إنجاب المولود الأول حدث من أسعد الأحداث في حياة الأسرة، لكن ما إن يأتي المولود الثاني حتى تدب الغيرة بين الصغيرين وينشب بينهما صراع يحول سعادة الأسرة إلى شقاء وهناءها إلى بؤس! وقد تزداد الأمور سوءاً إذا رزقت الأسرة بمولود ثالث، فعندها يتحول المنزل إلى حلبة مصارعة لا يكف الأطفال فيها عن التناحر والتناجز! لماذا يتناحر الإخوة والأخوات؟! ما دور الآباء والأمهات في هذه المشكلة الشائعة؟! وما هو الحل؟!·
يقضي كثير من الناس شطراً من العمر بحثاً عن الشريك في علاقة الزوجية، وهذا السعي الحثيث يعني ضمناً البحث عن نقاط التقاط ومواضع اتفاق تمهيداً لإقامة العش المنتظر، وإذا كانت فرصة الاختيار متاحة أمام الكبار، فإنها غير موجودة أصلاً للصغار! فالطفل لا يختار أبويه ولا يختار إخوانه وأخواته·
وإذا كان الكبار يدركون أن التعايش مع الآخرين يتطلب درجة من رجاحة العقل وحسن التصرف وضبط النفس والمشاركة في الأعباء والأعمال، مع قدر من التغاضي والسماحة، فإن الأطفال لا يدركون شيئاً من ذلك كله، فالطفل مخلوق عاطفي تحكمه غرائزه وتوجهه انفعالاته·
من الضروري استحضار هذه الفوارق الجوهرية بين الصغار والكبار عند النظر إلى أي مشكلة يكون الأطفال طرفاً فيها·
عندما ترزق أسرة بمولودها الأول يكون الوليد شغل والديه الشاغل، فهو أول ثمرة لهما في الحياة ومنبع شعورهما بمعنى الوجود، ومصدر إحساسهما بعاطفة الأبوة والأمومة، لهذا يحتل المولود الأول مكان الصدارة في حياة الأسرة فيكون محور الاهتمام·
وعندما يأتي المولود الثاني ينصرف اهتمام الوالدين إلى الوليد القادم، فيقل احتفالهما بالأول، هنا يدرك الطفل الأول أن الضيف الجديد سوف ينازعه مكان الصدارة في الأسرة، ويقاسمه عرش اهتمام أبويه، فتنشأ الغيرة·
غيرة الطفل الأول من الطفل الثاني غريزة طبيعية لها مبرراتها، وفي أحيان نادرة يفلح الوالدان في ترويض هذه الغريزة بشيء من الحكمة والأناة وحسن التصرف، وفي أحيان أكثر ندرة، يتمكن الوالدان من إحلال عاطفة الحب والإيثار محل الغيرة ورغبة التفرد، لكن في الغالب الأعم، تتطور غيرة الطفل الأول من الطفل الثاني لتصبح نوعاً من المنافسة، عندما يكبر الطفل الثاني ويتعلم الحركة والكلام، ومع استمرار الصغيرين في النمو تتحول المنافسة إلى صراع!·
أسباب الصراع
صراع الأشقاء له أسباب متعددة نُجْمل أهمها فيما يلي:
عدم توازن القوى
الطفل الكبير أقوى من الطفل الصغير، وهو لذلك أقدر على قَرْص الصغير وضربه، وخطف اللعب والحلوى من يديه، لكن ما أن يشب الصغير عن الطوق حتى يتعلم ضروباً من الحيلة يثأر بها لنفسه، فتارة يبعثر ألعاب شقيقه الكبير ليفسد عليه لهوه، وتارة يكسر تلك الألعاب أو يتلفها انتقاماً، وتارة يصطنع دور المظلوم فيصرخ ويبكي ليستعدي والديه على شقيقه الكبير·
اختلاف الجنس
