حالة اغتراب
جلسا على الأريكة في المتنزه الصغير ، كانت هي مرتبكة ، حائرة ، بينما بدا الوثوق على ملامحه .. انسلت الكلمات من شفتيها مهزوزة حينما قالت :
ـ لماذا تكتب عني وأنا لا أستحق ذلك
ـ لأنك سيدتي يا سيدتي ..لأنك بلادي وأنا أحب بلادي
ـ ولكنك تخلدني كما لو كنت الوحيدة في حياتك
ـ وهذا مبتغاي.. أنت حقا الوحيدة في حياتي
ـ والأخريات ..؟؟
ـ كن محطات ..مررت بهن ، ربما توقفت، واسترحت لبعض الوقت..غير أن واحدة منهن لم تظل فيّ.
ـ لماذا أنا بالذات..ما وجه الاختلاف بيني وبينهن؟؟
ـ الحب شيء لا نعرف عنه الكثير..يأتينا ، يستوقفنا دونما إذن منا..إنه دائما يمتطينا.
ـ ولكن لم تقل أنك تحبني..
ـ إن أجمل القول هو الذي نصمت حينما يقترب من شفاهنا ..لنتحول به إلى حالة لا ندرك كنهها.
ـ لا أفهمك أحيانا..وهذا الذي يشدني إليك..أتعرف ذلك؟؟
ـ …
ـ واشعر بحالة اغتراب تتملكني في غيابك
ـ لكني أشعر بهذه الحالة في حضورك
ـ لماذا؟!!
ـ لأننا دائما نشعر بحالة الاغتراب حينما نحب..
صمتت هي ..بينما كان ينفض هو سيجارته بعد أن سحب منها النفس الأخير دون أن ينفث دخانه..
ذات أيـــار
في الحجرة الصغيرة كانت المرأة الجميلة المرتبكة تجلس على كنبة سوداء.
في الحجرة الصغيرة كان يجلس الرجل المرتبك وهو يدخن سيجارته بشيء من الصمت.
كان بينهما منضدة من خشب السويد ، عليها منفضة من المعدن مليئة بأعقاب السجائر.
كانا ينتظران هذا اللقاء منذ زمن بعيد ، كان هذا اللقاء في أيار.
هويحب أيار بلا هوادة ..يحبه حد الثمالة..وقدر لهذا اللقاء أن يكون في أيار.
في لحظة صمت لم تدم، بدأ يتحدث بعيون يملأها الحزن..تحدث عن مستقبل مضطرب لا يظهر له أفق.. بينما تحدثت هي بعيون باكية منتحبة حد الصراخ..
في هذه اللحظة ..قامت من مكانها ثائرة ، وارتمت في حضنه..دفنت رأسها في صدره، وراحت الدموع تخترق الصدر المرتجف كشلال من الماء الحار.
قالت له في هذه اللحظة..احبك حد الجنون أيها المجون..تعال نموت في هذه اللحظة التي لن نجدها ثانية
تخــاطر
في البدء كان يراها مجرد امرأة جميلة لها عيون ساحرة..امرأة تمشي بتؤدة وحنان يجعلان المرء يتعوذ لهما.
حينما رأته في ذلك البيت لم تر فيه سوى رجلٍ رقيق مهذب الكلام ، وإذا ما تكلم يسلب النفس استقرارها.
في كل يوم كان يرى بأن شيئا ما كان يزيد عليها، وكأنها لوحة ما زالت بيد رسام.
في كل يوم كانت ترى أن الذي تراه اليوم ليس هو ذات الرجل الذي رأته بالأمس.
حينما كانا يجلسان قبالة بعضهما ، يمكثان طويلا في حالة صمت لم يعهدها كل منهما.
ذات يوم وهما في هذه الحالة..نظرا ببعضهما وقالا في ذات الوقت:
ـ ما رأيك في أن نحتسي فنجان قهوة سويا!!
فنجـان قهـوة
تعودا أن يحتسيا سويا في كل مساء فنجان قهوة، كانت تمنحه في كل مساء ذات الفنجان الذي قال في أول مرة إن تصميمه رائع.
في تلك الأمسيات كانا يتحدثان بأروع المفردات ..فيمتشقان بها القمر والنجوم.
تحت دالية العنب كانا يجلسان في ذات المكان ، وعلى ذات المقعدين ، فتناجي نفسيهما بعضها ويغوصان في بحر من السحر الأخاذ..
ذات ليلة وتحت ضوء القمر استرقا قبلة ظل يذكر رحيقها حتى اليوم.
وفي ذات ليلة جاء يودعها بكلمات حزينة لأنه سيبحث عن مكان ما يعمل فيه.
بعد تلك الليلة ، جمعت فناجين القهوة من بيتها وأودعتها سلت النفايات، هي والبن الذي حرمته، ولم تبقي إلا ذات الفنجان الذي قال إن تصميمه
رائع.