والطهارة المادية المتعلقة بالصلاة جعلها الشارع ذات هيئة معينة فذكرها بالتفصيل التي عُرفت في الفقه الإسلامي باسم (الوضوء) وصار شرطاً لإقامة الصلاة . وهذا الشرط ( الوضوء ) ينقضه ما خرج من أحد السبيلين ( القبل والدبر ) ريحاً أو صوتاً أو دماً أو برازاً أو بولاً أو مذياً أو ودياً أو منياً أو قيحاً . ويعفى من كان مريضاً . والذي دلَّ على ذلك هو كلمة [ أو جاء أحد منكم من الغائط ] فكلمة [ الغائط ] تدل في الاستخدام الثقافي حين نزول النص على طرح الفضلات من الإنسان وذلك يقتضي منه الذهاب إلى مكان منخفض حتى يطرح فضلاته . ولا يقاس على ذلك طرح العرق من جسم الإنسان لاختلافه عن هذه الأشياء ، كما أنه لا يصح استثناء خروج الريح ( الغازات )من نواقض الطهارة ( الوضوء ) لأنه من الفضلات التي تخرج من فتحة الشرج، فمثله مثل البراز تماماً . فأحدهما غازي، والآخر مادي . أما الغازات التي تخرج عن طريق الفم فهي فضلات غير ناقضة للوضوء لانتفاء شمولها بكلمة [ الغائط ] ولا يصح قياسها على الغازات التي تخرج من الفتحة الشرجية، لا يستويان !.
وصلنا الآن إلى قوله تعالى : [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] وهذا الأمر أتى متعلقاً بإقامة الصلاة بسياق الطهارة المادية كونه قد تم ذكر الغسل لأعضاء الوضوء بداية ؛ مما يدل على وجود صورة أخرى يقع الإنسان فيها وهي حالة الجنابة فإن حصل ذلك فصورة تحقيق شرط إقامة الصلاة ليس هو الوضوء ، وكذلك ليس المقصود من الخطاب الطهارة الفطرية ( النظافة ) مما يؤكد أن الطهارة في النص هي طهارة مادية أكبر وأعم من غسل أعضاء الوضوء ، وليس ذلك إلا غسل الجسم كاملاً، ومما يؤكد ذلك هو قوله تعالى [ ولا جنبا عابري سبيل حتى تغتسلوا ] النساء 43
فوصلنا الآن إلى وجوب حصول الطهارة لإقامة الصلاة وذلك متمثلاً بصورتين :
الأولى : الطهارة من الحدث الأصغر [ أو جاء أحد منكم الغائط ] ويكون ذلك بالوضوء .
الثانية : الطهارة من الحدث الأكبر [ الجنابة ] وتكون بالغسل لكامل الجسم .
والنص يشمل الذكور والإناث معاً بدليل أول الخطاب [ يا أيها الذين آمنوا ] ولا يصح قول بعضهم : إن النص يتكلم عن الذكور فقط بدليل جملة [ أو لامستم النساء ] فهذا الكلام خطأ نتج عن قصور فهم لدلالة كلمة [ لامستم] فهذه الكلمة هي على وزن [ لاكَمَ ،قاتَل ، لاعَبَ ، كاتَبَ ، ضَارَبَ ...] فهي تدل على طلب ممارسة الفعل مع الطرف الثاني بصورة متماثلة . فقولنا : لاكَمَ زيدٌ عمراً . بمعنى تبادلا اللكمات. وقولنا : لاعَبَ الأب أولاده . بمعنى طلب اللعب معهم وتشاركا في عملية اللعب . وكذلك فعل [ لامَسَ ] فهو طلب فعل اللمس للنساء بصورة متبادلة . مما يعني أن الرجل لمس المرأة ، والمرأة بدورها لمست الرجل، وكلاهما تلامسا مع بعضهما بعضاً.
فوصلنا إلى أن عملية التلامس بين الرجل والمرأة المقترنة بشهوة يجب عليهما الطهارة بصورة الغسل للجسم كاملاً لكليهما .
ودلالة كلمة [ اللمس ] يقصد بها كامل العملية الجنسية المنتهية بالإدخال ، وليس مجرد التلامس بشهوة، ودل على ذلك قوله تعالى : [ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ....] الأحزاب 49
أما التلامس بشهوة دون إدخال ودون إنزال فلا يوجد دليل على وجوب الوضوء عليه إذا أراد الصلاة وكان متوضئاً قبل ذلك .
وبهذا العرض نكون قد وصلنا إلى أن كلمة [ الجنابة ] لها صورتين :
الأولى : حصول الاحتلام أو الإنزال من قبل الرجل أو المرأة دون عملية جنسية بينهما .
الثانية : حصول عملية النكاح بصورة منتهية بالإدخال .
وهاتان الصورتان هما الحدث الأكبر الذي يجب غسل الجسم كاملاً منهما لمن أراد أداء الصلاة .وذكر كلمة ( جُنُباً ) في النص دون غيرها من الكلمات لأنها تشمل كل حالات الإنسان التي تقتضي منه مجانبة الصلاة،ومن هذا الوجه ظهر مصطلح ( الجنابة ) .
