دعني أولا أختبر ذكاءك - ومشاعرك الإنسانية - من خلال هذا السؤال الغريب :
في حال ضربت المجاعة احدى القرى وكان هناك اربعة اشخاص ( شاب ، وشابة ، وطفل ، وعجوز مريض) لا يملكون طعاما إلا لثلاثة أفراد فقط .. فمن ترشح للموت جوعا ؟
معظم الناس سيقولون : العجوز المريض ..
ولكن الصحيح هو أن طعام الثلاثة يكفي أربعة .. والأربعة يكفي خمسة .. وليس هناك داع لموت أحد !؟
وهذا "الاختبار" مجرد مثال على خوفنا من الموت جوعا وعجزنا عن التفكير بإنسانية حين يتعلق الأمر (بأدنى خطر) يهدد بقاءنا على قيد الحياة .. فرغم أن جميع الأمم مرت بفترات أكل فيها الناس بعضهم بعضا ؛ إلا أن معظم هذه الأزمات حدثت بسبب الخوف من الموت جوعا وليس نتيجة للجوع نفسه ..
ففي عام 1908مثلا بدأ الناس في مدينة مسينا بايطاليا بأكل بعضهم البعض بعد ثلاثة أيام فقط من وقوع زلزال كبير ضرب المدينة . وخلال حصار الألمان لستالينجراد بدأ الاهالي بأكل من توفي من اقربائهم بعد خمسة أيام فقط ، وكان المحظوظ من يعيش ضمن عائلة كبيرة.. وفي عام 1972تحطمت طائرة تشيلية فوق جبال الأنديز وخوفا من الموت جوعا عمد الناجون إلى أكل زملائهم الأموات (رغم أن انقاذهم تم بعد أسبوعين فقط) ..
أما في مصر فكان الناس مهددين دائما بشح النيل الأمر الذي تسبب بمجاعات دورية . وقد أحصى فيها المؤرخون 21مجاعة كبيرة حصلت بين دخول الإسلام وبداية القرن التاسع عشر. وقد وصف المؤرخ عبد اللطيف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار" المجاعة التي حصلت بمصر بين عامي (1198-1201) وقال إن الفقراء كانوا ينبشون قبور الموتى لأكل الجيف وأن أكل لحوم البشر لم يعد يثير الاستغراب - بل غدا الاثرياء يأكلونه لمجرد الوجاهة بعد انتهاء المجاعة ..
أما أسوأ الحوادث فوقعت خلال المجاعة الكبرى التي ضربت الصين بين عامي 1969و 1971وقضت على 20مليون نسمة . ففي تلك الفترة اخرجت الجيف من القبور وتُصيد الاطفال بالشناكير ودخلت العصابات على البيوت وبيعت العائلات في أسواق اللحم !!
وهذه الفظائع كانت تحدث غالبا من أشخاص أصحاء يخشون الموت جوعا وليس نتيجة للجوع نفسه ؛ فالانسان عند أدنى شعور بالخطر والحرمان يتضخم لديه حب البقاء فتهون في نظره حياة الآخرين .. فمن الناحية الطبية يمكن للانسان العيش 40يوما بدون طعام (والعيش لأكثر من 72ساعة بدون ماء ) . فبعد ثلاثة أيام فقط يبدأ الجسم بالتأقلم مع الوضع الجديد ويزول إحساس المرء بالجوع وينتابه إحساس لطيف بالهدوء والسكينة . ولكن ما يحدث في الأزمات والكوارث هو نوع من الهوس الجماعي والرغبة في البقاء على حساب الآخرين !!
... والمشكلة الأكبر من الجوع - والخوف من الموت بسببه - هو تبلور عادات اجتماعية فظيعة لا ترتبط بالكوارث الانسانية أو نقص الغذاء ؛ فرغم ان اكل لحوم البشر ارتبط في أذهان الناس بالتوحش والبدائية إلا ان معظم المجتمعات التي تمارسه كانت مجتمعات سوية ومكتفية غذائيا .. ففي شرق الهند مثلا كانت تنتشر عادة أكل الوالدين من قبل الأبناء كي لا يهانا بدفنهما في التراب . ولدى قبائل الدييري كان يتم أكل الأقرباء وذوي العاهات بحجة أن ذلك يضمن استقرار أرواحهم المعذبة . ولدى عشائر "التوكودس" الهندية كانت الأمهات يأكلن أولادهن المتوفين بدافع العطف والحنان .. أما لدى القبائل السوداء في غينيا الجديدة فكان الاقرباء يأكلون من يحبون اكراما لهم بدل تركهم طعاما للدود والحشرات !
( ... وأيا كان السبب والدافع ؛ أفكر جديا بالتحول للطعام النباتي ) !