سلمان بن يحيى المالكي
إن موضوع المرأة بشكل عام هو موضوع من الأهمية بمكان، ذلكم لكثرةِ السهامِ المسمومة الموجهة إليها والحديثُ عن الوقت بالذات هو حديثٌ يبدأ ولا ينتهي، وحديث تضيق فيه مثل هذه اللقاءات، ولكن حسبي أن أتحدثَ بما يُسعف به الوقت، أما عناصر هذا اللقاء المبارك فهي ستة نقاط أضعها بين أيديكم أحسِبها مهمةً في هذا المجال:
أما أولها فهي: منطلقاتٌ أساسية للحديث عن الوقت بشكل عام.
الثانية: أحاديثُ عن أهمية الوقت.
الثالثة: نماذج لحفظ الوقت من قِبَل العلماء السالفين.
الرابعة: العوائق والصوارف التي تشكل حائلا ومانعا دون استثمار المرأةِ لوقتها.
الخامسة: الأمور التي تعين المرأةَ على الاستفادة من وقتها.
السادسة والأخيرة: بعض الأمور التي يمكن للمرأة المسلمة أن تقضي وقتها فيه.
واللهَ أسأل أن يعيننا وإياكم على حفظ الوقت، وأن يجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه..إنه ولي ذلك والقادر عليه.
النقطة الأولى: منطلقاتٌ أساسية للحديث عن الوقت.
إن من يريد التحدث عن الوقت، لا بد أن يضع له أساساتٌ ومنطلقات يؤكدُ فيها دوافعَه عن الحديث عن أهمية الوقت، وإن مما حادى بي أن أتكلم عن هذا الأمر عناصر من أهمها:
ـ العنصر الأول: الهدف من وجودنا.
فلو ألقينا التساؤل على أنفسنا: ما الهدف من وجودنا؟ لكانت إجابتنا جميعا القيام بعبادة الله - تعالى -وحده امتثالا لقول الحق جلا وعلا " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فإذا كانت عبادة الله - تعالى -هي الغايةُ وهي الهدف من وجودنا، فيا تُرى ما هي عَلاقة العبادة بالوقت؟ ولعلي أشير إلى مفهوم العبادة الصحيح حتى يتبين لنا إمكانيةُ الربطِ بين مفهومُ العبادةِ الصحيح وبين استغلال الوقت بما ينفع، فالعبادة كما يعرفها العلماء ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله تعالى -أنها " اسم جامع لكل ما يحبه الله - تعالى -ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " وإذا عرفنا هذا، تبين لنا أنه ليس هناك وقت للعبادة في حياة الإنسان ووقت آخر لغير العبادة، ولذلك تجد كثيرا من الناس يخطئون في فهم هذه الحقيقة، فيظنون أن وقت العبادة هو أوقات الصلوات الخمس أو هو وقت رمضان أو حينما يؤدون الحج أو يزاولون أركان الإسلام الأساسية المحددةِ بزمان وربما بمكان معين، نعم.. لا شك أن هذه الأشياء هي الأساسية في الدين، ولكن مفهومَ العبادةِ أشملُ من هذا، ومفهوم العبادةُ الصحيح هو أن يتصور الإنسان أنه عبد لله - تعالى -في كل وقت، سواءٌ كان في وقت الصلاة أم في غيرها، في داخلِ المسجد أم خارجه، في حال السراء أم في حال الضراء، فإذا انطلق المسلم من هذا التصور أصبح في عبادة الله - تعالى -، ويَعتبرُ أيَ عمل قام به مادام مراعيا جانب الله - تعالى -مستشعرا مراقبة الله - تعالى -له فهو في عبادة الله - تعالى -، حتى الأمورَ التي يزاولها في كل يوم وليلة من مأكل ومشرب ومنكح ولهو مباح حتى النوم يُصبح الذي ينامه هو في حقيقية الأمر عبادة الله - تعالى -، ولذلك يقول أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل - رضي الله عنه - " إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي " فحين يفهم المسلمُ العبادة حق الفهم بهذا المعنى يستطيع أن يحافظ على أوقاته وأن يستثمرها بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، لأنه حينما يضيّع وقتا من أوقاته فإنما يخل حقيقة بمفهوم العبادة الذي ذُكر آنفا، وأنتِ أيتها المرأة المسلمة حينما تزاولينَ حفظ ما استودع الله - تعالى -في بيتك من أمانات من مال الزوج أو من عرضه أو من تربية أبنائه أو أي عمل من الأعمال، حينما ترتبط هذه الأمور منكِ بنية صالحة وهدفٍ نبيل إنما تتحول إلى عبادات تؤجرين عليها، ولك أن تسمعي إلى هذا الحوار من امرأة سلفت، هذه المرأة هي أسماءُ بنتُ يزيدِ بنِ السكن الأنصارية - رضي الله عنها - وهي المرأة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وهو في أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدتُ النساءِ إليك، إن الله - تعالى -بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فأمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصوراتٌ مقصورات، قواعدُ بيُوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملاتُ أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضلتم علينا في الجُمع والجماعات، وعيادةِ المرضى وشهودِ الجنائز والحجِ بعد الحج، وأفضلُ من ذلك الجهادُ في سبيل الله - تعالى -.. إلى أن قالت: وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو مجاهدا، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم في هذا الأجر؟ فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه بوجهه كلِّه ثم قال: هل سمعتم بمقالةِ امرأةٍ قط أحسنُ من مسائلها في أمر دينها من هذه المرأة؟ فقالوا يا رسول الله: ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثلِ هذا، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفكِ من النساء أن حُسْنَ تبعُّلِ المرأةِ لزوجها، وطلبِها مرضاتَه، واتبَاعَه موافقته يعدِل ذلك كله، فانصرفت وهي تهلل " [رواه بن حجر في الإصابة والذهبي في سير أعلام النبلاء] إذا: والمرأة تزاول هذه الأعمال والتي تتصور بعض النساء وهي تزاولها إنما هي تزاول أمورا قد لا تُؤجر عليها أو لا فائدة منها وإنما عليها في ذلك التعب والنصب، هذا فهم خاطئ وإنما الحق أنها تؤجر على كل صغيرة وكبيرة لكن بشرط أن تستشعر مراقبة الله - تعالى -وإخلاصها في أي كل عمل تقوم به.