وقد يقول قائل : ما الدليل على أن الجنابة في قوله تعالى [ وإن كنتم جنبا فاطهروا ] هي ما ذكرت من صور مادية !؟ ولماذا لا يكون المقصد منها هو دلالة كلمة (الجنب) لغة من الجانب نحو قوله تعالى : [ والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ] النساء 36
وقوله [ فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم .....] التوبة 35
وقوله [ وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ...] القصص 11
وبالتالي يكون معنى النص [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] أي إن أعرضتم أو ابتعدتم أو أعطيتم جنبكم لأوامر الله إعراضاً ومعصية فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا من هذه الأفكار النجسة برجوعكم إلى الطاعة والامتثال لأوامر الله عز وجل ! وممكن أن يكون دلالة [ فاطهروا ] إضافة للطهارة المعنوية ، الغسل للجسم في حال الوقوع بهذه الممارسة النجسة ،وبالتالي لا علاقة لها بعملية الاحتلام أو الإنزال أو ملامسة النساء لا من قريب ولا من بعيد !؟
فأقول وبالله أستعين .
إن من الغلط الفاحش ممارسة عملية القص من النص وإلصاقه بمكان آخر ، ومحاولة فهمه وتوليفه حسب مكانه الجديد ، فهذا العمل الغوغائي سوف يترتب عليه ظهور أفهام غريبة وعجيبة لا تمت إلى المنظومة العامة بشيء ، بل وتقوم بعملية تشويهها وإفساد نظامها العام والخاص.
لاشك أن دلالة كلمة ( جنب ) هي واحدة من الناحية اللسانية ، ولكن تظهر بصور متعددة حسب إسقاطها واستخدامها في الواقع . انظر إلى قوله تعالى :
1- [ ما فرطت في جنب الله ]
2- [ والجار الجنب والصاحب بالجنب ]
3- [ وجنوبهم وظهورهم ]
فعلى ماذا تدل كلمة (جنب)!؟
ج - صوت يدل على جهد وشدة .
ن - صوت يدل على ستر أو اختباء .
ب - صوت يدل على جمع متوقف .
وجمع هذه الأصوات الثلاثة مع بعضها بترتيب كلمة (جنب) تدل على جهد وشدة مستورة متجمعة ومتوقفة، وظهر ذلك المفهوم في الواقع بصورة جانب الشيء كونه تحقق به دلالة أصوات كلمة (جنب)، لاحظ أن دلالة كلمة (جنب) لا تعني الابتعاد ، وإنما تعني أن الشيء هو قوة متجمعة على ذاته مجاور لشيء آخر . ومن هذا الوجه نقول : الجانب . وهو ما يقع بجواري وعلى طرفي ملتصقاً به . انظر إلى قوله تعالى : [ أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ] (الزمر 56 ) بمعنى فرطت بالأوامر المتعلقة بالله عز وجل ،حيث أن الله
عز وجل منزه عن الجانب المكاني .
إذاً كلمة (جنب) لها مفهوم واحد وصور متعددة تظهر حسب سياق النص ومحله من الخطاب، وكلمة (جنب) في النص [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] حسب سياق النص ومحله من الخطاب ، ودلالة كلمة [ فاطهروا ] التي تدل على الطهارة المادية ( الاغتسال ) لا يمكن أن تكون دلالة كلمة ( جنب ) بمعنى معنوي متعلق بالكفر أوالمعصية أو التفريط في جنب الله ؛ وإنما تدل على معنى مادي يحدده سياق النص ومحل تعلقه من الواقع .
فالنص يتكلم عن شرطية حصول الطهارة المادية لأطراف الإنسان إذا قام إلى الصلاة. فعلى ماذا تدل كلمة [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] حرف (إن) يدل على احتمالية حصول هذه العملية ، وسياق النص ومقصده يستبعد تماماً أن يكون المقصد من كلمة (جنباً) المعنى المعنوي، وكذلك يستبعد المعنى الذي يقول بذهاب الإنسان إلى جانب منطقة سكنه والعمل والتعرق والتعب وإصابته بالغبار فعليه أن يغتسل إذا قام إلى الصلاة سواء أكانت حالة تعبدية شعائرية ،أم حالة تفاعل اجتماعي !! فهذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى تشريع يتلى إلى يوم الدين . فالجملة تصف الإنسان نفسه بحالة الجنب [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] فهي حالة ملابسة لجسم الإنسان وليست حالة خارجية عنه بدليل كلمة [ فاطهروا ] التي تدل على الاغتسال ضرورة حسب ما ذكرت سابقاً . وكلمة [ جنباً ] تدل على جوار وقرب للشيء مع عدم مخالطته ، وتحقق ذلك عندما يجانب الإنسان الصلاة المأمور بإقامتها ولا يستطيع فعلها لملابسته بحالة اقتضت أن يكون جانباً للصلاة ؛ فما هي الحالة التي اقتضت ذلك !؟.
