قال اللهُ تعالى: {ألمْ ترَ كيفَ فعلَ ربُكَ بعاد، إرمَ ذاتِ العماد، التي لم يُخْلَقْ مثلُها في البلاد} (سورة الفجر/6-8).
رُوِيَ في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ أن مدينةَ "إرمَ" ذات العمادِ كانت في اليمنِ بين "حَضْرَمَوْتَ" و"صنعاءَ" من بناءِ "شدَّادِ بنِ عاد".
وقومُ "عادٍ" هؤلاءِ كانوا طوالاً يصلُ طولُ الواحدِ منهم إلى اثني عشرَ ذراعًا في الهواءِ أي حوالي ستة أمتار، وكان "لعادٍ" هذا ابنانِ هما: "شدَّادٌ" و"شديدٌ"، فملَكا بعدَ والدِهما وتجبَّرا وظلما في البلاد، وأخذاها عُنوةً وقهْرًا.
وإنهما لما صَفَا لهما ذلك واستقرَّ قرارُهما ماتَ "شديدٌ" وبقي "شدادٌ"، فأكملَ غزواتهِ حتى ملَكَ الدنيا، ودانتْ له ملوكُها.
وكان شدادٌ جبارًا عنيدًا عابدًا للأصنامِ من دونِ اللهِ والعياذُ بالله تعالى، ومُولعًا بقراءةِ الكتبِ القديمةِ، كلما مرَّ فيها على ذكرِ الجنةِ وما أعدَّ الله فيها لأوليائهِ من قصورِ الذهبِ والفضةِ والمساكنِ التي تجري من تحتِها الأنهارُ، كانت نفسُه الأمَّارةُ بالسوءِ تدعوهُ إلى أن يجعلَ مثل هذه الجنةِ له في الدنيا عُتُوًّا على اللهِ تعالى وكفرًا به.
فقال لأمرائه:" إني مُتَّخذٌ في الأرضِ مدينةً على صفةِ "الجنة" فوكَّلَ بادىء الأمرِ مائةَ رجلٍ من وُكلائِهِ، تحتَ يدِ كلِّ رجلٍ منهم ألفٌ من الأعوانِ، وأمرَهم أن يفتِّشوا في أراضي اليمنِ ويختاروا أطيَبها تربةً، وأزكاها هواءً.
ومكنَّهم من الأموالِ، وكتبَ إلى ملوكِهِ يأمُرهم أن يكتبوا إلى وُلاتِهِم في ءافاقِ بلدانِهِم، أن يجمعوا كلّ ما في أراضيهم من الذهبِ والفضةِ والدرِّ والياقوتِ والمِسْكِ والعنبرِ والزعفرانِ ويوجِّهُوها إليه، وأمرَ الغوَّاصينَ أن يغوصوا في البحارِ ويستخرجوا الجواهرَ واللآلىءَ، فجمعوا له الشىءَ الكثيرَ، وحُمِلَ جميعُ ذلكَ إليه، ثم وجَّهَ الحفَّارينَ إلى مناجمِ الياقوتِ والزَّبرْجَدِ وسائرِ الجواهرِ فاستخرجوا منها شيئًا عظيمًا.
اختارَ الوُكلاءُ أرضًا طيبةَ التربةِ، سهلةَ الهواءِ، وأذنَ لهم "شدادٌ" بأن يبدأوا العملَ فيها لبناءِ جنتِه المزعومةِ، فأمرَ بالذهبِ والفضةِ وأُقيمت الجدرانُ منهما ثم غُلِّفَتْ تلك الحجارةُ الذهبيةُ والفِضيةُ بالدرِ والياقوتِ والعقيقِ، وجعلَ الأبنيةَ غُرَفًا من فوقِها تشبُّهًا بما سمعَ عن وصفِ الجنةِ، جاعلاً جميعَ ذلكَ على أعمدةٍ رُخاميةٍ عريضةٍ.
ثم أجرى تحتَ المدينةِ قناةً عظيمةً ساقَها من الأوديةِ تحتَ الأرضِ بأربعينَ فرسخًا، ثم أمرَ فأُجريَ من تلكَ القناةِ، سَوَاقٍ صارتْ تمشي في سككٍ بينَ الشوارعِ والأزقَّةِ تجري بالماءِ الصافي، وأمرَ بحافَّتَي ذلك النهرِ وجميعِ السَّككِ، فطُلِيَتْ بالذهبِ الأحمرِ، وجعلَ الحصى المنثورةَ في قِيعانِها أنواعًا من الجواهرِ الفريدةِ الملونةِ الصفراءِ والحمراءِ والخضراءِ، ونصبَ على الضِفافِ أشجارًا من الذهبِ وعليها ثمارٌ من اليواقيتِ المشِعَّةِ.
وجعلَ طولَ المدينةِ اثنى عشرَ فرسخًا وعرْضَها مثلَ ذلك وأعلى سُورَها كثيرًا حتى وصلَ إلى ثلاثمائةِ ذراعٍ من أحجارٍ عريضةٍ وطلاهُ بالذهبِ وزيَّنه بما ندرَ وجودُه من المعادنِ والحجارةِ الملونةِ الغاليةِ الثمنِ، وبنى æفيها الألوفَ من القصورِ مزخْرِفًا بواطنَها وظواهرَها بأصنافِ الجواهرِ، ثم بنى لنفسِهِ في وسطِ المدينةِ على شاطىءِ ذلك النهرِ قصرًا مُنيفًا يشرفُ على تلكَ القصورِ كلِّها....
يتبع