يتوقف النمو بفعل انقسام الخلايا السريع عند الولادة، وبعد ذلك يبدأ حجم الخلايا في التضخم والنضج. فخلايا الكليتين مثلاً تبدأ تدريجيًا في تركيز البول بفعالية أكبر. كما تشكِّل خلايا الجهاز العصبي غلافًا واقيًا، وتؤلف الأساس لسلسلة معقّدة من التوصيلات التي تمكِّن الوليد من التحكم في حركاته، ومن تعلم مهارات جديدة.
يؤثر في نمو الرضيع ونشأته عاملان رئيسيان، هما الوراثة والبيئة. فالوراثة تقرر الصفات التي يرثها الأطفال عن آبائهم وآمهاتهم عن طريق الصبغيات، بينما تدخل ضمن نطاق البيئة جميع العوامل التي تصبح على ارتباط منتظم مع الرضيع، بما في ذلك نوع الرعاية التي يتلقاها.
وتترك البيئة تأثيرها على شخصية الرضيع. كما أن هنالك عوامل أخرى قليلة إلى جانب الوراثة والبيئة من شأنها أن تؤثر على نمو الرضيع ونشأته. وتشمل هذه العوامل الحوادث والأمراض، وهي أمور لا يستطيع الأبوان التحكم فيها.
ويعتبر الحرمان العاطفي والجسدي من العوامل البيئية التي تؤثر على نمو الطفل ونشأته. فالأطفال الذين ينشأون في بيئة معيشية فقيرة، قد يكونون أصغر حجمًا، وأكثر عرضة للمرض والحوادث. كما أن أولئك الذين لا يلاقون الكثير من الحنان والتدليل والحب، قد يميلون للكسل وفتور الهمة، وتتضاءل شهيتهم للطعام، وقد تصل بهم الأمور إلى حد الموت إذا كان الإهمال شديدًا.
ومن المهم أن يتلقى الرضيع غذاءً صحيًا كافيًا. فالأطفال الذين لا يتناولون الغذاء الكافي يتباطأ نموهم، كما أنهم قد يتعرضون لأمراض تسبب تشوهات بدنية دائمة مثل داء الرخد (الكساح)، علمًا بأن المعاناة من الجوع لفترة طويلة، قد تؤدي إلى تلف في الدماغ. غير أن الطفل يستعيد تقريبًا كل مافقده من وزن أثناء إصابته بالمرض بعد أن يُشفى.
يبدأ الرضيع في النمو بعد وقت قصير من الولادة، ويستمر هذا النمو طوال فترة الرضاعة، بل وفي مراحل الحياة المختلفة. غير أن معظم الخبراء يعتقدون أن التجارب المبكِّرة في حياة الطفل لها تأثير قوي بشكل خاص على تطور شخصيته فيما بعد. فمثلاً يتعلم الأطفال ترك البكاء بسبب عدم تلبية رغباتهم حين يبكون، بل يظلّون مستلقين في أَسِرّتهم بهدوء دون أن يسبِّبوا الكثير من الإزعاج. غير أن نموهم العاطفي والذهني والاجتماعي ما يلبث أن يتأخر عن أقرانهم من الأطفال. أما الأطفال الذين يلقون الحب والرعاية الحانية ـ أو أولئك الذين يظلون على علاقة وثيقة ومتفهِّمة مع الأبوين أو مَنْ يقومون مقامهما ـ فإنهم يحظون بأفضل الفرص، لاكتساب شخصية سليمة وطبيعية.
غير أن الأطفال يختلفون في معدلات وسبل نموهم ونشأتهم. فبعض الأطفال مثلاً يبدأون في الحبو من الشهر التاسع أو العاشر من العمر، غير أن البعض الآخر يحبو بعد ذلك العمر أو قبله. كما أن أطفالاً آخرين قد يمشون دون أن يمروا بمرحلة الحبو.
الشهر الأول.
