفي لحن آخر وضعه حسن جنيد وغنته لور دكاش من كلمات يوسف بدروس في أغنية "نسيتك يا للي ناسيني" يبدو جمال اللحن في رقته التي تنساب في عذوبة نغمية أعطت للصوت صفاء وحيوية وعبر أداء جميل متمكن قدم الكلمات الرومانسية الناعمة من خلال اهتمام الصوت، وحيث يتوافر لصاحبته سلامة التعبير التي تجيد تصوير المعاني التي يتضمنها النص الغنائي.
ومثلما غنت لور دكاش لأسماء عملاقة من جيلها من الملحنين والمؤلفين غنت أيضاً لأسماء قديرة من الجيل التالي ممن صحبوا بألحانهم عطاء الجيل الذي يتألق من رموزه أسماء مثل عبد الحليم حافظ ونجاة وشادية ونجاة سلام وفايزة أحمد ومثل الموسيقار الأصيل محمد الموجي الذي وضع للمطربة لور دكاش لحن أغنية "إن قلت لك" التي كتب كلماتها الشاعر المبدع محمد على أحمد الذي وضع صورة معبرة عن حيرة وتردد الإنسان في موقفه العاطفي من خلال كلمات تقول في مطلعها:
أكدب عليك إن قلت لك الحب نعيم!
وقد نجح محمد الموجي في تلحينه لهذه الأغنية في استغلال المنطقة البراقة واللامعة من صوت لور دكاش، سليم النسب، جميل الأبعاد والذى لم يحقق في مشواره الفني والغنائي الطويل والممتد نفس استمرارية اللمعان في الشخصية الصوتية إلا في عدد نادر من الأعمال، حتى وعلى الرغم من الامتياز الذي يتحقق للخامة الصوتية والمعمارات التي أضيفت لمعمارات هذا الصوت والذى أعطى له طول العمر وبقاء أمده الغنائي الذي حقق له وعلى الرغم من تعاقب السنوات ومرور المراحل وتراكم التجارب كل هذا القدر من البقاء وحسن الصوت واستقامة الأداء.

الصوت المنغم وجماليات التعبير
تبدو الأغنية التونسية بقوالبها وأشكالها المختلفة كأفضل صورة للتعبير المثالي عن استمرارية هوية الأغنية العربية التي يغلب عليها وعلى موسيقاها الطابع اللحني ذو الإيقاع،وهو العنصر الأساسي فيها إلى جانب اختلاف نسب الأبعاد بين الأنغام وربطها بما يلائمها من الأصوات وطرائق الإيقاعات.
إن الأغنية التونسية، تظل وعلى الرغم من المستجدات التي ترد إلى الساحة الغنائية العربية، وفيه للأخذ بتآلف الأنغام والأصوات لأحد أشهر الأصوات التي غنت وأطربت في عالم الغناء العربي التونسي.
هذه الحالة هي غنائيات المطربة "نعمة" التي حصلت بفنها، وبفضل إخلاصها وتصديها لأمواجه وتياراته المختلفة، على لقب مطربة تونس الأولي ومنذ بداية الستينيات بعدما شاركت مع من سبقوها في الريادة الغنائية في القطر الشقيق في إحياء حفلات أعياد الاستقلال في السنوات الأخيرة من أعوام الخمسينيات.