للصبيان ألعاب وأهواء مشتركة، مثلما للبنات، وعندما يكون الطفلان من جنس واحد، إن ذكوراً أو إناثاً، يكون في ذلك مدعاة للتقارب وتخفيف حدة الصراع ـ ولو لسويعات محددة كل يوم، وعلى النقيض من ذلك اختلاف الجنس·
تباين الطباع
قد يكون الطفل الأول حيوياً متدفق النشاط لا يكف عن الحركة، وقد يكون الطفل الثاني هادئاً وديعاً قليل الحركة، وقد يحدث العكس فيكون الأول وديعاً والثاني مشاكساً، وللوهلة الأولى يبدو أن الطفلين يتمم أحدهما الآخر، بينما حقيقة الأمر أن اختلاف الطباع سبب في نشوء صراع، فالطفل الحيوي لا يكف عن مجاذبة أخيه الوديع الذي يستسلم حيناً ويثور حيناً آخر، وقد يلجأ الطفل الوديع إلى الحيلة للثأر من شقيقه الذي لا يدعه وشأنه!·
حب التملك
من أهل أسباب صراع الأشقاء الرغبة في الحصول على ما يملكه الأخ الآخر أو الأخت الأخرى، سواء كان ذلك لعبة أو قطعة حلوى أو حِجْر الأم أو صدر الأب! فما إن تحتضن الأم صغيرها حتى يندفع أخوه الكبير أو أخته الكبرى محاولاً إزاحته ليحتل مكانه! وقد يلتهم الطفل الكبير حلواه بسرعة، ثم يقبل إلى أخيه الصغير ليأخذ ما في يده من حلوى لم يتمكن من التهامها بنفس السرعة، وإذا أهديت لعبة إلى أحدهما، فلن يهدأ الثاني حتى يحصل على مثلها أو يغتصبها لنفسه من أخيه·
التفضيل
يشعر كل طفل في وقت من عمره أنه >ضحية<، وقد يكون لهذا الشعور ما يبرره من تصرفات الوالدين، وقد يكون شعوراً متخيلاً، أياً كان الأمر فإن شعور طفل في الأسرة بأن أخيه أو أخته أفضل منه عند أبويه سوف يكون سبباً في كراهية الطفل المفضل، وبالتالي في خلق صراع لا ينتهي معه·
العدوانية
يتسم سلوك بعض الأطفال بالخشونة والفظاظة ومثل هؤلاء الأطفال لا يتورعون عن سب وضرب كل من يعترض طريقهم، صغاراً كانوا أو كباراً، هؤلاء الأطفال قد يشعلون فتيل شجار وعراك دون تحرش، وحتى دون سبب بالمرة·
توتر جو الأسرة
ينعكس جو الأسرة على الأطفال بصورة واضحة، فإذا كانت الخلافات والمناقشات الحادة بين الوالدين لا تنتهي إلا ريثما تبدأ من جديد، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأطفال فلا تنتهي معاركهم الصغيرة·
دور الوالدين
يلعب الآباء والأمهات دوراً رئيساً في صراع الأشقاء ـ دون شعور منهم في أغلب الأحيان· والأم تشكو من أن أطفالها يكره بعضهم بعضاً وقد تكون هي السبب في غرس بذور الكراهية في نفوس صغارها!، والأب الذي يجلس للقضاء والفصل في خصومات أطفاله قد يكون السبب في إشعال نار الصراع بينهم!·
يتبين دور الآباء والأمهات فيما يلي:
التمييز في المعاملة
بعض الآباء والأمهات يحب أحد أطفاله أكثر مما يحب الآخر، ويكون هذا الحب دافعاً إلى تمييز الطفل المحبوب على الآخر في كل شيء! وغني عن الذكر أن الطفل المهمل سرعان ما يتبين له ذلك، فيكره الطفل المدلل ولا يكف عن مناجزته، وقد تزيد الأمور سوءاً حين يعاقب الوالدان الصغير المهمل على مناكفته لأخته أو أخيه، فوقتها تكبر الكراهية لتشمل الوالدين كذلك·
الجرأة والخشونة