يعتبر الطفل وليدًا لمدة شهر واحد بعد الولادة، ويقضي معظم الوقت في هذه الفترة نائمًا.
سمات الوليد.
تكون عيون الأطفال ـ من ذوي السلالات البيضاء ـ عادة عند الولادة زرقاء مائلة للون الرمادي، كما أن بشرتهم تميل إلى اللون الوردي، إلا أن لون العينين قد يتغير في حوالي الشهر الخامس أو السادس، ويصبح بعد ذلك ثابتًا. أما الأطفال السود فتكون عيونهم بنيّة وبشرتهم فاتحة نسبيًا ومائلة للون الوردي عند الولادة. وتبقى عيونهم بنيّة بينما تبدأ البشرة في اكتساب اللون الداكن بعد مرور أيام على الولادة.
يشكل رأس الرضيع حديث الولادة حوالي ربع طول الجسم إجمالاً، وقطره أكبر من قطر الصدر، كما أن الذراعين أطول من الساقين. غير أن هذه المقاييس ما تلبث أن تتبدل بتقدم الطفل في السن. فنمو الرأس مثلاً يتباطأ بالمقارنة مع باقي الجسم، بحيث يشكل حوالي ثُمن طول الإنسان البالغ.
توجد في جمجمة الوليد ستة مواقع طريّة، لا تتصل فيها العظام اتصالاً تامًا، غير أنها تكتسي بالعظم بالتدريج إلى أن تكتمل تمامًا في الشهر الثامن عشر بعد الولادة. أما العظام الأخرى في جسم الرضيع فإنها لا تكون مكتملة التكلّس (أي أنها لا تكون متصلّبة بسبب نقص الكالسيوم في العظام) لدى الولادة، وتأخذ في التَّكلُّس بدورها بالتدريج خلال مراحل الطفولة كلها.
وحركات الوليد كلها حركات انعكاسية، أي أنها آلية كليًا ولا إرادية. فالمواليد يستطيعون المص والبلع وتحريك الذراعين والساقين، بالإضافة إلى البكاء للإفصاح عن رغباتهم. وحين يستلقون على السرير يتكورون في بعض الأحيان في نفس الوضع الذي كانوا عليه في رحم الأم. وإذا ما أفزعهم صوت مرتفع أو حركة مفاجئة، فإن الذراعين والساقين تهتز كلها في حركة تسمى انعكاس الفزع. كما أن عضلات عنق الوليد، تفتقر إلى القوة اللازمة لحمل رأسه وإيقافه مستقيمًا، وذلك لفترة عدة أشهر. ولذا يجب على من يحمل الرضيع، أن يسْند الرأس بيده عند رفعه أو حمله.
ولا يستطيع المواليد التحكم في حركات العينين، إلا أنهم يميزون بين الظلام والنور، ويرون الأشياء التي تمر أمام العينين مباشرة. وهم قادرون على السمع، وقد يظلّ السمع ضعيفًا لعدة أيام بعد الولادة، بسبب وجود سائل في الأذنين، إلا أن هذا السائل ما يلبث أن يخرج ويعود السمع إلى طبيعته.
الغذاء ومعدل النمو. يستطيع المواليد أن يبتلعوا السوائل فقط، ولذا فإنهم يحصلون على ما يلزمهم من تغذية من خلال رضاعة الحليب من ثدي الأم، أو من الرضّاعة الصناعية. وبإمكان الأم أن تبدأ بإرضاع الطفل بعد دقائق قليلة من الولادة. غير أن الثديين لا يفرزان كمية كافية من الحليب، إلا بعد مرور عدَّة أيام على الولادة. ولكن هذا لا يعتبر مشكلة؛ إذ إن حاجات الوليد الغذائية خلال هذه الفترة تبقى ضئيلة جدًا. ويُعطى الأطفال الذين لا يرضعون حليب أمهاتهم مزيجًا من حليب البقر الدافئ مع الماء والسكر. وهذا الخليط يشابه حليب الأم، ويُعطى عن طريق زجاجة لها حلمة مطاطيّة.