نجد ذلك في البُعد الثقافي لاستخدام صورة دلالة كلمة (جُنب) في المجتمع الذي زامن نزول الوحي ، وهي حالة حصول الاحتلام عند الإنسان أو الإنزال أو الجماع التي اقتضت من الإنسان أن يجانب الصلاة الشعائرية مع استمرار صلته بالله عز وجل وهذه المجانبة ليست ابتعاداً ، وإنما كما ذكرت سابقاً هي جوار وقرب للشيء دون مخالطة . وبالتالي يظهر لنا تهافت هذه الأفهام المجتزأة من سياق النص القرآني، وتخبطها، لأنها تفرغ النص القرآني من محتواه ومقصده ، وتحاول أن تفهمه في فراغ دون واقع إنساني لهذا الخطاب الخالد .
بعد أن عرفنا أن دلالة كلمة الطهارة في القرآن إن تعلقت بسياق مادي يقصد بها الغسل ؛ نأتي لدراسة نص المحيض . [ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ] البقرة 222
الملاحظ أن السائل يعرف ما هو المحيض ، ويسأل عن شيء محدد ، وهذا الشيء طبيعي لأن الأصل في السائل أن يكون عنده تصوراً لسؤاله ؛ ويأتي الجواب الإلهي : [ هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن .. ] والاعتزال للنساء ليس موجهاً لهن حياة ومعيشة واختلاطاً ، وإنما موجه إلى اعتزال عمل الاقتراب الجنسي منهن، وبالذات لمكان نزول دم الحيض ،وتم السماح بالاقتراب منهن بشرط حصول عملية الطهر [ حتى يطهرن ] وذلك بانقطاع نزول دم الحيض بصورة طبيعية ، وقيام المرأة بعملية التطهر [ فإذا تطهرن ] ودلالة حرف ( إذا) هو حتمية الحصول لما يذكر بعده ، وفعل (تطهر) عندما يدخل عليه حرف (التاء) يعطيه جهداً ، لذا تسمى هذه التاء ، بتاء الجهد ؛ فتقوم المرأة بعملية الغسل لمكان نزول دم الحيض من خلال تتبع أثره وإزالته بالماء فإذا فعلت ذلك زالت علة النهي عن الاقتراب منها المتمثلة بالأذى . وهذا بالنسبة لإباحة جماعها ، لأن الجماع لا يشترط له غسل الجسم كاملاً .
وعند القيام بتقاطع النصوص مع بعضها ، واقصد نص الصلاة [ وإن كنتم جنباً فاطهروا ] واشتراط الطهارة لإقامة الصلاة ، والطهارة للصلاة متمثلة بصورتين :
الأولى : محددة بغسل الأطراف المذكورة ( الوضوء).
والثانية : طهارة مطلقة يقصد بها غسل الجسم كاملاً( الاغتسال).
والمرأة في حال ملابستها للمحيض قد نفى الله عز وجل عنها صفة الطهارة ،[ حتى يطهرن] فهي غير طاهرة ،ولا يمكن أن تزيل عن نفسها هذه الصفة،لأنها من طبيعة خلق المرأة الفزيولوجية،وليس لها إلا عملية انتظار حصول الطهارة بصورة طبيعية ،فتصير طاهرة ، ولكن غير متطهرة ،وذلك بدلالة أمرها بفعل التطهر[فإذا تطهرن ] ،فعندما ينقطع دم الحيض منها تصير طاهرة، وعندما تغتسل تصير متطهرة ؛ وعملية التطهر مرتبطة بالعمل الذي تريد أن تقوم به ؛ فإن أرادت الجماع فعملية التطهر حد أدنى هو غسل الفرج بالماء وتتبع أثر الدم ، وإن أرادت الصلاة فعملية التطهر هي غسل الجسم كاملاً . لأن طهارة الجسم لا تكون إلا بالغسل له كاملاً . كما في قوله تعالى [ ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ] . وتلحق بالمرأة الحائض ، المرأة النفساء لأنها مثلها تماماً بالعلة . وبالتالي يسقط عنها حكم وجوب إقامة الصلاة الشعائرية في فترة حيضها ، وهذا الإسقاط هو حكم رباني علمته النساء ضمناً عندما اشترط الله لأداء الصلاة الطهارة المادية، ونفي عنهن في فترة الحيض صفة الطهارة وأمرهن بعملية التطهر بعد الطهر ، ففهم النساء أن الشارع أسقط الصلاة عنهن من خلال تقاطع النصوص التشريعية مع بعضها .
__________________
♥ALღА♥MღІ♥RღA♥
المـــراقبة الــعامــة
مد الحروف وزخرفة العناوين يضر صاحب الموضوع !!!!
حيث لا يندرج اسمه في محركات البحث العالمية وهذا يسبب للموضوع الركود
ويضر المنتدى اكثر ....
لذلك اتمنى مراعاة تلك الامور البسيطة
ولكم مني ارق التحايا وكل التقدير و اطيب الامنيات بدوام التميز