بعض الآباء يربي أبناءه الذكور على الخشونة والجرأة، بدعوى أن ذلك يكسبهم >السلوك الرجولي< ويجعلهم أقوياء في الحياة! والحقيقة أن هذه فكرة خاطئة تماماً، إذ لا توجد علاقة من أي نوع بين خشونة الأطفال وسلوك الرجال، فضلاً عن أن الرجولة ليست في فحواها خشونة وفظاظة!· المكسب الوحيد من هذا التوجيه الخاطئ في التربية هو تشجيع الطفل على الدخول في معارك لا تنتهي مع أشقائه وشقيقاته، وقد يكون في ذلك نواة لجنوح الطفل واكتسابه سلوكاً إجرامياً عندما يكبر!·
التفريق بين الجنسين
يدرج بعض الآباء على تخصيص ألعاب للذكور من أبنائهم وأخرى للإناث، فإذا أرادت طفلة أن تشارك أخاها ألعابه خارج البيت، مُنِعَت من ذلك بدعوى أن ألعاب الصبيان خشنة لا تناسبها، أو أن فستانها الجميل سوف يتسخ إذا تسلقت معهم الأشجار!، وكلام مماثل قد يُقال للصبي الذي يريد أن يشارك أخته اللعب بالدمى والعرائس! مثل هذا التفريق بين الجنسين لا يأخذ في الحسبان أن الأطفال يمكن أن يشتركوا في لعبة من أي نوع، وأن فوارق الجنس غير مرعية إلا في عالم الكبار، والتفريق بين الصغار في اللعب يثير سخطهم ويستحث غضبهم، وقد يكون سبباً في العراك بين الطفل الذي حرم من اللعب وأخيه أو أخته التي انفردت بالمسرة·
رفع التقارير
بعض الأطفال لديهم ولع بإيقاع الأذى بالآخرين، خصوصاً من الأطفال مثلهم، ومن أمثلة هذا السلوك الشيطاني أن يفسد أحدهم ترتيب أدوات الحمام، ثم ينتظر إلى حين دخول شقيقه أو شقيقته إلى الحمام ليسرع إلى أمه بالخبر وقد ألصق التهمة بالبريء الذي لم يقترف إثماً! وتندفع الأم إلى مسرح الأحداث فتثور أعصابها للأشياء المبعثرة، فتنهال ضرباً وتوبيخاً على البريء، بينما يضحك الشيطان ملء فمه! وقد يحدث نفس الموقف بأكثر من صورة في أوقات مختلفة، وفي كل مرة، تصدق الأم أو الأب تقارير الشيطان فتقع العقوبة على البريء! وكثير من الآباء والأمهات يرتكبون هذا الخطأ بإعطاء الفرصة لأحد الأبناء لرفع تقارير عن الأطفال الآخرين، والأولى معاقبة هذا الطفل لا الاستماع إلى تقاريره الملفقة!·
الطفل الذي يقوم بعمل >الشرطي السري< يصبح مكروهاً من إخوانه وأخواته الذين يتحينون الفرصة لضربه وإيذائه، كما كان سبباً في ضربهم وإيذائهم، وهذا الجو المشحون بالكراهية بين الصغار كفيل بتفجير ألغام صراعات حامية في كل يوم·
حيل الصغار
يتعلم الطفل الصغير فنوناً مذهلة من الحيلة للثأر لنفسه من أخيه أو أخته التي تكبره، ويمكن أن يستفز الصغير أخاه الأكبر ويثير غضبه، فإذا ضربه الكبير سارع الصغير باكياً إلى أمه، مستنجداً بها! فتروح الأم تلوم الطفل الكبير وتوبخه، بينما في الحقيقة هو المظلوم والصغير هو الظالم! وتنطلي حيل الصغار على الكبار كثيراً فيلام المظلوم لصالح الظالم! وهذا التسرع في الحكم لصالح الصغير دائماً لأنه صغير، يستفز أخاه الكبير للانتقام منه، وبذا تنشأ حلقة مفرغة لصراعات وشكاوى طوال اليوم·
ما هو الحل؟!