لقد سبق "نعمة" إلى عالم النجاح والشهرة المطربة الراحلة "عليا" وكانت موضوعاً لقراءة في صوتها في صفحات سابقة، والمطرب الراحل على الرياحي، ومن المطربات صفية وفتحية، بظهور نعمة أصبح للغناء التونسي مربعاً ذهبياً تعد "نعمة" في مقدم أضلاعه وهو ما تحقق في مسيرتها الغنائية ومنذ بدايات الستينيات وحتى نهاية السبعينيات، حيث قدر لها ولأسباب تعود لحياتها الخاصة، إن تبتعد عن النشاط الغنائي، ثم ما كان من عودتها مرة أخري إلى عالم تفوقها في سنوات الثمانينيات الأخيرة، حيث تمثلت عودتها بالأقتصار على النشاط الغنائي في الإذاعتين المرئية والمسموعة، وحيث انكمش حجم إحيائها للحفلات الغنائية وعلى نحو ما كان في نشاطاتها الغنائية السابقة، وقد تمثل أهم جديد أضافته "نعمة" إلى سجل أعمالها الغنائية أغنية جميلة تحمل اسم "ارجع" تتناول كلماتها مشكلة المغتربين العرب ممن يعيشون في أوروبا، وتعاملهم الظروف على أنهم من المهاجرين الأجانب، بينما الشعوب التي خرجوا منها تعتبرهم في موقع الأجنبي الذي انفصل عن أهله وعشيرته بعد ميلاد الجيل الثالث من أبناء هذه الجالات التي استوطنت غربي أوروبا.
وأغنية "ارجع" التي تغنيها بإحساس نادر المطربة "نعمة" من كلمات ابن مدينة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي الشاعر منجي عز الدين، ومن ألحان خالد المسلماني هذه الأغنية التي تعد مع أغنية عندليب العرب المطرب عبد الوهاب الدوكالي "مونبار ناس" من أصدق الأعمال الغنائية التي تتناول حال الجماعات المغاربية العربية المقيمة في الغرب الأوروبي، وهي أعمال قليلة على الرغم من تصاعد حدة معاناة هؤلاء البشر في ظل هجمات اليمين الأوروبي، واستثمار جماعات الضغط الصهيوني لهذه الحال كوسيلة من وسائل زعزعة الاستقرار العربي.
التكوين والانتشار
تنتمي المطربة "نعمة" إلى قرية "أزمور" في منطقة الحمامات التونسية وفي هذا المكان الهادئ البعيد عن العاصمة نشأ لدي نعمة حب فن الغناء من خلال حرصها على متابعة الحفلات الشهرية الشهيرة التي كانت تنقل على الهواء في محطات الإذاعة عندما كانت أزمنة الغناء الخصيب في سنوات زعيمة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم.
أحبت نعمة الغناء لكنها كانت لا تجرؤ على التصريح بهذا الحب في ظل تقاليد محافظة في قريتها وكانت تحول بينها وبين الإفصاح عن هوايتها التي لم يتح لها هدف الإفصاح عن رغبتها في الغناء، إلا عندما رحلت عن قريتها "أزمور" إلى العاصمة "تونس" حيث تخففت من التقاليد المحافظة والتحقت بمعهد الموسيقى والمعروف باسم "المعهد الرشيدى" والذى أقامه في الثلاثينيات الأمير رشاد الباي.
وبعد مراحل التدريب واكتساب المهارات في معهد الموسيقى، سعت "نعمة" لإجازة صوتها في الإذاعة التونسية في سنوات تعطش المواهب الوطنية لإبراز قدراتها في أعوام استقلال تونس عن التبعية الفرنسية تقدمت "نعمة" إلى الإذاعة في عام 1958 بأغنية "الليلة" التي كتب كلماتها صالح المهدي ووضع ألحانها محمد الجموسي وحققت نجاحاً صريحاً في الأداء والتعبير بإحساس عن الكلمات واللحن، وهو ما جعل نجاح هذه الأغنية يذهب باسم المطربة "نعمة" ويتردد عبر ألسنة عشاق فنون الغناء، وهم كثرة الناس من السميعة في القطر الشقيق.
