اليكم هذه الفقرات الرائعة من رواية أرواح برية للكاتب عبد السلام صالح
في أخر الأمر .. لم يبق إلا أنت
وصرتُ كل ما أريد ، ولكني أريدك أيضاً .. أريدك جداً . صرت أبحث عن أي شيء يشبهك أو يشير أليك ، يذكرني بك . صرت أستمع حين أجد من له رقة صوتك وأمنحه جلال صمتي وكل ما يريد ، صرت أحب أشياءك فيهم ، أبحث عمن تلونت عيناه بشيء من حزن عينيك .. شعرك .. قامتك .. سمرة روحك
ملت روحي من مطاردة غيابك أو حضورك ، لم تعد الخميسات تكفي ، صرتُ حين تذهب وتتركني آخر الخميس ، أبقى قرب قبرك وأبكي ، لا أريد أن أذهب ، أريد أن أبقى معك ، لا تتركني ، صرت أبكي على يديك وأرجوك . في آخر مرة رميت جسدي على قدميك .. احتضنتهما ، أمسكت بهما بكل قوتي ، لن أدعك ترحل ، لا تتركني ، أريد أن أبقى معك ، لن أفهم أي شيء ، لا تحاول إقناعي ، لا أريد أن أسمع .. لن أتركك
سأشعل ناراً قرب القبر . هنا يقتلني البرد ، فكيف بك في أصقاع القبر ، ألا يكفيك كل برد العمر الذي فتت روحك وأوصلها إلى هذا المكان ؟
صرتُ أدفئ كفي على وهج النار وأمسح سطح القبر وجسدك . صرتُ أضغط راحتيّ على خدّيك ، جبينك ، صدرك ، وكتفيك . أنقلُ الدفء من النار لكل مساماتك . صارت كفي تبرد قبل أن يصلك شيء . برد القبر يقتل حرارة كفّي . ملتُ بوجهي ، ونمت بخدّي على وجهك عبر الحجر . بدأت برودته تخفّ ؛ لا بدّ أن شيئاً من الدفء قد بدأ يصلك الآن
ربما كنت عائدة صباح سبت رائق ، ربما أنك احتضنتني بحجم شبق روحي لدفئك ، ربما تحنانك علي .. ربما أنك هدهدت اضطرابي ورتبت شتاتي أو هدّأت بضمّك العذب انفجارات داخلي وانشطاراته المستمرة
هدوء ما كان قد غمرني صباح يوم على غير عادتي ، ربما تكون دقة إتقان القهوة ذاك الصباح أو ساعات نومي الطويلة ، ربما حلمي الجميل بك ، أو ربما يكون يوماً غير سبت ، وقد يكون صباح خميس حملت لي ساعاته نشوى قرب لقائك ، فسقط عني كل ما يثقل قلبي ، وربما قرب حضورك أو ذهابي إليك بثّ فيّ بعض الحياة ، أعاد إليّ إحساسي وحضوري ، راحتي .. ابتسامتي وهدوئي
محض فراغ بلا معنى ، لا شيء يملؤني ويشعرني بالمتعة ، لا شيء يأخذ روحي لابتهاجها وفرحها .. تألقها وعلوّها .. فعلها وحياتها
وحضرتَ أنت ، فصرت أبكي ولا أدري علامَ ، صرت أهذي باسمك يا بعيد ، هذا ما خلّفته بعدك ، هذي تعاليمك .. طقوسك ودينك الجديد ، أشرعها قاطبة لمن يمتلك الحد الأدنى ، لمن يشبه أي شيء فيك ، ها أنا ، عمر مشرع عليك ، وأنت ماضي العمر .. حاضره ومستقبله ، وأموت إليك ، لكنك كويت قاع القلب وتركتني