ولا يستطيع المواليد أن يهضموا ما يزيد عن 30ملم من حليب الأم، أو مزيج حليب الأطفال في كل وجبة. ولذا ينبغي إعطاؤهم وجبات عديدة بمعدل واحد كل أربع ساعات في الغالب، خلال الليل والنهار. وينخفض وزن الوليد بعد عدة أيام من الولادة، نظرًا لأن ما يتلقاه من الغذاء لا يلبي احتياجاته، غير أنه ما يلبث في الغالب أن يستعيد ما فقده من وزن بحلول اليوم العاشر بعد الولادة، وبعد ذلك يبدأ وزنه بالازدياد بمعدل 28جم في اليوم الواحد.
من الشهر الأول إلى السادس. يبدأ نمو الرضيع في التباطؤ بعد الشهر الثالث. وبحلول الشهر السادس يكون معدل الزيادة اليومية حوالي 14جم في اليوم الواحد.
كما تبدأ مهارات حركية بالنمو لدى الرضيع اعتبارًا من الشهر الثاني، علمًا بأن هذه الحركات إرادية، ويقوم بها استجابة لحافز معيّن أكثر من كونها مجرد ردود فعل مُعَمَّمَة. وتعتمد هذه الحركات إلى حد كبير على مدى تطور المخ والأعصاب.
يبدأ نموّ مهارات الحركة من الرأس، ثم يتَّجه إلى الأعضاء السفلى. وبذا يصبح الأطفال قادرين على تحريك الرأس والعينين، قبل أن يتعلّموا التحكم بالذراعين والساقين. ويتمكن معظم الأطفال بحلول الشهر الثاني من تحريك الرأس والعينين، لمتابعة حركة الناس والأشياء الكبيرة. وفي حوالي الشهر الخامس أو السادس من العمر، يستطيع معظم الأطفال إسناد الرأَس، والإمساك بالأشياء باليدين، والتقلّب في الفراش، والجلوس إذا ما تم إسنادهم.
يبدأ الأطفال في التعَّرف على الأشخاص والأشياء المحيطة بهم في حوالي الشهر الثالث. ويحتاج الأطفال الإحساس بالثقة والأمان، لكي يتمكنوا من إقامة علاقات إنسانية طبيعية. ويساعد الأبوان في تنمية مثل هذا الإحساس لدى الرضيع، إذا ما عاملوه بحب وتفهّم. غير أنه يجب على الأبوين ألا يُفْرطُوا في حمايته وألا يستسلموا لكل نزواته. وبذا يمكن أن ينمو لدى الرضيع ما يسمّى بالقدرة على تحمل خيبة الأمل والإحباط، أي قدرته على التحكم في أحاسيسه، إذا لم تُلَبّْ كل مطالبه.
من الشهر السادس إلى الثاني عشر. تنمو لدى الأطفال أمور عدة لأول مرة، فيما بين الشهر السادس والثاني عشر من العمر. فالسن الأولى تبرز عادة في الشهر السادس أو السابع. ثم تستمر الأسنان في البروز بمعدل سن واحدة في الشهر تقريبًا إلى أن يستكمل الطفل أسنانه الأولية أو اللبنية أو أسنان الطفولة العشرين. ويستكمل معظم الأطفال أسنانهم اللبنية في سن عامين ونصف العام تقريبًا. وبعد أن يبلغ الطفل شهره السادس، يتعلّم التقاط الأشياء الصغيرة وقطْع الطعام بالإمساك بها بين الإبهام وراحة اليد. ويجلس الكثيرون من الأطفال دون إسناد في حوالي الشهر السابع من العمر، وما إن يبلغوا الشهر التاسع تقريبًا، حتي يصبح بإمكانهم أن يرتكزوا على القدمين وأن يقفوا عند إسنادهم.