أصبح اسم "نعمة" معروفاً في عالم الأغنية التونسية بتحقيق أغنية "ليلة" لكل هذا النجاح وقد تدعم النشاط الغنائي المقبل على دنيا الغناء بنيات صافية وطموحات كبيرة باهتمام الفنان التونسي الكبير صالح المهدي والملحن المعروف هميس الترنان، وعبر نشاطات معهد الموسيقى وحفلاته الدورية التي كانت نجمتها المطربة "نعمة" التي اتسع نشاط ما تقدمه من غناء باللقاء من الملحن التونسي الشاذلي أنور الذي وضع لها لحن أغنية "يا حبيب يا غالي" فكان إتقانها لأداء هذه الأغنية السبب المباشر في تحقيق تجاوب جماهيري كبير، ليس في تونس وحدها ولكن في الأقطار العربية المجاورة في ليبيا والجزائر والمغرب مما شجع الملحن التونسي الكبير على تلحين أعمال أخري لنعمة، حققت نجاحاً موازياً لنجاح أغنية "يا حبيب يا غالي" وهو ما كان أيضاً في أغان أخري من أهمها أغنية "كتر المشي" وأغنية "علينا".
غنت "نعمة" لغالبية من أبدعوا في مجال التلحين في تونس، فقد نجح صوتها عبر ألحان صالح المهدي ورضا القلعى وخميس الترنان والشاذلي أنور ومحمد الجموسي، كما نجحت أيضا وهي تغني لأسماء أخري مثل هادي الجوينى ومحمد رضا وعبد الحميد ساسي،ومحمد التريكى وغيرهم من ملحني تونس وبلاد المغرب وكل من محمد الموجي وبليغ حمدي وسيد مكاوى وغيرهم من ملحني مصر والمشرق العربي.
تمتلك نعمة صوتاً لم يزل قادراً ومعبراً وعلى الرغم من سنوات الابتعاد والظروف النفسية والصحية التي مرت بها وبصوتها، وهي ظروف كان من الممكن أن تؤثر على هذا الصوت الشجي الذي يتمتع بالصفاء وصخاء النغم غير أن الصوت عاد إلى مجاله وهو أكثر تركيزا في مناطقه الوسطي، وأوضح قدرة في قراراته غير أنه تأثر بعض الشيء في في جواباته، وهو تأثر لا تلحظه الآن مع خبرة "نعمة" في مجال الغناء وقدرتها على الإبحار الآمن بصوتها في مناطق الأداء المختلفة.
أننا عندما نتذكر غنائيات "نعمة" التي قدمتها في سنوات السبعينيات، وقبل أن يتوقف نشاطها لفترة عارضة وحتى عودتها ومنذ منتصف الثمانينات نلحظ قدرة هذا الصوت الخبير على الاحتفاظ بجوهره الذي ما زلنا نردد أشهر أعماله، كالأغاني التي حظيت بالشعبية والانتشار الذي كان لها وهي تقدم أغنيتها الشهيرة التي تقول فيها:
لبستك من عطفي حلة
معملتش في حبك زلة
ويا خسارة معرفتش مقداري
وهي أغنية تقدم الشعبيات التونسية عبر مفردات اللهجة التونسية المفهومة والأقرب إلى اللغة العربية الدارجة التي تميل إلى اللغة الفصحى، وهو وضع تكرر في الكثير من أغاني "نعمة" غير أغنية "لبستك من عطفي حلة" مثل أغاني "زين على زين" "من قد طويل" "قمري يا يمه" "كل يوم تجينى" "مكحول انظاره" "يا غايب" "لا ياحبيبي"
وإذا كنا بصدد الحديث عن جماليات التعبير وحلاوة الصوت التي لم تتأثر بالتوقف المؤقت قبل العودة، فإننا ما زلنا نذكر للمطربة "نعمة" إحياءها لنشاطات الأسبوع الثقافى التونسي الذي أقيم في الإسكندرية والقاهرة عندما قدمت المجموعة التونسية في عيد القاهرة الألفي رائعة "يا مصر إليك من الخضراء سلام الألفة والحب" التي وضع لحنها الشاذلي أنور وغنتها "نعمة" بمشاركة المطربة الراحلة "عليا" والمطرب القدير "أحمد حمزة" وكورال الإذاعة التونسية.
