د.ناصر بن يحيى الحنيني
الحمدلله الذي الخلق فسوى ، وجعل من الزوجين الذكر والأنثى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى ، والصلاة والسلام على خير ولد آدم وحوا ، وعلى آله وأصحابه أولى النهى وعلى زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين النجبا وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم في السرائر تبلى أما بعد :
أيها المسلمون : إن الله سبحانه من صفاته الحكيم العليم ، ومن حكمته أنه خلق الخلق وشرع لهم ما يصلحهم كل على حسب خلقته ومن بديع صنعه أن جعل نسل بني آدم زوجين اثنين الذكر والأنثى ، فظهرت حكمته وظهر واسع علمه فيما شرع ، فما سعدت البشرية في شتى مجالاتها ، وتعدُّدِ اتجاهاتها ، بغير هدي الإسلام وشريعة الملك العلام ، في كل نواحي الحياة ، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها، وصدق الله إذ يقول : { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} [البقرة:231]،
أيها المسلمون : ومن القضايا التي أولاها الإسلام عناية كبرى ، ومنحها مزيةً عظمى قضية المرأة ، نعم قضية المرأة التي لم يستطع أي دين أن ينصفها أو يسعدها غير دين الإسلام ، بل إننى أقول إن الإسلام جعل المرأة –بشريعته الخالدة – سرَّ نجاحٍ، وعامل بناء، وعنوان أمة رائدة، وصمام أمان ، فالإسلام لم يقتصر على سعادتها بل جعلها سببَ إسعادِ المجتمعِ كلِّه ،فقد قص الله لنا في كتابه المقدس- المبُرَّإِ من كل عيبٍ ونقص؛ كيف لا يكون كذلك وكلامه أحسن كلام في الوجود وهو صفته التي اتصف بها سبحانه- قص لنا قصص نساء رائدات في عصرهن للعفة والطهر وداعيات للخير والبر ، فمريم عليها السلام قال سبحانه عنها :{ إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين }آل عمران [42] ، وجاء في الحديث الصحيح كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم : ( خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد) قال الحافظ [في الفتح6/543]:"خير نسائها مريم أي نساء أهل الدنيا في زمانها"أ.هـ ، وخذ مثالاً آخر وهي آسية امرأة فرعون المؤمنة الصابرة العاقلة الفطنة التي قدمت الباقي على الفاني فرحمها الله ورضي عنها التي ابتليت بالطاغية فرعون وضربت أروع الأمثلة في الجهاد والصبر على الأذى والثبات على المبدأ قال سبحانه عنها : {وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } [التحريم:11]، وجاء في الصحيحين -واللفظ للبخاري- قال صلى الله عليه وسلم : (كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ،وإن فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ، ويسطر لنا الكتاب العزيز عفةَ امرأةٍ ثالثة ما عرف التاريخ أعفَّ ولا أطهرَ منها إنها الصديقة بنت الصديق زوجُ أحبِّ الخلق إلى الله أمُّ المؤمنين الحصان الرزان زوجته صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها يقول سبحانه ذاكراً أخصَّ صفاتها وهي الطهر والعفاف فقال سبحانه :{ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } إلى أن قال { أولئك مبرأون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } [النور:23-26]، قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية : "هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات –خرج مخرج الغالب – المؤمنات ، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ، ولا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما ، وقد أجمع العلماء-رحمهم الله- قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به الذين ذكروا في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن"أ.هـ .
وأما السنة المطهرة فطافحة بالأمثلة والنماذج من النساء اللاتي قدمن للمجتمع والأمة مشروعات ناجحة وأعمال جليلة ويكفي أن نشير إلى مثالين لم يهملا في سنة المصطفى ولا في تاريخنا الإسلامي فهاهي خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة ضربت أروع الأمثلة في المرأة التي كانت عوناً لزوجها على أداء رسالته ونجاحه في مهمته وسبباً في ثباته على مبادئه وقالت له قولتها المشهورة لما جاءها خائفاً ترعد فرائصه لما بدأ نزول الوحي عليه فقال لها –كما في البخاري : (لقد خشيت على نفسي ) فقالت : " كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصلُ الرحم ، وتحملُ الكل ، وتكسبُ المعدوم ، وتَقْري الضيفَ، وتعينُ على نوائب الحق " الحديث ، والمثال الثاني : أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين –رضي الله عنها وعن أبيها - التي ضربت المثال في البذل والجهد في نصرة الدين ونصرة رسوله الكريم ،جاء في البخاري عن عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة الطويل : (فجهزناهما –تعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر رضي الله عنه –أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق وفي رواية ذات النطاقين) وتاريخ المسلمين حافل بذكر النماذج النسائية الناجحة اللاتي كن قدوات لغيرهن في شتى المجالات الحياتية والتي نفخر بها على مر التاريخ.
وكذلك اعتنى الإسلام بالمرأة في كل تشريعاته ،وجعل النساء شقائق الرجال في غالب أحكامه ، فانتظم عقد المجتمع المسلم في سامق بنيانه ، وتوطد البيت المسلم في ثابت أركانه ، وافتخر المسلمون بين الأمم بجميل حلله وهباته .