معارك الأطفال، مثل لعبهم، وقائع يومية لا يخلو منها بيت فيه أطفال، إلا أن هذه المعارك قد تتجاوز حدودها المقبولة بحيث تكون سبباً في إثارة أعصاب الوالدين وتشتيت عملهم وتبديد طاقتهم وجهدهم في الزجر والنهي، وفي هذه الأحوال يلزم مراجعة الموقف ورسم خطة حازمة لوضع حد لصراع الأشقاء·
ومما يعين على حل هذه المشكلة الشائعة أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار:
لا تتدخل في كل حين
يتعارك الأطفال أثناء اللعب، وسرعان ما تصفو نفوسهم الصغيرة ويعودون لاستئناف اللعب من جديد، لذلك فمن الخطأ التدخل بين الصغار في كل مرة يبكي فيها أحدهم أو يعلو صوته بالخصومة، والأولى أن ينتظر الوالدان بعض الوقت ريثما يتضح الموقف، إلا أن تكون هناك رائحة خطر·
لا تغفل عينك عنهم
تنشغل الأم بأعباء البيت، وينشغل الأب بقراءة الصحف أو متابعة الإذاعة المرئية، فيكون الأطفال مثل غنم بلا راع، والطفل يمكن أن يؤذي نفسه أو أخاه أو أخته دون قصد منه، ولاسيما وأن بعض ألعاب الأطفال فيها قطع معدنية يمكن أن تعمل عمل النصل >السكين<، من جهة أخرى، فإن وجود الأطفال تحت عين أحد الوالدين سوف يقلل من احتمالات الغش في اللعب ومن فرصة القرص والغمز والدفع، وبالتالي تقل فرصة نشوب خلاف وعراك· لذلك فإن وجود عين ساهرة واجب يتحتم على الوالدين تناوبه·
لا تنخرط في الخصومة
عندما يتدخل أحد الوالدين لفض خصومة بين أطفاله فغالباً ما يدخل هو نفسه طرفاً فيها، وقد يتطور الأمر إلى مجلس قضاء يستمع فيه الأب أو الأم إلى أقوال كل طرف، وقد يتكون الحكم سلفاً قبل الاستماع إلى الأقوال: فالصغير >مثلاً< يجب ألا يحرم من شيء وألا يضرب لأنه صغير، ومعنى ذلك صدور حكم جائر بأن الكبير هو الظالم في كل مرة!·
معارك الأطفال ليست مثل خصومات الكبار، مجرد احتضان الطفلين المتخاصمين سوف يؤدي إلى انتهاء الخصومة فوراً دون حاجة إلى استماع لأقوال المدعين وشهادة الشهود، لذلك فواجب الآباء والأمهات عند التدخل لفض نزاعات أبنائهم هو تهدئة الموقف دون الدخول طرفاً في النزاع·
المساواة في المعاملة
تفضيل أحد الأبناء على بقيتهم رذيلة أخلاقية لا يغفرها أحد للآباء، خصوصاً من الأبناء· وحتى إذا مال قلب الوالدين إلى أحد أطفالهما فيجب ألا يكون ذلك سبباً في تمييزه بالحب والعطف عن إخوانه وأخواته، فالعدل بين الأبناء فريضة دينية ثم إن تفضيل طفل على إخوانه وأخواته لن يجلب إلا الشقاء للأسرة كلها، إذ سيكون التفضيل سبباً في صراع مستمر بين الأبناء·
لا تقبل التقارير
إعطاء الفرصة لأحد الأبناء للقيام بدور >الشرطي السري< سوف يزيد من حدة صراع الأشقاء ولن يحل المشكلة، فضلاً عن أن تعويد طفل صغير على التجسس والغيبة عمل غير أخلاقي·
التعلم بالتقليد ينسى كثير من الآباء والأمهات أن الطفل يتعلم بالتقليد أضعاف ما يتعلم بالتلقين، لذلك لن تفيد مواعظ الرحمة والشفقة على الآخرين إذا كانت المعاملة بين الوالدين بغير رحمة ولا شفقة! ولن تجدي دروس فضيلة الصدق ورذيلة الكذب إذا كانت الأم تكذب على الأب أو العكس، والأجدر بالآباء والأمهات أن يوفروا قدوة صالحة لأبنائهم بدلاً من محاضرات ومواعظ حسن السلوك·
الثواب والعقاب
من أفضل وسائل إحلال سلوك حسن مقبول محل سلوك سيء غير مرغبوب فيه طريقة الثواب والعقاب، والمهم هنا أن يكون الثواب والعقاب فورياً وعلى قدر العمل المراد إثابة الطفل أو معاقبته عليه، أما الوعود بثواب لا يتحقق أو التهديد بعقوبة لا تحدث، فإنه يفقد الصغار الثقة في والديهم، كما يزعزع سلطة الوالدين في الأسرة·
احتمال المشقة
قد تبدو عملية تربية الأطفال شاقة مرهقة، والحقيقة أنها كذلك، وواجب الوالدين أن يحتملا المشقة ويصبرا عليها لأنها واجب أخلاقي وفريضة دينية، ففي الحديث النبوي الشريف: >من حق الولد على أبيه أن يحسن اسمه ويحسن تربيته<· (التعبير بلفظ الأب دون الأم في الحديث الشريف من قبيل إطلاق الفرع على الكل· وإنما اقتصر على ذكر الأب لعظيم مسؤوليته في تصريف شؤون الأسرة والنهوض بها، ولا تعفى الأم من المسؤولية بدليل الحديث النبوي الشريف: >كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته<)·