تبرهن مقومات الخبرة في أداء "نعمة" على قيمة الموهبة وأثر الدراسة، ودور الثقافة العامة في التحكم في إصدار الصوت، وقدرة المغني على التلوين، ومرونة التعامل مع حدود النطاق الصوتي، وهي اعتبارات مهمة في ثبات المغني على مستوى طيب يتجاوزه لمستويات أخري أفضل، تعينه على التغلب على عوامل كثيرة يعبرها الصوت، مثل السنوات والتجارب وجديد المنافسة، ولقد أعانت التربية الصوتية للمطربة "نعمة" ومنذ أعوام التكوين، صوت وأداء هذه المطربة الأخاذ الذي يعتني بالأداء والتعبير الأنيق على التعامل مع المتغيرات والعوامل المختلفة التي يعبرها الصوت الغنائي خلال سنوات تدرجه وصعوده السلم النغمي.
لقد تحقق لصوت "نعمة" هذا القدر الوفير من خبرة الأداء منذ سنوات النشأة التي قامت على حفظ القرآن الكريم، وتقويم اللسان بالتعود على النطق السليم وهو اتجاه أعطي هذا الصوت قدرته على الأداء المعبر، إلى جانب ما اكتسبه من مهارات في أداء المقامات العربية والقفلات الغنائية واستخدام الزخارف الصوتية باعتدال يعرف قدر هذه الحالي الصوتية، فلا يغالي في استخدامها وعلى نحو يظهر في الغناء المتكلف وغير السلس لبعض الأصوات، ولا فارق في هذا التوجه بين مطربة من جيل الرائدات وأخري من جيل الناشئات الصاعدات وهو الأمر الذي تعاملت معه المطربة "نعمة" بذكاء الاعتدال الذي يظل أهم خصائص هذا الصوت الذي تتوافر له سلامة التعبير وحساسية الأخذ بعناصر هذا التعبير والتى تمكن صاحبة هذا الصوت من تلوين الأداء وجذب الأسماع لهذا الأداء وبحيث لا تنقطع الصلة بين عشاق هذا الصوت وذلك التعبير الأخاذ الصادر عنه، حتى ولو ابتعد هذا الصوت إلى حين عن تقديم الجديد في مجال إبداعه الغنائي.
عاش غناء "نعمة" في الوجدان الغنائي لأنه قام على دعائم من الصدق الفني وحساسية التعبير، ولم يذهب هذا الغناء من الأسماع عندما توقفت صاحبته لفترة لكنه عاد أكثر سخاء في التعبير مع عودة الغناء الصحيح إلى ساحته وحيث لا يصح إلا الصحيح!.

صفاء الصوت ووفرة النغم
من غرائب ما يدور في عالم الغناء العربي في سنوات الانقطاع الحالية التي تبرهن على الانقطاع التام عن الينابيع والمصادر الأصيلة، ما نلحظه من خروج غالبية اتجاهات ألوان الغناء التي تحاصر الأسماع في هذه الأيام عن الأرضية التي عاش عليها الغناء العربي طوال سنوات معرفة الأسماع بهذا الغناء وحيث يقون هذا الغناء على أداء الألحان المقرونة بالقول الدال على المعني، ولأن الغناء العربي أكثر تمسكاً في التلحين بدقائق الأصوات فهو أكثر ميلا إلى الأجناس الموزونة بالإيقاع.
خروج الغناء العربي الحالي عن المسار الذي يخصه لا يقتصر على الحالة المصرية ألو الليبية أو اللبنانية فقط حيث أهم الظواهر التي يطلقون عليها الأغنية الشبابية، ولكن أيضاً يمتد هذا الخروج فيشوش الأسماع في اكثر من بقعة أخري على الخريطة العربية، بداية من أقطار المغرب العربي ونهاية بأقطار الخليج العربي، حيث تأخذ موجات الهبوط المساحات المفترض أن تشغلها مساحات الفن الرفيع المستوى، وعلى نحو نلحظه ونحن نتابع ساعات الإرسال الإذاعية والتليفزيونية وأيضاً برامج قاعات الموسيقى والغناء وأسواق بيع الأسطوانات والكاسيت.
