تتمة********************** إرم ذات العماد**********************
...…وجعلَ بابَ المدينةِ مُتجهًا إلى الوادي ونصبَ عليهِ بابينِ من ذهبٍ منقوشَيْنِ بأنواعِ الدُررِ، وأمرَ باتخاذِ كُراتٍ صغيرةٍ على شكلِ البُندُقِ من مسكٍ وزعفرانٍ وأُلقيتْ في تلكَ الشوارعِ، ثم بنى خارجَ سورِ المدينةِ تلالاً كهيئةِ الجبالِ تضمُ الألوفَ من الأبراجِ المرتفعةِ في الهواءِ المبنيَّةِ بقطعِ الذهبِ والفضةِ ليسكنَها جنودهُ، ومكثَ في بنائِها خمسمائةِ عامٍ.
وإنَّ اللهَ تعالى لما أذِنَ أن يُقيمَ الحجَّةَ على "شداد" وقومِه، اختارَ لرسالتِه إليهِ سيدَنا "هودًا" عليهِ السلامُ وكان من صميمِ قومِه وأشرافِهم، ثم إن "هودًا" أتاهُ فدعاهُ إلى الإسلامِ والإقرارِ بربوبيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ووحدانيتِهِ وأن الله ليسَ كمثلِه شىءٌ، فتمادى "شدادٌ" في كفرِهِ وزيَّنَ لهُ "إبليسُ" ما فعلَ من بناءِ المدينةِ التي لم يخلق مثلها في البلاد فلم يَنْصَعْ لما أمرَه به "هودٌ" عليه السلام، وذلك حين تمَّ لملكِهِ سبعمائةِ عامٍ، فأُنذرَ بالعذابِ وخُوِّفَ بزوالِ الملْكِ، فلم يرتدعْ عمَّا كان عليه ولم يُجِبْ "هودًا" إلى ما دعاهُ إليه.
وعادَ الوكلاءُ إلى "شدادٍ" وقد أنهوا بناءَ المدينةِ وأخبروهُ بالفراغِ منها، فعزمَ على الخروجِ إليها، فخرجَ في موكبٍ عظيمٍ بين حراسِهِ ومواليهِ وخَدَمِهِ وحَشَمِهِ ووزرائِهِ وأُمرائِهِ، وسارَ نحوَها وخلَّفَ على مُلْكِهِ "بحضرموتَ" وسائرِ أرضِ العربِ ابنَه "مَرْثَدَ بنَ شدادٍ" وكان "مرثدُ" هذا على ما يقالُ مسلمًا مؤمنًا بنبي اللهِ "هودٍ" عليه السلام. فلما قَرُبَ "شدادٌ" من المدينةِ وباتَ على مسيرةِ يومٍ وليلةٍ، وكان صارَ له من العمرِ تسعمائةِ عامٍ جاءتْ صيحةٌ عظيمةٌ من السماءِ فاجأتِ الجميعَ فماتَ هو وأصحابُهُ أجمعون، حتى لم يبقَ منهم ناقلُ خبرٍ، وماتَ جميعُ من كان بالمدينةِ من الفَعَلَةِ والصُنَّاعِ والوُكلاءِ، وبقيتْ خلاءً لا أنيسَ لها، وحُجبت عن أعين الناس.
ولما هلكَ "شدادُ بنُ عادٍ" ومن معهُ من الصيحةِ، ملكَ بعدَهُ ابنهُ "مرثدُ بنُ شدادٍ" فأمرَ بحملِ أبيهِ من تلكَ الصحراءِ إلى "حضرموتَ" ليدفِنَه، فحُفرت له حفرةٌ بين الصخورِ وجُعلَ على سريرٍ من ذهبٍ وأُلقيتْ عليه سبعونَ حُلَّةً منسوجةً بقضبانِ الذهبِ التي لن ينتفعَ بدرهم منها لأنه ماتَ على غيرِ الإسلامِ، ووُضِعَ عند رأسِهِ لوحٌ عظيمٌ ذهبيٌ كُتِبَ به لسانُ حالِ "شدادٍ":
اعتبرْ يا أيها المغـ ـرورُ بالعمرِ المديدِ
أنا شدَّادُ بنُ عادٍ صاحبُ الحصنِ المشيدِ
وملكتُ الشرقَ والغَرْ بَ بسلطانٍ شديدِ
فأتى هودٌ وكُنَّا في ضلالٍ قبلَ هودِ
فدعانا لو قَبِلنا كانَ بالأمرِ الرشيدِ
فعصيناهُ ونادى: "ما لكم؟ هل من محيدِ"
فأتتنا صيحةٌ تهـ وي من الأفقِ البعيدِ
فتوافَيْنَا كزرعٍ وَسْطَ بيداءٍ حصيدِ