تنمو لدى معظم الأطفال درجة من الاستقلالية في حوالي الشهر السادس من العمر، ويبدو ذلك في سمات مختلفة. فقد يُظهر البعض منهم ميلاً للإمساك بالرَّضَّاعة بدلاً من أن يسندها لهم الآخرون. وشيئًا فشيئًا تنمو لدى كل رضيع أساليب مميّزة في أداء الأشياء، تختلف عن تلك التي يبديها رضَّع آخرون لدى القيام بنفس العمل. وينبئ هذا الاختلاف في السلوك عن نمو السمات الفردية للرضيع.
من الشهر الثاني عشر إلى الثامن عشر. يتعلم الأطفال كيفية القيام بعدة أعمال معينة، بتقليد من هم أكبر منهم سنًا، وتتحسن قدرتهم على التقليد، بعد أن يبلغوا الشهر الثاني عشر من العمر، وربما يحدث ذلك بسبب تقدم مفاجئ في نموّ الدماغ والأعصاب.
يبدأ معظم الأطفال في المشي بمساعدة الآخرين في حوالي الشهر الثاني عشر أو الثالث عشر من العمر، ويخطون أولى خطواتهم دون مساعدة في حوالي الشهر الخامس عشر، ويصبحون قادرين على الركض في الشهر الثامن عشر. كما يبدأ الطفل في اللعب بالمكعبات والكرات، وغيرها من الألعاب في حوالي الشهر الثاني عشر. وقد يكتفون في البداية بإلقاء الأشياء أو بوضعها في الفم، غير أن معظم الأطفال، يصبحون قادرين على صف عدد من المكعبات بعضها فوق بعض، وعلى دفع الأشياء بأيديهم على الأرض ببلوغهم الشهر الثامن عشر من العمر.
يستطيع معظم الأطفال التلفظ ببضع كلمات لدى بلوغ الشهر الثاني عشر، بينما يمكنهم أن يتكلّموا باندفاع لدى بلوغهم الشهر الخامس عشر، وإن كانت مفرداتهم من الكلمات الفعلية تظل قليلة. وحين يبلغ عمر الرضيع ثمانية عشر شهرًا تتراوح ذخيرته من الكلمات التي يستطيع التلفظ بها بين عشر كلمات وعشرين كلمة، كما أن بعض الأطفال يستطيعون دمج أكثر من كلمة في عبارة واحدة خلال هذه المرحلة من العمر.
يستطيع الأطفال أن يفهموا عددًا كبيرًا من الكلمات يفوق بكثير عدد الكلمات التي يستعملونها. فعند بلوغ الشهر الثامن أو التاسع من العمر، يستجيب معظم الأطفال لدى مناداتهم بأسمائهم. كما أن الرضيع البالغ سنة واحدة من عمره، يفرِّق بين أسماء أشياء متعددة، ويفهم معنى كلمة لا وغيرها من الأوامر التي تُوَجَّه له. وببلوغهم ما بين الشهر الخامس عشر والثامن عشر، يستمتع معظم الأطفال بسماع الأصوات المميزة، كأن يسمع الطِّفل صوت أبيه يقرأ القرآن أو أمه، أو أي شخص في أسرته يردد الأغاني البسيطة أو أغاني ترقيص الأطفال، كما قد يستمتعون بسماع قصّة، وإن كانت القصّة نفسها قد لا تعني الشيء الكثير بالنسبة لهم. ويحبّ الأطفال في هذه السن أن يشاهدوا التلفاز، ويطّلعوا على الصور في الكتب والمجلات.
وبعد أن يبلغ الطِّفل الشهر الثامن عشر من العمر، قد يصبح مهيئًا لاستعمال المرحاض، أي يتعلم التحكم في البراز والبول، وإن كان السن الذي يستطيع فيه أن يفعل ذلك، يختلف من طفل لآخر اختلافًا كبيرًا. وعلى الأبوين ألا يجبراه على ذلك، بل يجب أن ينتظرا حتى يبدي هو نفسه استعداده للتحكم بالبول والبراز.