وعطاء فنان شاب من طراز خالد الشيخ هو من ذلك اللون الذي ينشد أمل الخلاص من تراكمات الفن الهابط الذي يحاصر الأسماع في كل مكان من الأرض العربية وحيث التشويه المتعمد للذوق العام تحت مسميات ساذجة تحمل تارة أسماء الأغنية الشبابية، وتارة أخري الأغنية العصرية سريعة الإيقاع.
وخالد الشيخ فنان عربي من دولة البحرين يجيد الغناء مثلما يجيد التلحين، ويعيد نشاطه الغزير للاسماع سنوات ارتباط بعض الأصوات العربية الشهيرة بجميل عطائها للألحان التي قدمتها، وفي الأذهان أسماء عديدة لها بريق العطاء متعدد المواهب تلحيناً مثلما يحدث عندما نذكر أسماء عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمد سلمان وعبد العزيز محمود ومحمد الكحلاوي وغيرهم.
يتمتع خالد الشيخ بصوت مشرق، واضح النبرات سليم النطق، صريح القسمات يتميز بالصفاء ووفرة النغم.
وهو كفنان عربي يؤمن ببعث التراث العربي والتأثر بجديد النغم العالمي سواء المقبل من الغرب أو الشرق الشمال أو الجنوب، وهو في اختياراته لكلماته يميل إلى الكلمة المعبرة ويبتعد عن الكلمة الهابطة حتى وإن اضطره هذا الحرص على تناول الكلمات بالأسلوب التقليدي، وحيث أن التقليدية أفضل من التعرض لها من ذلك الطرق على الجديد وغير المألوف إذا كان له مثل هذا الطرح الساذج والهابط الذي يزدحم به عالم الغناء العربي اليوم.
تشعرك أعمال المطرب والملحن خالد الشيخ بقدرته على التنويع في اختيارات كلماته تأكيداً لمعني أن الغناء يقوم على أداء الألحان المقرونة بالقول الدال على المعني، وهو في اختياراته لكلماته يحرص على التجول معها من منطقة عربية إلى أخري، وخصوصاً من مناطق بيئته الخليجية التي تميز غنائياتها الحالية بالتناول والإيقاع السريع.
أفاد الفنان العربي خالد الشيخ من نشأته البحرانية، حيث عراقة النظام العربي وجمال الكلمة المستمد من موقع البحرين الخليجي المتوسط كمعبر مهم بين الموروث والمستحدث بين الوافد من الشرق والوافد من الغرب من دون تجاهل لقيمة الاستلهام التراثي العربي.
الغناء بالفطرة والصقل بالعلم
ويقوم غناء خالد الشيخ على مزيج من الموهبة الفطرية التي تقوم على الإقبال على فن الغناء من خلال أسلوب التلقين التقليدي وعلى الجانب الآخر الذي يقوم على تدعيم الموهبة بالدراسة الموسيقية التي تصقل الفطرة الموهوبة وتثرى عطاءها وتفيد من عناصر عبر اتساع سبل الطرق والتناول الفني.
وقدرة خالد الشيخ في الأداء تقوم على تربية صوته بالأسلوب العربي الرصين وحيث حفظ القرآن الكريم في سنوات الصغر، فقام على الإمساك السليم بقواعد النطق العربي السليم من حسن الإلمام بالكنوز التراثية، وهي التي تكسب الصوت قدرته على التعرف على قواعد الأداء السليم وخصوصاً أداء المقامات العربية ويسر الانتقال فيما بينها وأيضاً التحكم في أداء القفلات المختلفة مع عدم الإخلال بالفهم الصحيح لوضوح الزخارف والحلي والذبذبات الصوتية الدقيقة.
