عبادة الذات لا تتناسب مع عصرنا

فيدل كاسترو يروي قصة حياته (12/11/2007) * عن صحيفة "الغارديان" ترجمة: أمل الشرقي * في كوبا, نعاقب على الافعال لا على الافكار. * قدري هو ليس المجيء الى العالم كي اخلد الى الراحة في اواخر العمر. * من حسن حظ الذين صنعوا الثورة في كوبا ان العمر امتد بهم كي يربوا ثلاثة اجيال على افكار مشتركة. * حتى اباطرة الرومان لم يتمتعوا بسطوة تضاهي سطوة رئيس الولايات المتحدة. مقدمة القسم الثاني من كتاب »حياتي« الذي وضعه الرئيس الكوبي فيدل كاسترو بالاشتراك مع اغناسيو رامونيه يضم حوارات اجراها رامونيه مع كاسترو تناولت رؤيته للثورة ومستقبل كوبا ودوره كقائد وثائر. »العرب اليوم« تنشر نص تلك الحوارات كما ظهرت في صحيفة »الغارديان« البريطانية. * الذين ينتقدون الثورة يلقون باللوم كاملا عليك. انهم يتحدثون عن »كوبا كاسترو«؟. - هؤلاء الاشخاص يميلون الى الشخصنة. انهم يعتبرونني ممثلا لكل شيء, كما لو ان الشعب غير موجود, ملايين الاشخاص الذين ناضلوا, والذين دافعوا عن الثورة, ومئات الالوف من الاطباء واصحاب الحرف, اولئك الذين يزرعون وينتجون ويدرسون, هؤلاء الناس غير موجودين. كل ما هناك هو ذلك الرجل الشرير المدعو كاسترو. ليس لك ان تتصور عدد المرات التي اقوم بها بتوقيع الاوتوجرافات.. عندما اقابل الامريكيين الذين يأتون الى هنا ويتحدثون الي.. احيانا يكون هناك خمسون شخصا في اللقاء الواحد, يقدمون لي باقات الزهور او اي شيء, وعدد الكتب والبطاقات والاشياء التي علي ان اوقعها, وعدد الصور التي اتركهم يلتقطونها لي, وكل ذلك الكم من ومضات اضوية التصوير حتى تصعب عليك الرؤية, شيء لا يكاد يصدق. وهكذا اخمن بأنني نوع من الشخصيات الغريبة غير الواقعية. * نجم؟ - نعم. شخص عليك ان تقتنص شيئا منه على عجل كيما يمكنك القول فيما بعد »انظر هذه صورتي مع فلان او علان«. لكنني اكثر انتقاد ذاتي عندما اقول الكثير او عندما يجري على لساني قول قد يوحي بالقليل من الغرور. فأنا شديد على نفسي, شديد جدا. عليك ان تظل تراقب نفسك. النفوذ والسلطان لم يحولاني على مر السنين الى شخص مغرور او معتد بنفسه وما الى ذلك... كل يوم اعتقد بأنني اقل تيهأ, اقل اعتدادا, اقل رضا عن نفسي انه, كما تعلم, صراع ضد غرائزك. اعتقد ان التربية او التربية الذاتية الصادقة والدؤوبة هي التي تحول الحيوان الصغير الى انسان. الذين يعرفون نابليون من خلال الكونياك الذي يحمل اسمه اكثر من عدد الذين يعرفونه من خلال جميع الامور التي قام بها الجنرال والامبراطور الحقيقي. لذلك تجدني اقول: لماذا تهتم؟. * هل خطر لك ان تفكر بالتقاعد؟ - معروف ان الزمن يمر والطاقات الانسانية تتلاشى لكني سأحدثك بما حدثت به رفاقنا في الجمعية العامة عام 2003 عندما انتخبوني رئيسا لمجلس الدولة. قلت لهم: »ها انا ارى ان قدري هو ليس المجيء الى هذا العالم والخلود الى الراحة في اواخر العمر«. ووعدتهم بان اظل معهم, اذا ما رغبوا, طوال ما هو ضروري, طوال ما شعرت بأنني مفيد لهم, لا دقيقة اكثر ولا دقيقة اقل. كل عام, اكرس المزيد من الوقت للثورة. اعطيها المزيد من اهتمامي, لان المرء يزداد خبرة, ويكون قد فكر اكثر وتأمل اكثر. يقول افلاطون في كتابه »الجمهورية« ان السن المثالية لشغل مواقع الحكم هي ما بعد سن الخامسة والخمسين في رأيي ان كان عليه ان يقول ان السن المثالية هي ما بعد الستين. واظن ان سن الستين على ايام افلاطون تقابل سن الثمانين اليوم. * وكيف هي صحتك؟ - حسن, انا في وضع ممتاز. بشكل عام اشعر انني في وضع ممتاز. اشعر انني ممتلئ بالطاقة ولدى حماسة عظيمة لكل شيء. واشعر انني في حالة جيدة, جيدة على الصعيدين البدني والذهني. انا متأكد ان اعتيادي ممارسة الرياضة قد ساهم في ذلك. في رأيي ان التمارين الرياضية لا تساعد العضلات وحدها انما تساعد الذهن ايضا لان التمارين تؤثر على الدورة الدموية وعلى وصول الاوكسجين الى الخلايا بما فيها خلايا الدماغ. * وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية كانت قد اعلنت عام 2003 انك مصاب بمرض باركنسون. فما تعليقك على ذلك؟ - انه اعتراف بعجزهم عن تحقيق ما ظلوا يحاولونه طويلا وهو اغتيالي. لو كنت رجلا مغرورا لقلت اني اشعر بالفخر يملأني لكون هؤلاء المغفلون مضطرين الان الى القول بان عليهم الانتظار لحين موتي. انهم يخترعون حكاية جديدة كل يوم كاسترو مصاب بالداء الفلاني وكاسترو يعاني من المرض الفلاني. وكان آخر ما جاءوا به هو انني مصاب بداء باركنسون. حسن, ماذا يهم لو انني مصاب بداء باركنسون. البابا يوحنا بولص الثاني كان مصابا بداء باركنسون وقد طاف العالم كله على مدى سنوات لا احصيها. * لو انك كنت ستموت لهذا السبب او ذاك, فهل اخاك راؤول هو خليفتك المؤكد؟ - لو حدث لي شيء في الغد فان الجمعية الوطنية سوف تجتمع وتنتخبه. ليس هناك ادنى شك في ذلك. لكنه يضاهيني في التقدم في السن. لذا فهناك هوة بين الاجيال. لقد كان من حسن حظنا نحن الذين صنعنا الثورة اننا قد تمكنا من تربية ثلاثة اجيال. لقد كانت هناك على الدوام علاقات وثيقة مع الشباب والطلاب. لدي قسط عظيم من الامل لانني ارى بوضوح ان هؤلاء الذين ادعوهم بالجيل الرابع سيمتلكون من المعرفة ثلاثة او اربعة اضعاف ما امتلكناه نحن ابناء الجيل الاول. * اذن, فأنت تعتقد ان الصولجان يمكن ان ينتقل الى يد اخرى من دون مشاكل؟! -لن تكون هناك مشكلة من اي نوع حاليا, ولن تكون هناك مشكلة لاحقا. لان الثورة ليست مستندة الى عبادة الشخصية. انه امر غير وارد في المجتمع الحديث ان تجد الناس يقومون بأمور لا لشيء الا لان لديهم ثقة عمياء بالقائد. الثورة مستندة الى مبادئ. والافكار التي نحميها كانت, على مدى وقت طويل, افكارا مشتركة لدى الشعب قاطبة. * انت شخص محبوب, لكن هناك من يتهمك بأنك ديكتاتور قاس؟ - لا ادري لماذا يسمونني بالديكتاتور. من هو الدكتاتور؟ انه الشخص الذي يتخذ قرارات اعتباطية من جانب واحد, انه الشخص الذي يتعالى على المؤسسات ويتصرف من فوقها, ويتعالى على القانون ويتصرف من فوقه, انه الشخص الذي لا يخضع لضابط سوى اهوائه ورغباته. في هذه الحالة, يمكن اعتبار البابا يوحنا بولص الثاني الذي عارض الحرب ديكتاتورا, واعتبار الرئيس بوش اكثر الحكام ديمقراطية. هكذا يعامل في دول اوروبا الصناعية من دون الاخذ بعين الاعتبار ان بوسع بوش ان يتخذ قرارات شنيعة من دون استشارة مجلس الشيوخ او النواب, او حتى وزرائه. حتى اباطرة الرومان لم يتمتعوا بسطوة تضاهي سطوة رئيس الولايات المتحدة. انا لا اتخذ قرارات من طرف واحد. وحكومتنا ليست حكومة رئاسية. لدينا مجلس دولة, ووظائفي كزعيم جزء من حكم جماعي. لدي, بالطبع, سلطتي ونفوذي لكنهما مستمدان من اسباب تاريخية وانا لا احكم ولا اصدر الاوامر بمراسيم. * وماذا عن تهمة القسوة؟ - اعتقد ان الرجل الذي يكرس حياته كلها لمحاربة الظلم والاضطهاد من اي نوع كان, ولخدمة الاخرين والكفاح من اجلهم, وللتبشير بالتضامن وممارسته لا تتماشى القسوة مع صفاته. كل تلك الدعاية تستند الى الكراهية والى الاكاذيب كيف يمكن لاحد ان يدعي ان هناك ولو شخصا واحدا تعرض للتعذيب في كوبا؟ او انني امرت بتعذيب شخص ما؟ هنا, لم يسجن احد ابدا لكونه منشقا او لانه يرى الامور بشكل مختلف عن رؤية الثورة. محاكمنا تحكم على الناس بالسجن تبعا للقانون. وهي تدين الافعال المعادية للثورة. على امتداد التاريخ, وفي كل العصور, اعتبرت اعمال الاشخاص الذين يضعون انفسهم في خدمة القوى الاجنبية ضد دولتهم اعمالا خطيرة جدا. ان فكرة كون الناس يوضعون في السجن في كوبا بسبب حملهم لمعتقدات تختلف عن معتقدات الثورة فكرة تستحق السخرية. فهنا نعاقب على الافعال, لا على الافكار.
م ن ق و ل