يبدو غناء خالد الشيخ وكأنه تصوير في التسعينيات لما دونه الملحن الرائد كامل الخلعي في كتابه الذي صدر في العشرينيات ويري فيه أن المغني المتمكن هو من كان صوته شجياً وصورته مقبولة وكلامه سليماً يسلم من عيوب النطق والتشدق، وله قدرات التحكم في طاقاته الصوتية.
وخالد الشيخ يلحن أيضاً، ومن ألحانه المعروفة ما قدمته أصوات أخري غير غنائه لألحانه مثل المطرب عبد المجيد عبد الله والمطربة العنود والمطرب إبراهيم حبيب والمطرب محمد البلوشي والمطرب عارف الزياني، وكلها أصوات خليجية تشغل مساحة من اهتمام المستمع العربي في هذا الجزء المشرقي من الأرض العربية.
لقد بدأ الصعود اللحني والأدائي لتعبير الفنان خالد الشيخ منذ أوائل السبعينيات من خلال اهتمامه بالعزف، وحتى كان اتجاه البدايات للتلحين، ثم خاض بعدئذ تجربة الغناء، وهو ينتمي إلى الجيل نفسه الذي بدأ مع السنوات الأخيرة من عطاء العندليب الراحل عبد الحليم حافظ، وهو جيل نذكر منه أسمائه هاني شاكر وأحمد السنباطي وعصام عبد العزيز وماجدة الرومي ووليد توفيق وغيرهم.
وفي الأغاني التي أداها خالد الشيخ من ألحانه نراه يهتم بالعودة إلى مخزون الشعر العربي الرصين فيلحنه ويقدمه في تناول وشكل فني مختلف وعلى نحو ما فعله وهو يقدم قصائد "مالك" "عاتب ولا تنس" "صدق من قال" وأيضا "هوى عينيك يا عصفورتي الشقراء" وهو في تلحينه لهذا اللون من الأعمال الغنائية يبدو واضح التأثر باستاذ فن تلحين القصيدة في اللحن العربي الموسيقار رياض السنباطي الذي وضع ألحان العدد الأكبر من قصائد الفصحي المغناة وخصوصا تلك التي غنتها أم كلثوم.
وكما ينجح خالد الشيخ في تلحين القصائد، ينجح أيضاً في تلحين الأغنية الخفيفة وعلى نحو هذا النجاح الجماهيري الذي حققته أغنيته "طاق.. طاق.. طاقية" وأغنيته الأخري "كمنجة" وهو يحقق المستوي نفسه من النجاح والجماهيرية في تنويعه لألحانه التي قدم منها عشرات الأعمال العاطفية التي حرص فيها على التناول المحترم للكلمات التي تميل للأسلوب الرومانسي مع الاهتمام بالتعبير اللحني المناسب وعلى نحو نشعر به في توفيقه في أداء وتلحين أغنيته "عيناك" وأيضاً في شدوه وتلحينه واختياره لكلمات أغنية "كلما كنت بقربي" وفيها يردد هذا المقطع:
كلما كانت بقربي.. تنطفئ نيران قلبي.
زادني الوصل لهيبا.. هكذا حال المحب
وهو في تلحينه لهذا اللون من الأغاني يميل إلى الجمل الموسيقية القصيرة والمركزة وتوظيف غناء الكورس بصحبة غناء المطرب، واستخدام التصفيق بالطريقة المعروفة في الشعبيات الخليجية وخصوصاً تلك التي تغني بالقرب من الساحل غنائيات الصيد والغوص.
وفي أغنية "تقدر تبتعد عني" التي يؤديها خالد الشيخ من ألحانه، يميل هذا الفنان إلى التعبير بالجملة الموسيقية القوية والقصيرة والمركزة والميل إلى استخدام المرجعات في النص واللحن وعبر توظيف جيد لتوزيع الآلات الموسيقية ووضوح دور "العود" كآلة موسيقية جيدة الصحبة للصوت البشري وعلى الرغم من وجود الآلات الموسيقية الحديثة والبديلة.
ومع تحقيق مثل هذه النجاحات في الأداء الموسيقي الطيب ذو المستوى الجيد في أعماله الغنائية يعرف هذا الفنان الشاب كيف يستثمر نجاحات أصحاب الهامات العالية من عمالقة التلحين العربي في الجيل الذي سبقه وأتيح له أن يعاصره، وعلى نحو تشهد به محاولاته الغزيرة التي استفاد فيها من طرق أساليب كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي والأخوين رحبانى في التلحين وعبر آلاف الأعمال الغنائية الشهيرة، وخصوصاً في سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وهو ما أضاف إليه خالد الشيخ خبرته التي تقوم على اجتهاده في الاستلهام من الفولكلور، حيث يحاول أن يضيف إلى عميق تأثره بخصب العطاء اللحني العربي الشائع تلك المحاولات التي يقوم فيها على السعي لبعث اللون الخليجي في الغناء، وعبر التنقيب في التراث القديم وطرق آفاق جديدة فيه من خلال طرح وغناء جديد، وعلى النحو الذي كان في تلحينه لأغنية المطرب السعودي عبد المجيد عبد الله "ارجع بالسلامة" التي كانت الإشارة التي أثارت اهتمامنا بألحان خالد الشيخ ونبهتنا لغنائياته في أدائه لألحانه التي استمعنا للعديد منها والتى ترقي إلى مصاف الأعمال الكبيرة التي تقف سبل التقديم القطري والإقليمي من دون أن تحقق هذا الانتشار العربي بمفاهيمه القومية والذي تحقق لغناء أجيال سبقت غنائيات هذا الجيل، الذي تظلمه أطر التقديم الإقليمي، وتحول دون انتشاره القومي رياح تيارات الغناء الهابط الذي يعلو ضجيجه ويزيد صخب تقديمه عن المقاييس السليمة والنسب التي يجب ألا يتجاوزها مثل هذا الغناء الذي استشرى خطره وأن له أن يتوقف ليتقدم الغناء الجيد والجميل.
إن من الغناء الجيد والجميل ذلك الغناء الذي استمعنا إليه من الصوت الذي نقرأ من ملامح عطائه هذه القراءة التي وفقتنا إلى أن نعرف من جميل غنائياته بعض هذه النماذج الطيبة مثل أغنية "جروح قلبي" وهي من ألحان فرقة المنوعات الكويتية، وأغنية "نعم. نعم" وهي من التراث اليمني، وضع لها التوزيع الموسيقى الجديد الفنان ميشيل المصري، وهناك أيضاً أعمال أخري عديدة وضع ألحانها خالد الشيخ وغناها بصوته الصافي الوفير النغم مثلما نجد في أغنية "كلما كنت بقربي" من كلمات أبو الحسن الششتري وأغنيته "أنا وياك" من كلمات على الشرقاوي الذي كتب مع إبراهيم بوهندي معظم كلمات أغانيه الناجحة مثل أغنية "البمبرة" التي تعرف باسم أغنية "ادعي على من دبح قلبي" وهي غير أغان أخري نتذكر منها "من غير زعل" "أحب الناس" "جراح في عيون الحب" "حبيبي بشر" "يا تعب حالي" "وينك يا عازف عود" وغيرها من الأعمال التي تضاف على سجل الأعمال الطيبة، التي يجب أن تجد من يؤازرها لتقف في وجه الأعمال الرديئة التي يعلو صخبها وتلوث البيئة الغنائية العربية، التي آن لها أن تشكل رأياً عاماً يحمي هذه البيئة من عوامل التلوث الصوتي التي تهدد بالانهيار التام للذوق العام.



التحميل من هنا
من مواضيع asdmamdouh في المنتدى

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 03:13 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
منتديات عالم الا انا



مكياج مركز تحميل لذيذة عالم حواء العاب بنات العاب طبخ شباب ياناسو اندرويد العرب دليل المواقع

الدورات التدريبية بجامعة نجران


SEO by vBSEO 3.2.0 RC7